المقاهي الأدبية في مصر تحفظ ذاكرة المكان والمواقف

لم يكن للمقهى أي حضور في الحياة السياسية أو الثقافية في بداياتها، بل مجرد مكان يلتقي فيه أبناء المدينة مع بعضهم البعض لاحتساء القهوة وتدخين الشيشة، إلى أن بدأ بعض المثقفين يتحركون لتغيير مجرى الحياة السياسية والثقافية في مصر، واستمر الأمر بعدها وارتبطت مقاه محددة بأسماء ثقافية وأدبية معروفة.
الأربعاء 2016/01/27
لصاحب جائزة نوبل مكان قصي

القاهرة- قد يتصوّر أن للمقهى شخصية مميزة جذبت الأدباء والمثقفين إليه، ولكن المسألة كلها أنهم هم الذين صنعوا للمقهى كل هذه الجاذبية والخيال، ودونهم يتحوّل إلى مجرد مقهى لا ميزة له إلا طبيعة المكان وتجهيزاته. ولعل من أبرز الأدباء الذين ارتبطت أسماؤهم بالمقاهي، نجيب محفوظ، الذي لم يذكر أحد أنه زاره في منزله سواء من أصدقائه أو معارفه إلا في سنواته الأخيرة، حيث أقعده المرض وتحول الجلوس في المقهى ليس مجرد طقس بل “فسحة” ورحلة ترفيهية ليتذكر جلساته مع أصدقائه.

نجيب محفوظ كتب عمر المقاهي بدقة “حواديتها” وطبيعة روادها وأصحابها، وكتب عدة روايات حملت أسماء مقاه أحب الجلوس فيها مثل “قشتمر” و”الكرنك”، وكان للمقهى حضور في روايته “زقاق المدق” وكان يسمّى “عش البلبل”. أما المقاهي التي ارتبطت باسمه فمنها مقهى “علي بابا” الذي يطل على ميدان التحرير، فقد اعتاد أن يرتاده في الصباح الباكر ويجلس في طابقه العلوي متأملا الميدان الفسيح من النافذة وهو يرتشف قهوته ويطالع صحف الصباح، ليزداد المقهى شهرة وحركة، وخاصة بعد حصول محفوظ على نوبل، ليتسلل إليه (الفضوليون) في انتظار رؤية أديبهم الكبير الذي كان يبادلهم التحية وترتسم على وجهه ابتسامته المعهودة. وكان محفوظ يرتاد قبل ذلك مقاهي عديدة مثل “الفيشاوي”، و”كازينو الأوبرا” و”ريش” و”كازينو قصر النيل”، أما في الإسكندرية فكانت جلسته الأدبية في مقهى “بترو” أو “تريانون”، حيث تتحول الجلسة إلى ندوة ثقافية وغالبا ما تضم أصدقاءه من جماعة (الحرافيش).

فريدة النقاش: بعض المقاهي لا تزال موجودة وتمارس دورها، ولكنه دور هامشي، لأن الدور الرئيسي انتقل إلى الأماكن المخصصة الأخرى

ويذكر الروائي إبراهيم عبدالمجيد أن لقاءه الأول بمحفوظ كان بمقهى “بترو” في الإسكندرية وأنه انجذب إلى حديثه وسائر الأدباء من حوله، ثم دفعه النداء ليمضي وراء محفوظ في مقاهي القاهرة، ودائما ما كان يجلس صامتا وهو يراقب الرجل في حديثه وصمته، دون أن يتكلم أو يشارك في الحوار. ويحضر المقهى كمكان لدراما حية ومتفجرة بالمأساة والكوميديا في آن واحد.

وقد شهد العديد من المواقف، وكتب فيه الشعراء والأدباء إبداعاتهم ومنهم الشاعر الراحل نجيب سرور الذي استوحى قصائد ديوانه “بروتوكولات حكماء ريش” من أجواء مقهى “ريش”، وطرح إحباطات عصر عاشه من خلال تمركز المثقفين وثرثرتهم الدائمة في أعقاب هزيمة يونيو1967.

