المقاطعة تتحول إلى الهامش: الدوحة تخفق في إيجاد عصبية وطنية

لم يشعر القطريون بحجم المقاطعة الخليجية لبلدهم مثلما شعروا به يوم عيدهم الوطني، حيث رفرف العلم القطري هذا العام ولأول مرة وحيدا بعد أن كان محاطا دوما بأعلام دول مجلس التعاون الخليجي، فيما قالت المعارضة القطرية “غاب الشعب وحضرت المرتزقة من إيران وتركيا في احتفالات العيد الوطني القطري”، الذي حاول من خلاله النظام القطري الهروب إلى الإمام عبر استعراضات عسكرية بدت موجهة لطمأنة الداخل واستعراض قوة لـ”تنويم” القطريين المتسائلين عن الحكمة من المكابرة والتعنّت في حين أن الدوحة فقدت الكثير وأصبحت مبرراتها ضعيفة أمام ما يكشفه العالم كل يوم عن أدوارها في تهديد الأمن الإقليمي والدولي، كما أنها فشلت في دعم العالم الذي لم تحوّل اهتمامه إلى قضايا أخرى شأنه شأن دول المقاطعة التي تحولت إلى ما “هو أهم من أزمة قطر الصغيرة جدا”، على حد تعبير وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وهو الأمر الذي لا ترغب الدوحة في الاعتراف به مُواصلة الهروب إلى الأمام.
الخميس 2017/12/21
محبط من محدودية الخيار التركي

الدوحة – تتحدث أوساط قطرية عن قلق داهم طرأ على سلوك النظام السياسي القطري جراء تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بمسألة المقاطعة التي فرضتها السعودية ومصر والإمارات والبحرين على قطر منذ 5 يونيو الماضي. وتقول هذه الأوساط إن توْق الدوحة إلى تحويل هذه المقاطعة إلى قضية كبرى فشل تماما، ليس فقط لدى عواصم المنطقة والعواصم الدولية الكبرى، بل حتى في داخل قطر نفسها ووسط الشرائح الاجتماعية القطرية.

ويروي مصدر قطري نافذ في عالم الاقتصاد والأعمال، أن محاولة النظام القطري صناعة عصبيّة وطنية قطرية تتمحور حول مسألة المقاطعة أتت بردّ فعل عكسي ودفعت بأسئلة كانت تُطرح بشكل خافت في السابق إلى سطح النقاش الذي يستعر داخل الدوائر الاجتماعية والسياسية القطرية والذي يلامس بعضها دوائر الحكم المباشرة في الدوحة.

ويضيف مصدر آخر أن المواطن القطري طرح أسئلة خلال السنوات الأخيرة حول نجاعة السياسة التي اعتمدتها الدوحة منذ انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 1995 والتي لم يجرِ عليها أي تغيير في عهد الأمير الحالي الشيخ تميم بن حمد.

ويقول هذا المصدر إن الجدل القطري كان يدور حول الحكمة من دعم جماعات الإسلام السياسي في العالم برمته ومدى اتساق ذلك مع مصالح قطر كما مصالح القطريين.

تقول أوساط دبلوماسية عربية عاملة في الدوحة إن الأجواء القطرية الحالية، حتى تلك المفترض أنها ليست بعيدة عن أصحاب القرار، تميل إلى الامتعاض جراء الحال الذي وصلت إليه البلاد بسبب تجاوزات اقترفتها الدوحة بحق الدول العربية، لا سيما الخليجية منها، وجراء الطريقة التي يدير بها النظام القطري الأزمة الحالية مع الدول المقاطعة كما مع بقية الدول الأخرى التي لديها تحفظات على الأجندات المشبوهة التي عملت ضمنها الدوحة خدمة لمشاريع خبيثة، وإن كانت هذه التحفظات لم تتحوّل إلى المقاطعة العلنية التي باشرها الرباعي العربي.

وتعتقد مصادر غربية مراقبة للمسألة القطرية أن نظام الدوحة يكابر متهرّبا من تحمّل مسؤولياته في صون مصالح قطر وجعلها منسجمة مع المحيطين الخليجي والعربي.

معلومات دقيقة تفيد بأن الدوحة توسلت في الأشهر الأخيرة العواصم الغربية لقيام مسؤوليها بزيارة إلى العاصمة القطرية

وترى هذه المصادر أن قطر، بقيادة الشيخ تميم في الظاهر وبتحريك من الأمير الوالد وشريكه السابق في الحكم الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، تسعى لتصديق أنه مازال بإمكانها ممارسة فرادة تمّ غضّ الطرف عنها من قبل المنطقة كما العالم منذ عام 1995، وأنها مازالت تجتهد لتقديم الخدمات للداني والقاصي بغية الترويج لنفسها كطرف قادر على القيام بـ “المهمات القذرة” في المنطقة، كما في بعض النواحي البعيدة حيث تنشط الجماعات الجهادية وفق مسمّيات مختلفة.

