المقالات التحليلية الطويلة طوق نجاة الصحافة المطبوعة

الصحف الإخبارية تفشل في إيجاد طريقة لجعل النموذج الرقمي مكملا للنموذج المطبوع.
السبت 2019/11/09
ننشر ما يريده القراء

كيف نحافظ على مستقبل الصحافة المطبوعة، سؤال بدأ الصحافيون مؤخراً في تقديم إجابات عنه. ومن بين الإجابات المقدمة أن الطباعة مثالية لنشر النصوص الطويلة، إذ يفضل العديد من الأشخاص تقليب الصفحات بدل قراءتها على الإنترنت.

نيويورك - الصحافة في ورطة، يجادل عدد من الصحافيين مشيرين إلى أدلة تؤكد نهاية الصحافة المكتوبة كما ألفناها.

في الوقت نفسه، كان تقرير مولر المعروف في الدوائر الرسمية باسم التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2016، والذي توافد عليه الجمهور، كتابا مطبوعا.

يمكن لأي شخص أن يبحث عن التقرير لقراءته مجانا عبر الإنترنت، فلماذا دفع البعض ثمن النسخة المطبوعة؟ دفع هؤلاء أموالهم للسبب نفسه الذي جذبهم لقراءة تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وتقرير ستار عن بيل كلينتون، وهما وثيقتان عامتان متاحتان على شبكة الإنترنت مجانا لكنهما من المناشير الأكثر مبيعا في نسختهما المطبوعة.

الجواب، وفق الصحافي تيد رال “تسهل قراءة النصوص الطويلة مطبوعة”.

حمّل العديد من القراء تقرير مولر على أجهزتهم الإلكترونية. وكما برز من نجاح الكتاب المطبوع، كان العديد من الناس مستعدين لدفع الأموال لتجنب إجهاد أعينهم عند استخدام شاشة صغيرة لقراءة نص يمتد على أكثر من 400 صفحة. ويشير هذا إلى مستقبل الصحافة المطبوعة.

خلال سبعينات القرن الماضي، نشرت المجلات الإخبارية الأسبوعية مثل التايم ونيوزويك تحاليل مطولة للقصص التي نقلتها الصحف اليومية في الأسبوع السابق لإصدار أعدادها. كان المراسلون في الصحف الأسبوعية يجرون بحوثا عميقة مما يساعدهم على اكتشاف تفاصيل جديدة وتفسيرها لقرّائهم حتى يدركوا السبب الذي يجعل الخبر مهما. وقرأ عشرات الملايين من الأميركيين هذه الإصدارات فور توفرها.

ومع تطوير شبكة الويب في التسعينات، انحرفت الصحف الإخبارية عن مسارها، إذ رأى المحررون في انتشار شبكة الإنترنت إثباتا لافتقار قرّائهم القدرة على التركيز، مما دفعهم إلى خفض عدد الكلمات في محاولة لجذبهم. أصبحت القصص أقصر وأقل. لذلك، توقف الناس عن القراءة. لماذا يدفع القارئ للاطلاع على نفس المحتوى الذي يمكنه الحصول عليه عبر الإنترنت مجانا؟

المقال الطويل هو المستقبل

اليوم، تزدهر مجلات مثل النيويوركر وذي إيكونوميست لأنها حافظت على التزامها بنشر المقالات التحليلية الطويلة، وهي أبرز فنون المقال الصحافي، التي تفصّل القضايا المستمرة. عند شرائها، لن تجد أي دليل على توفرها على الإنترنت. تُشبّع المقالات بعدد كبير من الكلمات، وتتخللها رسوم توضيحية مرسومة باليد أحيانا. ويمكن أن تصل بعض التقارير إلى 10 آلاف كلمة.

