المقاهي الأدبية وبيولوجيا التوقيت

الخميس 2016/02/18

في العراق يمكن القول إنّ عصر المقاهي الأدبية انتهى تماما، وهذا من واقع الحال الذي نعيشه في محنة السياسة ومشتقاتها الكثيرة. فبعد أن كانت المقاهي ملتقيات أدبية ثقافية معرفية تعارفية حافلة بالجدل الفكري الثقافي، بل وتحريضية أيضا في الخمسينات والستينات بطابعها السياسي، انحسرت هذه المفاهيم إلى حد كبير وتشظت في خضم التحوّلات السياسية التي طالت منافذ المجتمع وبواباته الصغيرة والكبيرة ومتنفساته المعروفة، من دون وجود أو إيجاد بدائل تعوّض الزمن المفقود في أروقة تلك المقاهي العريقة، كالبرلمان وحسن عجمي والزهاوي والبيروتي وغيرها.

في كل العالم هناك المقاهي الأدبية الريادية التي خرجت منها جماعات أدبية وبيانات ووصفات شعرية وسردية وأسماء ومواقف ومعارضات وسياسات وتجمعات وجماليات متعددة، يفترعها الصدق والجرأة ومحاولات كثيرة للانتقال من الخيال إلى الواقع ومن الأمل إلى الطموح والإنجاز والإبداع، والشواهد كثيرة على ذلك ولا سيما في عالمنا العربي ببيروت ودمشق وبغداد والقاهرة، حيث كان للمقهى دورها المباشر وغير المباشر في إشاعة الوجود الثقافي والتنويري في نهضة الثقافة العربية ومنعطفاتها الكبيرة المعروفة.

لا نعرف إن بقيت تلك المقاهي على حالها التبشيري والتنويري، أم أن الربيع العربي الأسود قضى عليها مثلما قضى على كل بارقة أمل ومكان رافل بالحياة والحيوية، وحوّل الأشياء السعيدة إلى ذكريات، أخذنا نعيدها في كتاباتنا كلما سنحت الفرصة لنا هنا وهناك، في محاولة للإبقاء على الأثر الحميد في ذاكرة الأجيال المتعاقبة؟

في بغداد على الأقل نرى ثمّة عزوفا عن تلك المقاهي الهرمة المثقلة بالزمن البعيد، وهو عزوف له ما يبرره على المستوى الأمني في أقل تقدير، وكذلك تدهور الحياة اليومية من زوايا متعددة، فبغداد التي كانت تسهر حتى الصباح تغيّرت معالم أوقاتها وأخذت تنسحب مع نهاية النهار، وبالتالي ارتبكت بيولوجيا التوقيت لدى الجميع، ومع أن الزمن يسترسل إلا أنّ زمن الآخرين تعرقل ماديا ومعنويا، فتثاقلت الخطى الذاهبة إلى المقاهي في نهاراتها الكابوسية القائمة على المفخخات والقتل العشوائي، وشرعت المقاهي ذاتها بغلق أبوابها مبكرة، لتساهم في التأكيد على أن الحياة الثقافية تغيّرت هي أيضا في دورتها البيولوجية والنفسية، وفقدت ملامح البقاء الأثير على كراسيها.

ومع أن شارع المتنبي الشهير في العاصمة بغداد استقطب جموع المثقفين في دورة أسبوعية، وليست يومية، إلا أنه تبقى للمقهى نكهتها المميزة في تكوين صورة جيّدة، بملامح حقيقية للنخب والمواهب التي كانت تلتقي وتتلاقح وتنتج وتتبارى أيضا في عرض أفكارها ومشاريعها الأدبية.

المقاهي الأدبية منتديات شعبية مؤسسة على نمط اجتماعي قبل أن يكون ثقافيا أو أدبيا؛ لكن اجتماعيتها في ظروف الحروب وسيادة أمراء الحروب والطوائف المسلحة، وتقويض مستلزمات الحياة فيها تجعلها عرضة للانسحاب والتقوقع، كما حصل في العراق حينما سادت شريعة الغاب المسلحة كنقيض سيء للثقافة، وبالتالي صارت هذه الأمكنة- المقاهي متاحة لارتكاب الجريمة والفوضى، وقد حصل هذا أكثر من مرة في المقاهي الشعبية؛ تفجيرات وأحزمة ناسفة ومفخخات قاتلة، لتقضي على الزمن المتبقي وتحوّله إلى رماد.

وكما هو معروف فإن جماعية المقهى فكرة قديمة كحاضنة فطرية تساهم في تكريس النوع الثقافي وتساعد على إشاعته ونشره، لكن المقاهي العراقية في هذا الخضم من العنف أصبحت هي أيضا مستهدفة، وبمعنى آخر فإن الثقافة هي المستهدفة بحالتها العامة وبشخصياتها أيضا، وهذا ما حدث بالفعل في أكثر من مناسبة راح ضحيتها أفراد شعراء وصحافيون وروائيون ومسرحيون وفنانون، وممّن يشتغلون في حقول الجمال بصفة عامة.

التوقيت البيولوجي لمقاهي العراق تغيّر كثيرا، كما تغيّر حال المثقفين عموما.

كاتب من العراق

14