"المقدر والمكتوب".. خليط من السياسة والاستعراض يرصد واقع الأرمن بمصر

فيلم "المقدر والمكتوب" يقدم قصفا حادا للفساد الحكومي في مصر فترة خمسينات القرن الماضي وغياب المحاسبة في عهد حكام أسرة محمد علي باشا.
السبت 2020/08/29
صورة عاكسة للطبيعة الكوزموبوليتانية للمجتمع المصري حينها

فيلم “المقدر والمكتوب” المصري يحمل مزاوجة فريدة بين التأريخ لأوضاع الأرمن بمصر في خمسينات القرن الماضي، والنقد العنيف لكبار الموظفين، من خلال محاولتهم اختطاف الحراك المجتمعي بعد أحداث يوليو 1952، بإظهار التأييد المصطنع لقادة التغيير ورموزه، وتقديم أنفسهم في صورة جديدة تجعلهم أقرب للمحاربين القدامى ضد الفساد.

يعكس فيلم “المقدر والمكتوب” الدور الكبير الذي لعبه الفنانون الأرمن في السينما المصرية على مستوى كل من التمثيل والاستعراض، ويقدم صورة مغايرة تمامًا للسائد عن امتعاض الأجانب من أحداث يوليو 1952، التي شهدت سيطرة الجيش على السلطة وإنهاء حكم فاروق الأول، آخر ملوك مصر، باستعراض فاصل عن واقعهم وطبيعة نشاطهم الاقتصادي ومحاولتهم التعايش مع الواقع الجديد حينها.

يكتسب الفيلم زخما كبيرا مع اهتمام مستجد من المثقفين المصريين  بتاريخ الأرمن بوجه عام والأسر التي استوطنت منهم مصر بصفة خاصة، عبر سلسلة أفلام قصيرة مثل “من قتل الأرمن؟”، للإعلامية مريم زكي الذي يمثل أول فيلم وثائقي باللغة العربية عن تلك المذابح التي ارتكبها العثمانيون ضدهم عام 1915، ورواية “الباشا” للمخرج سمير زكي، وترصد التوغل التركي في الأراضي الأرمينية والتي ينتظر تحويلها إلى مسلسل يبث على المنصات الإلكترونية قريبا.

تدور قصة الفيلم، الذي تم عرضه عام 1953، حول طاهر العفيف (الفنان حسن فايق) رئيس مصلحة حكومية كبرى، يتعرض للإقالة من منصبه من قبل لجنة التطهير التي تم تشكيلها بعد أحداث يوليو 1952، فيستغل ابنته مايسة (الفنانة هدى شمس الدين) وينهي خطبتها من الطبيب منعم (الفنان عبدالعزيز محمود) من أجل تزويجها بآخر لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه من ذوي الأملاك للحصول على مهر 5 آلاف جنيه (ما يعادل 20 ألف دولار آنذاك).

يقدم العمل قصفا حادا للفساد الحكومي وغياب المحاسبة في عهد حكام أسرة محمد علي باشا عبر شخصية طاهر العفيف الذي كان يتباهى بأنه لا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع أن تطيح به من منصبه، ويعيش على رشاوي الشركات من أجل إنجاز مصالحها بالمخالفة للقانون التي تنوعت بين الأموال والسيارات معتبرا أنها هدايا، وانغماسه في تضييع أموال الجهة التي يعمل لها في القمار، وسفريات زوجته للداخل والخارج وحمى الشراء التي تعاني منها.

لا يبدي المسؤول السابق غضبه من خبر نشر إقالته والاتهامات الموجهة إليه في الصحف، إلا من حجم الصورة ومساحة النشر، فيعتبر أن قيمته ــ حتى لو كان مقالا ــ تتطلب وضعه في الصفحة الأولى، ويزيد من حالة الانفصام التي يعاني منها، بقراءة أحد الكتب التي تتحدث عن قيم الأخلاق والضمير، لكنه لا يعمل بأي منها.

