المقاهي المصرية تعوض مدرجات ملاعب كرة القدم

أصبحت مباريات كرة القدم في مصر مواعيد رزق للمقاهي المصرية بعد أن أصبح المصريون غير قادرين على متابعة فرقهم المفضلة، لأسباب منها ضيق ذات اليد حيث لم يبق ثمن لتذكرة المباراة بعد موجة الغلاء التي اجتاحت البلاد في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الفوضى في الملاعب والقوانين الصارمة التي تعاقب كل من يتسبب في العنف داخل مدرجات الملاعب.
الجمعة 2017/10/06
التفاعل مع المباريات

القاهرة - تحولت مقاهي العاصمة المصرية القاهرة خلال السنوات الأخيرة من منصة انطلاق جماهيرية لثورة 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى مدرجات مصغرة لمباريات كرة القدم.

الهروب من الواقع الاقتصادي المؤلم، ومتابعة مباريات كرة القدم أمام شاشات المقاهي بعيدا عن المدرجات التي باتت مفخخة بقوانين تدفع إلى السجن، سببان رئيسيان يذهبان بالمصريين إلى المقاهي.

فيما ربطت أكاديمية مصرية بين ترويج الأنظمة المتعاقبة لكرة القدم وجعلها جل اهتمام المواطن من أجل تفريغ شحنات الغضب تجاهها.

وتواجه روابط مشجعي كرة القدم في مصر اتهامات ينفونها دائما، بإثارة الفوضى بسبب مواقفها المعارضة للحكومات المتعاقبة منذ الثورة، ما دفع العديد من أعضائها إلى استبدال المدرجات بالمقاهي، وفق مراقبين.

وفي حلقة دائرية أمام شاشة تلفاز ضخمة بأحد المقاهي الشعبية، بحي الدقي (غرب القاهرة)، التف العشرات من المشجعين قبل أيام يتابعون عن كثب مباراة فريقي الأهلي المصري والترجي التونسي في بطولة دوري أبطال أفريقيا لكرة القدم، وسط صمت تتخلله صرخات الثناء أو الذم أحيانا للاعبي الفريقين، في مشهد لم تخل منه نقاشات الحديث عن الأوضاع الاقتصادية.

بعض الحكومات تلجأ لإلهاء مواطنيها بصناعة هالة حول بعض المباريات الرياضية لتفريغ شحنات

ومع ثبات نتيجة المباراة بالتعادل بهدفين لكل فريق، ازدادت الأمور صخبا بالمقهى مع اقتراب الدقيقة 90، ووثب الجميع من مقاعدهم الخشبية يترقبون ركلة ربما تحقق الانتصار المنتظر، دون أن يأتي.

والمشهد السابق تسميه الأكاديمية هالة منصور أستاذة علم الاجتماع “انتصارا وهميا يصنعه المتلقي لنفسه هربا من واقعه”.

وبمجرد انطلاق صافرة نهاية المباراة، انفض الجميع عن المقهى إلا من بضعة أشخاص، وهو ما يفسره الخمسيني سعيد حمادة الذي بدا منهكا من وطأة العمل في مقهاه لتلبية طلبات زبائنه بقوله، “ساعة رزق لا تتكرر إلا في المباريات الكبرى”.

والأمور في المقاهي لم تعد على ما يرام، كما كانت في السابق بحسب العامل الخمسيني، قائلا إن “الناس باتوا أكثر فقرا ويتجنبون المشروبات غالية الثمن بسبب غلاء الأسعار الذي جعل الغالبية تعاني”.

وهو ما يترجمه تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) صادر في أكتوبر 2016 بإدراج 27.8 بالمئة من إجمالي عدد السكان الذي تخطى المئة مليون مواطن، تحت خط الفقر.

ويشير سعيد إلى أن المقهى يمتلئ عن آخره في وقت بث المباريات المشفرة بالذات.

وفي فبراير 2012 قررت مصر منع الجماهير من دخول المدرجات، عقب وقوع اشتباكات عنيفة بين مشجعي ناديي الأهلي والمصري في ستاد بورسعيد (شمال شرق) أدت إلى مقتل 72 مشجعا.

