المقامرون بالثورة يعمقون الأزمة الاجتماعية في تونس

الأحد 2016/01/24

ليس هناك ما يحول دون أن تخرج الاحتجاجات التي تعيشها تونس هذه الأيام عن دائرة السلمية إلى دائرة العنف الواسع، أو أن تفتح الأبواب أمام المجموعات المتشددة المتخفية في الجبال كي تتسلل إلى المدن وتدفع نحو توتير الوضع بشكل أكبر. والجميع يتحمل مسؤولية الأزمة التي تعيشها تونس وقائمة المقامرين بأمنها كثيرون من أجل مصالح حزبية.

في مواجهة هذا الوضع اكتفى الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ورئيس حكومته الحبيب الصيد بالتأكيد على أن الوضع تحت السيطرة، محذّرين من استفادة داعش من هذا الوضع، مطلقين وعودا عامة بتجاوز الوضع وتقديم خطط عاجلة لمواجهة أزمة البطالة التي تقف وراء تحرك مئات الشباب في محافظات مختلفة.

صحيح أن خطر استفادة داعش من هذا الوضع قائم، لكن قطع الطريق أمامها لا يتم فقط بالتخويف منها، وحث الشباب المتظاهر على العودة إلى بيوتهم وإطلاق الوعود ثم العودة إلى الروتين السياسي العادي.

ومن المهم التأكيد على أن حل أزمة البطالة التي يعيشها قرابة 700 ألف تونسي، لا تتم بقرار سريع يعلن فيه الناطق باسم الحكومة عن البدء باستيعاب ستة آلاف شاب عن كل محافظة من مجموع 15 محافظة في القطاع العام، فهذا القرار لم يقنع حتى وزير المالية التابع للحكومة نفسها الذي شكك في قدرة وزارته على تمويل عمليات التوظيف المعلنة والتي لم تتم قراءة حساب لها في موازنة العام الجديد.

من الواضح أن الحكومة تريد أن توقف الاحتجاجات بأيّ ثمن، ولذلك قد تقدم على إغراق القطاع العام بأكثر من 100 ألف موظف جديد، لتنجو بنفسها وتغرق البلاد التي يعيش اقتصادها تراجعا كبيرا بعد انسحاب السياح الأجانب، وفي ظل تردد المستثمرين الأجانب في القدوم إلى البلاد. وأكثر من ذلك فإن ألفي مستثمر تونسي غادروا باتجاه المغرب بحثا عن الاستقرار الأمني والتسهيلات الجبائية.

لا بد من الاعتراف أن هذه الحكومة ظلت رهينة الأزمة الداخلية التي يعيشها حزب نداء تونس الذي فاز بانتخابات 2014 وحاز الأغلبية البرلمانية قبل أن ينسحب من كتلته أكثر من 20 نائبا لتصبح الأغلبية بيد حركة النهضة الإسلامية.

ويتحمل نداء تونس المسؤولية المباشرة عمّا يجري من أزمة اجتماعية خانقة لأنه حصل على تفويض شعبي لتشكيل حكومة يكون هدفها الأساسي معالجة مخلفات الأزمة الاقتصادية والأمنية لحكومتي الترويكا التي كانت تترأسهما حركة النهضة.

وبدلا من ذلك بادر نداء تونس إلى التحالف مع النهضة في البرلمان والحكومة ما انجرّت عنه أزمة داخلية لم يتم تجاوزها بعد رغم مرور أشهر عليها، وسط رفض جانب كبير من قياداته ومؤيديه لهذا التحالف، وهو أمر جعل الحزب، الذي كان يقول إن لديه القدرة على تشكيل أربع حكومات مرة واحدة وليس حكومة فقط، عاجزا عن البدء في تحقيق ولو جزء بسيط من وعوده الانتخابية ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي، فضلا عن تعثر جهود مواجهة الإرهاب وتوفير الاستقرار الأمني ما يشجع على عودة الاستثمارات والسياح.