لا يخجل المسؤول الحكومي من إبداء تأييده علنا للعهد الجديد مدافعا عن سياساته ومحاولا ركوب موجة الثورة، معتبرا أمام من لا يعرفونه أنه ظل طوال حياته ينتقد ويلمح إلى خطورة الفساد والفاسدين عبر النقد والتصريح والتحذير والتلميح والتوجيه، حتى استجاب الله لدعائه برجل ينتشل مصر من الهوّة التي وقعت فيها، وبداية عهد جديد كان يحلم به الجميع منذ سنوات طويلة.

البطل الملهم

ملصق الفيلم

يحمل العمل في أحشائه الكثير من الأحداث التي تكررت في مصر بعد 58 عاما من عرضه حول فكرة انتظار المصريين دائما البطل الملهم الذي ينتشل واقعهم إلى حال أفضل، ومحاولات رموز الأنظمة السابقة دائما اختطاف التغيرات السياسية والاقتصادية التي تحدث بعد أحداث الحراك بأساليب مباشرة أو بالالتصاق بدوائر صنع القرار.

يظهر أيضا قيمة الإعلام في تصويب الأخطاء التي تشهدها المجتمعات، ونقلها نحو واقع أفضل فمجرد خبر واحد عن أحد رموز الفساد في صحيفة صغيرة كان كفيلا بمنع مشكلات خاصة للبطل بالزواج من فتاة تدعي حبه من أجل أمواله فقط، ويحولُ دون تعرض أسرته لفقد مبلغ كبير من المال في فخ المهر الذي تم نسجه جيدا.

يمثل العمل حينها طمأنة للجاليات الأجنبية التي كانت تقطن مصر بأن العهد الجديد لن يؤثر عليها في شيء، فأعمالها ستبقى مستقرة كما هي دون تغيير، كما يرمز إلى شبكة الصداقات بين أبناء هذه الجاليات وبين المصريين الذين يفضلونهم في العمل على أبناء جلدتهم بحكم خبرتهم الطويلة، وحتى الطبيب منعم يعنف العاملين عنده حينما يعرف بمحاولتهم سرقة الزبائن من منافسه الأرمني، ويعتذر له بحكم الصداقة الكبيرة بينهما رغم فارق السن.

ويرصد الفيلم في نفس الوقت تأثير أول قانون للضريبة العقارية تشهده مصر في العصر الحديث وحمل آنذاك اسم “العوائد” الذي تم فرضه على الأجانب المقيمين، وحالة الفزع التي اعترته حينها من تصرفات السلطة الجديدة وتداعياتها على الجانب الاقتصادي حتى أن الأجنبي كان يخشى إزالة لافتة تزعم وفاته خوفا من أن تكون السلطات الضريبية هي التي قامت بوضعها.

يقدم الفيلم صورة عاكسة لنمط تأثر المصريين بالحياة الغربية في أحاديث الطبقات الثرية باللغة الفرنسية والإنجليزية، والطبيعة الكوزموبوليتانية للمجتمع المصري حينها. فالعيادتان المصرية والأرمنية يزوروهما الأجانب والمصريون والشوام، دون تمييز في المعاملة أو تفضيل حسب الجنسية، قبل أن يتم بعد سنوات من العمل إعلاء شعار مصر للمصريين وتبدأ السلطة الجديدة التضييق على الأجانب اقتصاديا.

ضم العمل اثنتين من الفنانات الأجنبيات وهما هدى شمس الدين وكيتي، التي أثارت الجدل أخيرا بعد تقارير صحافية لاقت اهتماما واسعا بشأن تفاصيل عن حياتها بعدما اختفت في ظروف غامضة من منزلها في منطقة شبرا الخيمة شمال القاهرة قبل أن تظهر أنها لا تزال على قيد الحياة في بلدها الأم اليونان في تحقيق صحافي مطول للكاتبين محمد الشماع وعبدالمجيد عبدالعزيز.