ومن مقهى “ريش” انطلقت فكرة مجلة “جاليري 68″، التي أسستها مجموعة من المثقفين بعد نكسة 1967، ليقدموا إبداعا مغايرا من خلال نصوص جميل عطية إبراهيم وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي وإبراهيم منصور وإدوار الخراط وإبراهيم فتحي وآخرين.

ولو عدنا إلى الوراء لوجدنا العديد من الذكريات التي تجسدت على مسرح المقهى، وهو ما يقوله عبدالمنعم شميس في كتابه “شخصيات مصرية”، “كانت فترة السهرة عند د. زكي مبارك تبدأ من منتصف الليل.. وكان مكانها مقهى صغيرا في ميدان التوفيقية.. صيفا على الرصيف وشتاء داخل المقهى.. منضدة محجوزة دائما للدكاترة، ومعظم المقاعد لأصدقائه ومريديه من الأدباء والمتأدبين والهواة”.

نجيب محفوظ كان يرتاد مقاهي عديدة مثل قشتمر والكرنك والفيشاوي، وكازينو الأوبرا وريش وكازينو قصر النيل

ويضيف شميس “كان زكي مبارك يكتب مقالاته الشهيرة ‘الحديث ذو الشجون’ على هذه المنضدة الرخامية ذات القاعدة الحديدية.. يكتب على أوراق يجدها بين يديه.. وعندما يكتب بقلم ‘الكوبيا’ الشهير الذي كان يحتفظ به في جيبه الأعلى كان الصمت يسود حتى يعود القلم إلى مكانه، وتندس الورقة في جيب الدكتور، ثم تبدأ الجلبة مرة أخرى”. ورغم التحولات التي طرأت على شكل لقاءات الأدباء، فإن المقهى لا يزال بحضوره الخاص، قيمة وضرورة، ليشعر المبدع بحريته الكاملة وسط الناس دون “التقولب” داخل الصالونات الباردة.. والطريف أن عبدالمجيد يقوم بالإشراف على المقهى الثقافي ضمن فعاليات معرض القاهرة للكتاب.

ويطالب الشاعر محمد أبودومة، بضرورة توفير مقاه ثقافية لهذا العدد الهائل من الأدباء الشباب، فقد كان المبدع الشاب في الماضي يبحث عن أديب كبير يتعلم منه، أما الآن فلا يحدث هذا، فكل شاعر يضع نفسه فوق هامة المتنبي، وأصبح عاديا أن نسمع شابا ينفي الشعرية عن شوقي أو نزار، وذلك لغياب التواصل الحميم بين الأجيال.. وقد رأى القائمون على معرض القاهرة للكتاب، ابتداع شكل المخيمات الثقافية التي يتواصل فيها جمهور المعرض مع أشكال إبداعية عديدة، ومن بينها المقهى الثقافي الذي يلتقي فيه الرواد بتنويعات إبداعية وأدباء من رموز الحركة الثقافية، ويتواصل بينهم النقاش حول العديد من القضايا الفكرية والأدبية.

وتقول الناقدة فريدة النقاش “لا تزال بعض المقاهي موجودة وتمارس دورها، ولكنه دور هامشي، لأن الدور الرئيسي انتقل إلى الأماكن المخصصة الأخرى، مثل المكتبات العامة والأحزاب السياسية التي تعقد منتديات ثقافية، وكان من الضروري أن تنزوي أهمية المقاهي”.

ويطرح البعض سؤالا مشروعا حول استمرار المقاهي في أداء دور الملتقى الذي يجمع الأجيال الأدبية لمجرد أن هناك مقهى شهيرا معروفا بتواجد المثقفين الدائم واعتيادهم الجلوس فيه، ولكن حقيقة الواقع الحالي تؤكد أن الأمر لم يتغير بالشكل الذي يمكن أن يتصوره البعض بسبب آليات التحديث ووجود فضاء واسع خلفته شبكة الإنترنت، فقد أحدثت في السنوات الأخيرة عدة مقاه صنعت شهرة واسعة لمجرد تحولها إلى ملتقى للشباب وبعض المدونين والنشطاء السياسيين.

20