ويؤكد خبراء بريطانيون في الشؤون الخليجية أن معلومات دقيقة تفيد بأن الدوحة توسّلت في الأشهر الأخيرة العواصم الغربية لقيام مسؤوليها بزيارة العاصمة القطرية ودعمت توسّلها بجهوزيتها لتوقيع عقود لم تكن على الأجندة القطرية قبل ذلك.

وتضيف المعلومات أن الدوحة سعت لفرض مواعيد لاستقبال عدد من الزعماء الغربيين تتصادف مع العيد الوطني القطري، وهو أمر تنبّهت له هذه العواصم وسعت إلى عدم الاستجابة لأجندات الدوحة في هذا الصدد.

ويؤكد مراقبون خليجيون أن قطر خسرت رهانها ومازالت ترتكب الأخطاء التي ستفاقم هذه الخسارة. ويرى هؤلاء أن اندفاعها نحو التلويح بالخيارين التركي والإيراني أظهر إفلاسها وعدم اكتراث دول الخليج كما العواصم الدولية المعنية بتلك الخيارات.

وقال هؤلاء إن الدوحة فوجئت بمحدودية الخيار التركي وعدم قدرته على إحداث أيّ تطور في ميزان القوى، كما اكتشفت أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستثمر الأزمة لصالح أجندته الشخصية التي لا يريدها معادية لبقية الدول الخليجية.

واعتبر المراقبون أن المزاج الدولي العام ضد إيران جعل من اندفاعة الدوحة باتجاه طهران تفصيلا هامشيا لم تكترث له مواقف الدول الكبرى كما مواقف الدول العربية في مواجهة إيران.

ونُقل عن مصادر أميركية أن واشنطن نفسها التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منها استراتيجيته الجديدة ضد إيران لم تكترث لخيار قطر تجاه إيران ولم تفاتح الدوحة بشأنه، ما أثار حنقا في الدوحة جراء فشل النظام السياسي في استدراج الولايات المتحدة إلى موقف يسترضي قطر وينحاز إليها في مسألة المقاطعة العربية الراهنة.

يقرّ مصدر كويتي مراقب بأن أزمة قطر لم تعد مهمة وليست من أولويات دول مجلس التعاون الخليجي، لكنه يعترف في نفس الوقت بأن الأمر تحوّل من أزمة كادت تكون وجودية خليجية إلى شأن هامشي تحاول الدوحة أن تلعب من خلاله دورا مزعجا لا أكثر ولا أقل.

ويضيف المصدر أن قطر فشلت في تحويل موسم الحج الأخير إلى قضية إنسانية تطال الحجاج القطريين، كما فشلت في جعل الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي منبرا لعرض مأزقها، وهي تحاول هذه الأيام بيأس إثارة مسألة وهمية عن “مؤامرة” تستهدف التلاعب بعملتها.

حلّ أزمة قطر يكمن في تخلي الدوحة الكامل عن أحلامها الإمبراطورية بأن تشكل رقما صعبا في المنطقة والعودة إلى الحضن الخليجي الكامل الذي بإمكانه موحّدا أن يشكل هذا الرقم الصعب

ويؤكد مرجع دبلوماسي خليجي أن حلّ أزمة قطر يكمن في تخلي الدوحة الكامل عن أحلامها الإمبراطورية بأن تشكل رقما صعبا في المنطقة والعودة إلى الحضن الخليجي الكامل الذي بإمكانه موحّدا أن يشكل هذا الرقم الصعب. ويرى هذا المرجع أن وقف الدوحة دعمها للإرهاب ولتيارات الإسلام السياسي، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين، هو المدخل الطبيعي لتخلص قطر من وضع شاذ لم يعد مقبولا والتحول إلى دولة رصينة تحترم قواعد السلوك الدولي، خصوصا وأنه بتوقيعها مع الولايات المتحدة على اتفاقات لوقف تمويل الإرهاب تقرّ بشكل غير مباشر بضلوعها في هذا الصدد.

ويضيف المرجع أن حلّ النزاع مع قطر لا يتم من خلال العواصم البعيدة سواء بطرق أبوابها أو باستدراجها نحو منطقة الخليج، بل من خلال البيت الخليجي ومن خلال البوابة السعودية بالذات.

ويؤكد المرجع أن الرياض تقود تحوّلا مفصليا مرتبطا بمصير منطقة الخليج كما المنطقة العربية برمتها في مجموعة من الملفات أهمها التصدي للخطر الإيراني، وأن لا مصلحة للدوحة إلا مع الرياض، وهو أمر يُفترض أن قطر قد استنتجته بوضوح سواء في مداولاتها الخليجية أو تلك الإقليمية والدولية الأخرى.

7