تعتبر كيتي أكثر الفنانات الأجنبيات شهرة في وقتها بعدما شاركت في 70 فيلما سينمائيا خلال رحلة فنية استمرت 20 عاما، واتسمت بخفة الظل وهي ميزة امتلكتها دون باقي بنات جيلها اللائي يؤدين دائما أدوار الأرستقراطيات أو بنات الطبقات القريبة من المجتمع المخملي، أو أدوار راقصات الاستعراض اللائي يتمايلن بخفة دون تطوير لأدائهن أو إظهار  تطور في القدرات التمثيلية.

كان العمل فاتحة خير على كيتي التي شاركت بعدها في الكثير من أعمال إسماعيل ياسين، نجم شباك الكوميديا الأول بصفتها ممثلة وليس راقصة فقط، قبل أن تختفي تماما عن الأضواء عقب قرار من وزارة العدل المصرية في منتصف ستينات القرن الماضي ألغى بموجبه تصاريح العمل الفني لغير المصريين لمنح فرص أكبر بالمشاركة للفنانين المحليين، ومع اتجاه الدولة حينها نحو التأميم الاقتصادي وتمصير المؤسسات.

أثرى الفنانون الأرمن الحياة الفنية في مصر بصرف النظر عن السياسة لكنهم ظلوا محسوبين على نظام الملكية وطاردتهم اتهامات كبيرة بالجاسوسية مثلهم مثل الكثير من الممثلين الشوام الذين عاشوا في مصر وقتها، كما انتاب البعض منهم القلق بعدما نزعت مُلكيات عدد من أبناء طائفتهم من ذوي المشروعات التجارية الضخمة فقرروا الرحيل جميعا إلى الخارج أو الاعتزال.

توصيف مزدوج

كيتي تعتبر أكثر الفنانات الأجنبيات شهرة في وقتها بعدما شاركت في 70 فيلما سينمائيا خلال رحلة فنية استمرت 20 عاما
كيتي تعتبر أكثر الفنانات الأجنبيات شهرة في وقتها بعدما شاركت في 70 فيلما سينمائيا خلال رحلة فنية استمرت 20 عاما

عاود الفنانون الأرمن الظهور مجددا في أعقاب انتهاء الاشتراكية وسياسة الانفتاح الاقتصادي في سبعينات القرن الماضي بأجيال جديدة مثل نيللي ولبلبة وميمي جمال، كما عادت أسماء كبيرة من الخارج مثل هدى شمس الدين التي استفادت من ملامحها الشرقية واسمها العربي وتم تقديمها في أعمال متنوعة شملت الزوجة التقليدية والأم وحتى المرأة ذات الأصول الريفية.

واجه الفنانون الأرمن، إشكالية في توصيفهم كممثلين شوام في الكثير من الكتابات التي تناولت الفترات الزمنية التي نشطوا فيها، بسبب تشربهم اللغة العربية التي أتقنوها بحكم تفضيلهم الاختلاط بأبناء المناطق التي عاشوا فيها خاصة مدينة الإسكندرية، وحي شبرا بالقاهرة، وهما اللذان يشهدان حتى الآن وجود العديد من العائلات من أصل أرمني واصلت تعزيز الوسط الفني بأجيال جديدة مثل المطربة أنوشكا وإيمان (ليز سركسيان).

يقدم الفيلم الجالية الأرمينية بصورة نمطية تقليدية أيضا بلهجتها التي تبدأ غالبية كلماتها بحرف الخاء، وامتلاء عياداتهم بالخمور التي لا تلازمهم، كما يمتلئ برقصات تم حشرها في العمل خصيصا لمنح الراقصات فرصة لإظهار مواهبهن حتى لو خالفت السياق كمشهد انتحار مزعوم لـ”بهية” الممرضة في عيادة الطبيب منعم، وخلع زميلتها كيتي ملابس العمل البيضاء لتظهر زي الرقص الشرقي، وتبدأ فقرة استعراضية لا تتناسب مع نحيب المطرب شكوكو الذي يعمل ممرضا أيضا.

