المقاهي التقليدية في إيران تستقطب الشباب

أقدم بيوت الشاي في طهران تبحث عمن يرثها ويحميها.
الخميس 2021/09/23
أيقونة في مساحة ضيقة

عرفت المقاهي الايرانية في القديم بأنها بمثابة النادي الثقافي الذي يلتقي فيه الزبائن بشكل دائم للحديث في ما يشغلهم من شؤون اجتماعية وسياسية وثقافية. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين ظهرت المقاهي المعاصرة، لكن الفضاءات التقليدية بقي لها إشعاعها بين الشباب أيضا، حتى أن صاحب أقدم بيت شاي يبحث عمن يحافظ على هذا الإرث من بعده.

طهران - ورث كاظم مهبوتيان عن والده أصغر بيوت الشاي وأقدمها في طهران، حيث يسقي رواده شرابا منكّها بالعشق، ويتطلع إلى من يحمل عنه يوما ما، عاتق إبقاء هذا الإرث حيا.

يقع أقدم مقاهي تقديم الشاي “إيخانه” بالفارسية، والمعروف باسم “حاج علي درويش”، بين متجرين للألبسة في أحد أزقة البازار الكبير في طهران. وعلى الرغم من أنه يكاد لا يرى لضيق مساحته البالغة متراً ونصف متر مربع، إلا أنه يشكل مقصدا لمتذوقي الشراب ذي الشعبية الواسعة تاريخيا في إيران.

وكانت هذه الأماكن في البداية مجرد مكان لتناول القهوة، لكنه وبعد دخول الشاي إلى ايران والبدء بزراعته، أصبحت المقاهي تقدِّم الشاي بدل القهوة، وبهذا الشكل أصبحت المقاهي منذ القرن الثامن عشر تقدِّم الشاي، لكن اسم المقهى بقي يرمز إليها.

ويقول كاظم  صاحب مقهى درويش “ولد والدي الحاج علي مهبوتيان المكنى بدرويش أو بهشتي (الجدير بدخول الجنة بالفارسية) في همدان، وجاء إلى طهران وهو في الخامسة عشرة من العمر لتحصيل قوته، واشترى هذا المكان من الحاج حسن الذي كان افتتحه عام 1918″.

خلف الرجل النحيل ذي اللحية البيضاء المشذبة والسترة البرونزية اللون والوشاح الأحمر، تعج رفوف بأغراض كثيرة: مذياع قديم، تماثيل للدراويش، مصباح زيت.. وبجانبها أخرى متعلقة بالشاي كالأباريق النحاسية أو الزجاجية المزخرفة، والأقداح، وسماور لإعداد الشراب، وقطع من السكر النبات بنكهة الزعفران ذي الشعبية الواسعة لدى الإيرانيين.

مقهى "حاج علي درويش" في أحد أزقة البازار الكبير في طهران مدرج على لائحة التراث غير المادي للثقافة الإيرانية
مقهى "حاج علي درويش" في أحد أزقة البازار الكبير في طهران مدرج على لائحة التراث غير المادي للثقافة الإيرانية

وعلى الجدار، علّقت شهادة صادرة عن وزارة التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية، تفيد بأن المكان “أدرج على لائحة التراث غير المادي للثقافة الوطنية” الإيرانية.

اعتبار من السابعة والنصف صباحا، يبدأ كاظم مهبوتيان البالغ 63 عاما، بإعداد مختلف صنوف الشاي، من الأسود التقليدي، الى تلك المعدة مع الهيل والقرفة والنعناع والزعتر. وعلى اللائحة أيضا، شراب أصفر اللون سمّاه “شاي اللطف”، وفيه مزيج النعناع والحامض والزعفران.

ويوضح مبهوتيان “حتى العام 2007، تولى والدي إدارة بيت الشاي هذا الذي يعرف بأنه الأصغر مساحة في العالم. لكنه تعرض لكسر في ساقه، ولم يتمكن بعد ذلك من معاودة العمل. بقي في المنزل حتى وفاته عن عمر 92 عاما في سنة 2018″.

وكان للمقاهي في المجتمع الايراني تأثير واسع على التطورات وتناقلها في المجتمع، فقد ملأت أوقات الفراغ وكان الناس يجتمعون في المقهى كل يوم بعد العمل وفي ساعات فراغهم ويتباحثون ويتكلمون حول نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وليل المقهى في شهر رمضان المبارك يشهد جلسات واجتماعات خطابية وشعرية وقراءة الشاهنامة وبعض الألعاب.

