المقاومة باقية مع تعديل الأدوات

الثلاثاء 2017/05/30
الوحدة الوطنية والمقولات الكونية

هناك قطاع كبير من الجيل الذي نشأ على أن المقاومة المسلحة تظل العمل الوحيد للتخلص من الاحتلال، بدأ يعيد النظر في هذه النوعية من المسلمات، فالحالة التي وصلت إليها التطورات الإقليمية والدولية والتي تساوي أحيانا بين المقاومة والإرهاب، تفرض البحث عن سبل أخرى تتواءم مع التقديرات الجديدة.

النتائج التي وصلت إليها فصائل المقاومة المسلحة ضد إسرائيل باهتة، فهي لم تتمكن على مدار العقود الماضية من تحقيق هدفها النهائي، وهو تحرير الأراضي الفلسطينية، وبسبب الخلل في التوازنات العسكرية تقلصت أدوار المقاومة وانشغل أصحابها بتصفية الحسابات أكثر من انخراطهم في محاربة الاحتلال.

إسرائيل حققت تفوّقا في الكثير من المجالات مكنها من زيادة الهيمنة والسيطرة على مقدرات أمور كبيرة، وتحجيم سقف تطلعات المقاومين من إزالة الاحتلال إلى القبول بالتعامل مع الواقع، وفقا لحدود 4 يونيو 1967، ومع ذلك لم يعد الحد الأدنى مقبولا من إسرائيل ولا يجد من يتعاطف معه كثيرا في المجتمع الدولي.

قواعد اللعبة وأسس المقاومة تغيرت ودخلت عليها تحريفات متباينة من أصحابها ومن المدافعين عنها ومن المراقبين والرافضين لها، لأن الفريق الأول انحرف بها عن المسار الطبيعي وأدخلها في أيديولوجيات وتصورات بعيدة عن الثوابت الأصيلة، كما أن الفريق الثاني أمسك بزمام الأمور بصورة محكمة وتمكن من فرض شروطه في الكثير من الأحيان.

استمرار المعادلة المختلة على هذا المنوال جعل من المقاومة عنوانا واسما وجسما غريبا يتطلب إعادة تقويم المسارات التقليدية وبطريقة تتناسب مع معطيات الحاضر واستشراف المستقبل، لأن الإصرار على مقاومة الاحتلال في بيئة تتغير فيها المفاهيم والتوازنات والتوجهات يزيدها هلاكا ويفقدها بريقا سابقا بل ويحشرها عنوة، مهما كانت درجة نبل وبراءة وإخلاص القائمين عليها، ضمن زمرة من المتطرفين أصبحوا هدفا سهلا للكثير من القوى الرامية إلى اقتلاعهم.

لا بد أن تبدع المقاومة في اختيار أدوات بديلة وفاعلة تتناسب مع مقتضيات الأوضاع الراهنة في المنطقة وطبيعة التشابكات الدولية، والتي جميعها تميل لصالح إسرائيل

مع أن هؤلاء، المتطرفون وأمثالهم من أصحاب الشعارات الدينية، لم تكن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ضمن أولوياتهم وشرعوا في توجيه فوهات البنادق إلى مواطنيهم، تحت ذرائع مختلفة غاياتها الهروب من المواجهة الحقيقية والابتعاد عن مرمى النيران البعيدة.

المنهج الصحيح للمقاومة أصيب بما يشبه السكتة الدماغية بعد أن لحقت به جملة من العوامل أثرت على قوامه التاريخي، فالتشويش الذي حدث عن قصد أدى إلى العطب، والضعف الذي نال منها قاد إلى انصراف الكثيرين عنها، والتغيير الحاصل في المفاهيم أدى إلى خلط أمور عديدة، والتوظيف الذي قامت به جهات من الشرق والغرب أدخلها دروبا ودهاليز بعيدة ناهيك عن نجاح إسرائيل في تفريغها من مضامينها العريقة.

الغيوم الداخلية والخارجية التي تكاثرت في سماء المقاومة تفرض ضرورة تغيير المنهج الذي قامت عليه، وهو عدم استخدام المعدات المسلحة فقط لكسر شوكة الاحتلال، ربما كانت هذه الوسيلة مقبولة ومجدية في أزمان سابقة، لكن اللحظة الراهنة تتطلب قدرا عاليا من الوعي والنضج ومستوى مرتفعا من المناورات والتكتيكات، فهناك وسائل مختلفة يمكن توظيفها بما يحقق نتائج أعمق تأثيرا.

التجربة الهندية أيام المهاتما غاندي نجحت بالطرق السلمية في أن تنهي حقبة طويلة من الاحتلال البريطاني عبر إضرابات منظمة وكشف الأوجه البغيضة للاحتلال.

تجربة جنوب أفريقيا علامة أخرى في هذا السياق، حيث انتهت مرحلة الفصل العنصري بأقل خسائر ممكنة، وحصل المناضل نيلسون مانديلا على التقدير الذي يستحقه، لأنه كافح وناضل بإخلاص ولم يرهن مقادير بلاده للمحتل أو يرضخ لابتزاز من هنا أو هناك.

القضية الفلسطينية على أعتاب مرحلة تتطلب مراعاة القواعد التي تدار بها الكثير من الملفات الإقليمية، الأمر الذي يستوجب التعامل معها بحنكة واقتدار، لأن انخفاض سقف التطلعات أصبح مخيفا، واستمرار المقاومة على الدرب المشتت بين حسابات ضيقة لأصحابها وبين تصورات قاتمة لدى من وظفوها، سوف يدخلها دوامة أشد وطأة.

لكي تستعيد المقاومة زخمها عليها أن تدخل تعديلات تجنّبها التهميش وتبعدها عن شبح وضعها في سلة واحدة مع الإرهاب، بالتالي لا بد أن تبدع في اختيار أدوات بديلة تتناسب مع مقتضيات الأوضاع الراهنة في المنطقة وطبيعة التشابكات الدولية.

مطلوب التركيز على المقاومة بالأدوات السياسية والحقوقية والإنسانية من خلال كشف جرائم الاحتلال في الأراضي المحتلة، والتوافق والتفاهم بين القوى الفلسطينية المختلفة على رؤية موحدة، وإعادة إنتاج المقاومة بقواعدها الشعبية، ومحاولة استقطاب قوى السلام في إسرائيل والعالم.

12