وعلى الرغم من أنها تشكل تحديا، فإن هذه الأنواع من القطع الطويلة والمتعمقة تعدّ جزءًا حاسمًا من الصحافة.وقال أوكتافيو إنريكيز هو صحافي استقصائي، وفائز بجائزة أورتيغا واي غاسيت عام 2011 وجائزة ملك إسبانيا عام 2014، “من أسوإ الكوابيس لي أن تبلغني يوما ما إحدى الصحف أنه لن يكون لديها الوقت لنشر قصص طويلة ومتعمقة، وأن كل شيء يجب أن يكتب بسرعة وعلى عجل”. وأضاف “بالنسبة لي، قصة جيدة تساعدك على التفكير وأحيانا نحن بحاجة إلى وقفة ونرى كيف يعمل كل شيء من حولنا، والصحافة لا يمكن أن تعمل من دون هذا النوع”.

الصحف أصبحت تنشر مواد طويلة بمعدل أقل بـ85 بالمئة مقارنة بما كانت تنشر قبل عقدين من الزمن، وفق إحصائيات

وتقول أرقام إن الصحف أصبحت تنشر مواد طويلة بمعدل أقل بـ85 بالمئة مقارنة بما كانت تنشر قبل عقدين من الزمن.

قال الكاتب المالي دين ستاركمان إن الانخفاض يعود إلى “الخسارة في المعرفة العامة”. ويبدو أن نشر قصص طويلة أقل كأنه رد طبيعي على النقص في الدخل، والحاجة لطباعة صفحات أقل على ورق الصحف الباهظ الثمن.

من جانبه، يشير أستاذ الصحافة جيف جارفيس بأن طول القصص ليس عاملاً محددا للجودة في ملامح صحيفة اليوم، إذ قد تكون هذه المقالات المطولة المنشورة قبل عقدين من الزمن سخية أكثر من اللازم أو أنها جذابة للجوائز.

الحقيقة أن الصحف تعمل اليوم في حقل أوسع بكثير مما اعتادت عليه سابقاً ما يجعل المنافسة أكثر أهمية.

ماذا يريد القراء

قال مؤسس شركة آبل الأميركية ستيف جوبز عبارة شهيرة ”العملاء لا يعرفون ما يريدون”. يمكن تطبيق نفس الشيء على القراء. لذا نستنتج: لنتوقف عن السؤال عما يريده القراء ونبدأ بالسؤال عمّن هم، وكيف يتصرفون عند قراءة مواد طويلة؟

وعلى الرغم من تنبؤات الخبراء، لم يقتل التلفزيون الراديو لأن المتابعين لم يستطيعوا مشاهدة التلفزيون أثناء القيادة أو تنظيف المنزل. وتعتبر الطباعة مثالية لنشر النصوص الطويلة، إذ يفضل العديد من الأشخاص تقليب الصفحات ويرونه الخيار الأفضل لأعينهم.

Thumbnail

تبقى المطبوعات وسيلة لجمع الأموال إلى اليوم. ومثلما كان الأمر خلال سبعينات القرن الماضي، يقرأ الناس الصحف اليومية للاطلاع على الأخبار العاجلة ويشترون المجلات الإخبارية لقراءة التحليلات الطويلة. وعند وقوع حدث ما، يقرؤون عنه على أجهزتهم المتصلة بالإنترنت فور حدوثه. وتعمل المنافذ الإخبارية المطبوعة على توفير التحاليل اللازمة بعد انتشار الأخبار. وتشمل الرسوم البيانية التي يتطلب إعدادها أياما.

ويقول بافيت إن الصحف “لم تتوصل إلى طريقة تجعل النموذج الرقمي مكملا للنموذج المطبوع”. وطردت بعض الصحف المفكرين المتمتعين بخبرة في مجال تحرير الأخبار ووظفت البعض من أبناء جيل الألفية الذين يعتقدون أنهم يستطيعون أن يجذبوا القراء للاشتراك برواتب أقل. ويجب أن تدرك الصحف أنها ستخسر الكثير، إذ لن يدفع أحد لقراءة نفس الأخبار التي اطلعوا عليها بالأمس مجانا على هواتفهم.

سيمحو الزمن أولئك الذين لن يروا هذه الحقيقة في الوقت المناسب. وستعوضهم أجيال جديدة من المنافذ الإخبارية المطبوعة المخصصة للتحليل والتعليق الطويل.

18