دفع عجز الوالد عن متابعة إدارة المقهى، بابنه إلى ترك عمله في مجال الإعلانات والاهتمام بالمكان.

ويؤكد كاظم أنه لم يندم “إطلاقا” على تلك الخطوة، موضحا بابتسامة نادرا ما تفارق محياه “الإعلانات كانت مهنة، هنا (بيت الشاي) حكاية عشق. قلبي اختار هذا العمل، ولم أقم به من أجل المال”.

لا يقارب مهبوتيان علاقته بزبائنه من منظور التجارة. فعلى سبيل المثال، كوب الشاي مسعّر “بمئة ريال إيراني (نحو 30 سنتا من اليورو)، لكن الأسعار ليست ثابتة. يتعلق الأمر بالحال المعيشية للزبون”، في بلاد تعاني أزمة اقتصادية تعود بشكل أساسي إلى العقوبات الأميركية.

ويؤكد مهبوتيان أن زهاء 200 شخص يزورون يوميا مقهاه الواقع في أبرز أماكن التسوق التاريخية دائمة الاكتظاظ في طهران.

زبائن وأصدقاء
زبائن وأصدقاء

ويوضح “غالبيتهم يأتون من خارج السوق (البازار) لأنهم يعرفوننا. كان ثمة العديد من السياح أيضا، لأن بيت الشاي هذا كان مدرجا في الأدلة السياحية، لكن الأجانب اختفوا خلال الجائحة”، في إشارة الى أزمة تفشي كورونا، والتي تعد إيران أكثر الدول تأثرا بها في الشرق الأوسط.

ويحول ضيق المساحة دون وضع أيّ كراس أو طاولات داخل المقهى. لذلك، يوفر كاظم مهبوتيان بعض الكراسي البلاستيكية القابلة للطي، للزبائن الراغبين بالجلوس وشرب الشاي قربه.

ويظن البعض أن مرتادي المقاهي التقليدية اليوم هم كبار السن ممن يحنّون إلى ذكرياتهم القديمة لكن الواقع أن معظم زبائن تلك الفضاءات القديمة هم من الشباب الذين لا يكاد عمرهم يزيد عن الثلاثين أو حتى العشرين، يقول مهبوتيان، إن في ذلك بارقة أمل كبيرة بأن المجتمع أصبح يعي ذاته.

ومن هؤلاء، شفق المصمّمة البالغة 32 عاما، وصديقتها فروغ (47 عاما) التي تأتي الى البازار لشراء مواد تستخدمها في صناعة صابون الزينة.

مقهى “حاج علي درويش”يشكل مقصدا لمتذوقي الشراب ذي الشعبية الواسعة تاريخيا في إيران

وتقول شفق “يباع الشاي في كل مكان، لكن الأهم هو معرفة كيفية إعداده. الأمر مماثل للطهو، عندما يعد أحدهم الشاي بشغف، يكون المذاق مختلفا تماما”.

وتضيف الشابة التي كانت ترتشف “شاي اللطف”، أنها تأتي أيضا الى مقهى مهبوتيان “للتحدث إلى مالكه. أعتقد أن الشاي الذي يقدمه لا يقارن بما يقدم في أماكن أخرى”.

ومن الزبائن أيضا من اعتادوا على شرب الشاي من هذا البيت لعقود، مثل حبيب الله صيادي (70 عاما) الذي يملك متجرا للألبسة غير بعيد عن المقهى.

ويقول “أنا مواظب. آتي إلى هنا منذ نحو 50 عاما لأنني أعشق مذاق الشاي الذي يعدّه كاظم ووالده من قبله”.

ويحظى الشاي بشعبية كبيرة في إيران. ووفق وسائل إعلام محلية، يبلغ حجم الاستهلاك السنوي نحو 100 ألف طن.

وبعدما ورث المكان عن والده، ليس لكاظم الذي لا يزال عازبا، أي وريث يواصل من بعده هذه الحرفة.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد أنه لن يترك المكان يندثر عندما لا يعود قادراً بنفسه على الاهتمام به، موضحا “الله سيجد لي من يخلفني. بيت كهذا لا يموت أبدا”.

شاي في البازار
شاي في البازار

 

20