المقاهي المصرية تستعيد مطربي آخر الليل

انتشر في الكثير من مقاهي أحياء القاهرة الراقية بصورة لافتة مؤخرا مطربو الزمن القديم، ويطلق عليهم ذلك الاسم لحرصهم على انتقاء أغان لكوكبة من الفنانين القدامى، وهو ما يجد مباركة لدى الشباب.
الأربعاء 2018/08/29
إحياء فن الزمن الجميل

القاهرة - أول ما يلفت انتباه رواد المقاهي الراقية في القاهرة، مؤخرا، دخول رجل، وربما أكثر، يحمل بين ذراعيه آلة العود، يدندن بها بمجرد أن تطأ قدماه المقهى، ويختار أجود وأشهر الأغاني التي عرفت عن كبار المطربين والمطربات في مصر.

عندما يبدأ الموسيقي عزفه تتبادر إلى الأذهان أم كلثوم وهي تشدو بأغنية “أراك عصيّ الدمع” أو “أروح لمين” وغيرها من الأغاني التي تحمل رائحة تشي بالظلم وقلة الحيلة، ومع أن الراحلة أم كلثوم كانت تعبر عن حال المحبين، غير أن مطربي المقاهي حولوها إلى رثاء حالهم.

ويحاول أحدهم أن يشدو بأغان لها كلمات عاطفية، ويتعمد اختيار إحدى أغاني عبدالحليم حافظ الرومانسية، مثل “اسبقني يا قلبي”، عندما يقترب من شاب وفتاة يجلسان في ركن من أركان المقهى.

وتزدهر خلال أشهر الصيف سوق محمد عبده وأحلام وحسين الجسمي وغيرهم من مطربي الخليج العربي، فقد فرض رواج السياحة العربية في مصر وولع الشباب والفتيات العرب بالجلوس في مقاهي القاهرة، شريحة من هؤلاء لجذب الانتباه إليهم.

مطربو الزمن القديم، هكذا يطلق عليهم البعض، انتشروا بصورة لافتة في الكثير من المقاهي بأحياء القاهرة الراقية، ويحلو لهم اختيار أغان لمطربين ومطربات عاشوا خلال عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، فلا يقتنعون سوى بعبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالعزيز محمود وليلى مراد، وباقي الكوكبة في هذه السلسلة العملاقة.

الغريب أن رواد المقاهي ينجذبون لهؤلاء، مع أن أغلب الجالسين من جيل الشباب لم يعايشوا أحدا من الكبار، وربما لم يسمع البعض منهم عنهم أصلا، لكن حنينا غريبا للماضي ينتابهم بعد أن يدخل عليهم مطرب يشدو بكلمات لم يعتادوا على سماعها من مطربي اليوم.

محمد المدني أحد المطربين الذين درجوا على الغناء في المقاهي ليلا، يذهب يوميا إلى نحو خمسة أماكن بالتناوب. وتلفت الانتباه طلته التي تظهر عليها علامات اعتزاز بالنفس، حيث يتقمص دور المطرب الحقيقي، ويؤدي بتركيز أغاني لأحد مطربي الزمن الجميل، فإحساسه بها واضح، وكأنه يشدو بها أمام جمهور الأوبرا المصرية أو أحد المسارح المعروفة.

وقال المدني لـ”العرب”  “كنت أغني منذ زمن في أحد الكازينوهات المعروفة بالطرب، واقتربت من أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وغيرهم، وكنت معروفا في بداية حياتي، لكن لم أستطع الصمود ومواصلة المشوار، واتجهت للقيام بأعمال مختلفة وابتعدت عن الفن”. وأضاف “عندما كبرت في السن (76 عاما) لم أتمكن من نسيان الطرب، فبدأت أحمل عودي على كتفي وأتجول بين مقاهي القاهرة، لأشبع رغبتي وأحصل على مصاريف علاجي الباهظة”.

ويتلقى هؤلاء المطربون تبرعات أو مقابلا ماديا غير محدد من رواد المقاهي، حسب مقدرة كل فرد، وفي النهاية يستطيع المطرب منهم أن يجني ثمار تعبه، وقد يتحصل على نحو عشرين أو ثلاثين دولارا في الليلة.

وتابع المدني “مطربو اليوم لا أحد منهم يقنعني بأنه يمتلك حنجرة ذهبية، معظمهم يميلون إلى الموسيقى الصاخبة، لمداراة عيوب أصواتهم”.

24