كأس شاي بدل تذكرة غالية الثمن

وحاليا يسمح الأمن المصري بحضور أعداد محدودة من الجماهير تفاديا لتكرار ما وقع في 8 فبراير 2015، حين سقط 22 مشجعا نتيجة التدافع والاختناق بالغاز الذي أطلقته الشرطة على مشجعي نادي الزمالك المصري، بستاد الدفاع الجوي (شرقي القاهرة)، قبل دقائق من مواجهة كروية مع نادي إنبي في الدوري المحلي لكرة القدم.

وعلى مقربة من شاشة تلفاز، كان يقف محمد الجوهري (54 عاما) والذي يعمل سائقا بأحد المكاتب الهندسية بالقاهرة متكأ على سيارة استقرت أمام مقهى بحي الدقي، يتابع بشغف تحركات فريقه المفضل.

وبابتسامة متهكمة يقول “لم يعد للمصريين غير الكرة ينفسون فيها عن همومهم”، مضيفا أنه يستغل هذه المباريات للهروب من مطالب زوجته وأبنائه بعد أن أثقلته تكاليف المعيشة.

ويتابع “المقاهي حلَّت مكان المدرجات ليس فقط لأن المدرجات محظورة بقرارات أمنية منذ العام 2012 وتعود باستثناءات مشروطة، ولكن لأن التكاليف هنا بالمقهى أقل”.

وبالترجل قليلا للخروج من حواري “الدقي” القديمة والدخول إلى شوارعه الأكثر رقيا، يقف هاني محمود (30 عاما) يجمع تكاليف مشروبات المقهى الذي يعمل فيه من الرواد الذين حرصوا على متابعة مباراة ليفربول وإشبيلية بالدوري الإنكليزي الممتاز لكرة القدم.

الجمع في المقهى بدا كبيرا نظرا لأن المهاجم المصري محمد صلاح يلعب في صفوف ليفربول، في مشهد مألوف في متابعة مباريات كرة القدم الأوروبية التي يحترف بها لاعبون مصريون.

ورغم كثرة رواد المقهى، إلا أن العامل يشكو من تراجع العائد الذي يجنيه، مشيرا إلى أن غالبية الأشخاص لا يتناولون إلا مشروبا واحدا طوال ما يقرب من ساعتين هما عمر المباريات، وهو ما لم يكن موجودا قبل زيادة الأسعار الأخيرة.

ومؤخرا قدمت الحكومة إجراءات اقتصادية وتسببت في ارتفاع الأسعار، كان أهمها تحرير سعر الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية في نوفمبر الماضي، ليصل معدل التضخم بعدها إلى 31 بالمئة في النصف الأول من العام الجاري بحسب الجهاز المركزي للإحصاء.

وبالعودة للأكاديمية هالة منصور تقول “إن بعض الحكومات تلجأ لإلهاء مواطنيها بصناعة هالة حول بعض المباريات لتفريغ شحنات الغضب، لذا تجد إحدى الدوريات الرياضية تحظى بحفاوة الجهات التنفيذية والإعلام وبعضها يمر دون الانتباه له”.

ويؤيدها علي الرجال الباحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس، بأن “كرة القدم أحد المسارات التي يتخلص بها الناس من غضبهم، إلا أن ذلك ليس سمة المصريين وحدهم بل سمة كل الشعوب”.

ويقول إن “المصريين كانوا يتابعون مباريات الكرة في أوقات معاناة شبيهة بالوضع الحالي قبل الثورة وحصلت الفرق المصرية على الكثير من البطولات، إلا أن ذلك لم يمنع المصريين من القيام بالثورة في يناير 2011”.

وفي يونيو الماضي، وقَّع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على قانون جديد للرياضة يشدد العقوبات على شغب الملاعب، يتضمن عقوبات بالحبس تصل إلى عامين وغرامات تصل إلى 20 ألف جنيه (نحو 1100 دولار أميركي) على من يقوم بأفعال من بينها السب أو القذف، أو استخدم العنف أثناء ممارسة النشاط الرياضي، أو أنشأ أو نظَّم روابط رياضية مخالفة للقانون.

20