المقارنة الانتقائية.. حجة السيئين

الاثنين 2017/08/14

لا بأس أن نبدأ من الاستنتاج قبل العودة إلى التحليل. بلا شك، نعاني من نمط تفكير متسم بالتبسيطية والاختزالية، متغلغل داخل مختلف وسائل الإعلام، شائع في أوساط الباحثين الإعلاميين، ومنتشر بين صفوف السياسيين. نقصد الحديث عن نمط تفكير يسعى إلى تحقيق الغلبة في المناظرة والسجال على حساب البداهة والحس السليم. الأمر يتعلق بتفكير يتسم بثلاثة أعراض أساسية: أولا الكسل الفكري. ثانياً تعميم الحكم الأخلاقي. وثالثاً التركيز على المقارنات الانتقائية في اتجاه واحد.

هل سنتكلم عن هذه الأعراض كلها؟ ليس ضروريا الآن.

في كل الأحوال طالما الكسل الفكري نعرفه ويسهل علينا تعريفه، وطالما تعميم الحكم الأخلاقي نعرفه كذلك ويسهل علينا تعريفه، فيبقى أمامنا أن نتحدث عن العنصر الثالث والذي هو المقارنة الانتقائية في اتجاه واحد. لا نشك في أن هذه الآفة هي المشكلة الأكثر استفحالا. فماذا نقصد بذلك؟ إن الأمر هنا يتعلق بمنهجية يعتمد فيها المرء على انتقاء عنصر واحد من عناصر المقارنة، بحيث يبدو الواقع الذي يبتغي تبريره أو الدفاع عنه كأنه جيد بالتمام والكمال، لا لشيء إلا لأنه يبدو أقل سوءا لدى المقارنة الانتقائية. طبعا نعترف بأن مقارنة السوء بالأسوأ تبقى أسلوبا نفسيا قد يساعدنا على تحمل السيء ولو لبعض الوقت أو إلى حين. الأمثلة كثيرة ويصعب حصرها، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

قد يبدو -ظاهريا على الأقلّ- أن تصور الإخوان المسلمين للسياسة أقل تخلفا من تصور السلفيين أو الجهاديين، والنتيجة وفق مزاعم البعض أن الحس السياسي يفرض علينا أن ندعم الإخوان المسلمين وأن نراهن عليهم بلا تردّد.

وقد يتقدّم البعض في سلم المحاججة فيقول إن كان راشد الغنوشي في تونس، أو عبدالإله بن كيران في المغرب، أو نحوهما في سائر البلدان، أفضل درجة من غيرهم من قادة الإسلام السياسي فهي حجة لدعمهم بدورهم بلا قيد ولا شرط.

غير أننا بنفس المنطق قد نجعل الرهان على الصوفية أو القرآنيين أو “المسلمين الطبيعيين” أرحم لمن يبتغي حماية مفهوم السياسة، وقد نذهب أبعد من ذلك فنتساءل، لم لا نراهن على المسلمين اليساريين أو المسلمين الليبراليين مثلا؟ لكن لكي لا ننسى فإنه ذات المنطق البائس الذي حاججت به بعض الجهات الداعية إلى التعامل مع جبهة النصرة بدعوى أن جرائمها أقل سوءا من جرائم داعش.

مثال ثان، قد تبدو صورة المرأة في إيران -ظاهريا على الأقل- كأنها أقل تهميشا من صورة المرأة في السعودية مثلا، والنتيجة إذن كما يزعم البعض أن نراهن على إيران وندعمها ونواليها في السراء والضراء وما إلى ذلك.

لكن باعتماد نفس المنطق البائس يصبح الرهان على إسرائيل أكثر إقناعا وفي الحد الأدنى نتساءل، لِم لا ننظر إلى صورة المرأة في دبي أو بيروت أو مرّاكش مثلا؟ لكن ذلك المنطق هو نفسه الذي استعمله البعض ممن فضّل الانحياز إلى داعش على حساب طالبان وبوكو حرام وغيرهما، طالما أن داعش تسمح على الأقل بمشاركة المرأة في أعمال الجهاد (ويا للمعايير).

أن يكون مستوى الحريات الفردية في غزة أفضل من مستوى الحريات الفردية في المناطق التي يديرها داعش في سوريا، فهذا الأمر صحيح، لكنه ليس حجة على أن الحريات الفردية في غزة بخير وسلام. أن يكون وضع المرأة السودانية تحت حكم جعفر النميري أشدّ سوءا من وضعها تحت حكم حسن البشير اليوم، فهذا واقع صحيح لكنه ليس حجة نزيهة على أن وضعية المرأة السودانية بخير وسلام.

ذلك أن الحجّة الحقيقية تقوم على أساس مقارنات متعددة الاتجاهات في الزمان والمكان حتى تكون الصورة مكتملة. هذا بالضبط ما تقتضيه أخلاق الحوار المفتوح، والتي هي أخلاق النزاهة والشفافية والقابلية للاقتناع، وقبول تأجيل النقاش متى طُلب ذلك للمزيد من التأمل في الحجج.

أما انتقاء عنصر محدّد للمقارنة ومن ثم محاولة الاستدلال به حصرا قصد محاصرة المحاور وإرغامه على التسليم بـ”الهزيمة”، فهذا من باب جعل الحوار مجرّد سجال ونزال وقتال.

كاتب مغربي

9