ويبدو أن عباس كامل، كاتب الفيلم ومخرجه، كان مقتنعا بمواهب الفنانين الأرمن في الاستعراض أكثر من المصريين فظل في غالبية أعماله يدفع بهم في أدوار البطولة، فهدى شمس الدين وكيتي أعاد تقديمهما معا أو كل منهما بصورة منفردة في أعمال كثيرة كان أشهرها “مجلس الإدارة”، و”لسانك حصانك” و”تار بايت” و”حضرة المحترم” والعقل والمال”، كما قدم نيللي مظلوم في “عروسة المولد”، و”إيلين دياتو” و”هيلين” في “إسماعيل يس في مستشفى المجانين”، ونيللي كطفلة في “رحمة من السماء”، و”هيرمين” و”في صحتك”.

واستعان كامل في غالبية أعماله بطواقم من الأرمن خلف الكواليس سواء في طواقم الصوت مثل المهندس أنيفيو أورفانللي، أو المصور برونو سالفي أو العديد من الكفاءات الأخرى في مواقع مختلفة لاستغلال الخبرة الطويلة التي كانوا يتمتعون بها. في هذا الإطار فإن أشهر مصوري الفوتوغرافيا وخبراء الزنكوغراف الذين يهيمنون علي سوق تلك الحرفة، توزعوا بين الأرمن واليونانيين.

ما يجعل فيلم “القدر والمكتوب” متميزا عن باقي الأعمال التي شاركت فيها الأرمينيات بقوة هي المساحة العريضة من التمثيل التي وفرها لهن، وجمعه خلطة غير مسبوقة من النقد السياسي والاجتماعي والفقرات الاستعراضية والغنائية، مع تطرقه إلى نقطة لم تشر لها الأعمال التي جاءت بعد أحداث يوليو 1952 برصد الفساد الحكومي للموظفين على مستوى الإدارات العليا والمتوسطة، وليس لطبقتي الباشاوات والأمراء.

الفيلم يكتسب زخما كبيرا مع اهتمام مستجد من المثقفين المصريين بتاريخ الأرمن بوجه عام والأسر التي استوطنت منهم مصر 

ويشير العمل كذلك إلى حال الريف المصري وسيطرة عدد من وجهائه على المئات من الأفدنة من الأراضي، والتحكم في المستأجرين لها وتحصيل أموال ضخمة منهم دون وجه حق حتى لو كانوا من شبكة الأقارب، التي تم الالتفات إليها بعد سنوات بسلسلة قوانين تنزع الملكيات عنهم، وتمنح المزارعين قدرًا من الأراضي تحولهم من أجراء إلى ملاك.

ينتقد العمل تحويل الفتيات إلى سلع من قبل أسر هن، فالمزارع المدين يساوم مالك الأرض على تزويج ابنته بابن الأخير مقابل دفع قيمة مهر تعادل المديونية، وكبير القرية ينشر إعلانا في الصحف يطلب فيه عروسة لابنه مقابل آلاف الجنيهات والمسؤول الكبير وزوجته يجعلان ابنتهما كقطعة أثاث في حفلهما التنكري الذي استقطبوا له 20 شابًا من الأثرياء على أمل أن يطلبها أحدهم، ويقدرون قيمة كل منهم وفقا لحجم وقيمة الهدية التي يقدمها.

حاول “القدر والمكتوب” أن يؤكد أن الثراء لا يضمن تربية سوية للأبناء. فالفقراء مهما كانت مهنهم متواضعة فإنه لديهم وازع أخلاقي واستعداد فطري للتسامح ومساعدة الغير دون مقابل حتى لو تعرضوا في سبيل ذلك لأصناف من الجور العاطفي، وهي سمة استمرت طوال ستينات القرن الماضي، متماشية مع طبيعة مجلس قيادة الثورة الذي تولى مقاليد الأمور والذي ينتمي غالبية أعضائه لأسر بسيطة الحال.

16