صحيح أن حكومة الصيد بادرت إلى التخلص من جزء مهم من التعيينات التي أغرقت بها حكومتا النهضة المؤسسات العامة، لكن تعويضهم لم يكن مدروسا ولم يخضع للكفاءة ونظافة اليد، واستعانت بتجربة بعض من عملوا في فترة ما قبل الثورة خاصة على مستوى المحليات من معتمدين وعمد، وهي الفئة التي ساهمت بسلوكها في احتجاجات ديسمبر 2010 ويناير 2011 بسبب الفساد والمحسوبية واحتكار الدعم الذي تقدمه الدولة للفئات المهمشة. وهو ما كان وراء الاحتجاجات التي انطلقت في محافظة القصرين (غرب) السبت قبل الماضي، حيث تم التلاعب في قائمة منتدبين سيتم إلحاقهم بوزارة التربية من مسؤولين محليين.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الأحزاب والنقابات استثمرت الثورة لتوفير مواطن العمل للمنتمين إليها سواء في القطاع العام أو في المؤسسات ذات الصبغة السياسية وفي الجمعيات المدنية المختلفة فيما ظلت هذه المؤسسات موصدة في وجه الشباب العاطل عن العمل في المناطق الداخلية وفي محيط المدن الكبرى.

فالنهضة دفعت بالآلاف من منتسبيها إلى القطاع العام تحت عنوان العفو التشريعي العام، ونداء تونس، أغرق الإدارات بأنصاره خلال عام رغم ما رافق ذلك من خلافات بين شقوقه المتعددة، واتحاد الطلبة المقرّب من الجبهة الشعبية ضغط بالاعتصامات والاحتجاجات لإدخال مئات من أنصاره في القطاع العام، واتحاد الشغل فرض بدوره زيادات كبيرة في القطاع العام والخاص لفائدة الآلاف من المنخرطين فيه.

لكن ليست الحكومة، أو نداء تونس فقط المتسببان في الأزمة الحالية، إذ تتسع قائمة المقامرين بالثورة إلى مختلف الأحزاب سواء التي هي جزء من التحالف الحكومي مثل حركة النهضة والتيار الوطني الحر وحزب آفاق، أو من الأحزاب التي تقف على الربوة وتغرق المشهد بالمزايدات والشعارات الثورية.

فحركة النهضة التي اكتفت بحقيبتين وزاريتين تكتفي بالمراقبة من الخلف وتترك حكومة الصيد تواجه الأزمة بمفردها، ويبرر بعض قيادييها ما يجري بكونه ناجما عن عجز نداء تونس عن تقديم حلول لأزمة البطالة مع أنها شريك له في الحكومة، وكانت سببا رئيسيا في الانشقاقات التي يعيشها. أما الحزبان الآخران فلا يهمها غير الحصول على عدد أكبر من الوزراء في الحكومة ولا دور لهما سياسيا أو إعلامية في إسنادها والدفاع عنها.

وفي الفريق المقابل نجد الجبهة الشعبية، وهي تحالف يساري راديكالي، وتحالف الإرادة الذي يرأسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي وأحزاب أخرى صغيرة، تدعم الاحتجاجات بقوة دون مراعاة قدرات الحكومة في حلّ أزمة البطالة بسبب الوضع الاقتصادي والأمني. لا يهتم المعارضون الواقفون على الربوة سوى في الخراج السياسي لصراعهم مع حكومة مسنودة بتحالف منتخب بشكل ديمقراطي.

ومن المفارق هنا أن الجميع يرفع شعار الديمقراطية والاحتكام للانتخابات، لكن حين الخسارة يترك ذلك الشعار جانبا ويعود إلى أدبيّاته الثورية التي تحث على المواجهة والتصعيد وتوظيف الشارع في مواجهة الخصوم.

ومن الواضح أن الجميع اختزل الثورة في نقطة وحيدة هي كيف أصل أنا إلى الحكم وأسيطر على المؤسسات، وليس مهمّا متى يبدأ حل أزمات المناطق الداخلية وأحزمة المدن الكبرى التي كانت وقود احتجاجات 2010/2011.

كاتب وصحفي من تونس

4