المقدسيون أيتام في مواجهة العدوان

الجمعة 2014/11/07

تتعرض مدينة القدس منذ مدة ويتعرض المقدسيون، كما المسجد الأقصى، لأوسع هجمة صهيونية عنصرية منذ استكمال احتلال المدينة في حزيران 1967، وعلى مرأى من الأنظمة والشعوب وفي ظل تغاض وتواطؤ كاملين من القوى السلطوية الفلسطينية والعربية.

وهنا تحضرني العبارة الشهيرة التي طالما رددها على مسامعنا كل الممانعين الذين حزموا أمورهم إلى جانب النظام الأسدي الدموي في دمشق في مواجهة ثورة الشعب السوري بذريعة خرقاء تعتبر أنّ هذا النظام المجرم نظامَ ممانعة في وجه أميركا وإسرائيل. “كل بوصلة لا تشير إلى فلسطين مشبوهة!”

هذه العبارة رددها “الممانعون” بكثرة ردا على الانتفاضات الشعبية التي طرحت حقوق الشعوب في مقدمة الاهتمامات على مدى السنوات الأربع الماضية، باعتبار أن هذه الانتفاضات لم تؤشر، صراحة، إلى القضية الفلسطينية التي طالما اعتبرت القضية المركزية للعرب.

لكننا لم نعد نرى أو نسمع تلك العبارة منذ مدة، أي منذ أن غرق ما يسمونه “محور الممانعة” وحزب “المقاومة” في الحرب على الشعبين السوري والعراقي وتواطئهما مع التحالف الدولي الذي تقوده أميركا والذي يدعي محاربة “داعش”، داعش الذي يستمر في توسعه في ظل الغطاء الجوي لنظام الأسد وللتحالف الدولي على حد سواء.

ولكن أين فلسطين اليوم من شعارات “الممانعين”؟ بل أين القدس والمقدسيون والمسجد الأقصى من قاموسهم المثقوب؟

لاشك أن الكيان الصهيوني يستغل كل ما يتيح له مزيدا من التوسع على حساب أهل الأرض وأصحابها، وخصوصا في القدس، بما في ذلك رفع منسوب العنصرية لدى المستوطنين وتشجيعهم على ارتكاب الجرائم بحق المقدسات لاستفزاز المقدسيين وجرِّهم إلى أعمال عنف تبرر له سلوكه الإجرامي، سواء بهدم منازل المقدسيين ودفعهم إلى مغادرة مدينتهم، أو بطردهم مباشرة منها، أو لتبرير مزيد من بناء المستوطنات على أنقاض بيوت المقدسيين وفي أراضيهم، خصوصا أن هذا العدو يدرك، تماما، مدى اليتم الذي يعانيه هؤلاء في هذه المرحلة، على المستويات الرسمية وحتى الشعبية فلسطينيا وعربيا وأمميا.

لقد نجحت القوى السلطوية في الضفة وفي غزة في تقسيم الشعب الفلسطيني والضغط باتجاه جعل كل منطقة منفصلة في همومها ومشاكلها عن المناطق الأخرى، بما ينسجم والسياسة الصهيونية الهادفة إلى تحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات منعزلة يسهل قضمها وهضمها. وقد نجحت عصابات السلطة في بلدان الوطن العربي في إلهاء الشعوب بما تمارسه من جرائم مروعة بحقها، فلم تعد قادرة على التعبير المؤثر عن تضامنها الفعلي مع الشعب الفلسطيني المسحوق.

في حين يتلهى أدعياء الشيوعية بالشعارات الجوفاء التي لم يعد أحد على استعداد لسماعها، بدل أن يمارسوا الدور المطلوب منهم في الدفع باتجاه تضامن أممي مؤثر مع الشعب الفلسطيني يضغط على مراكز الهيمنة الإمبريالية ويواكب نضالات الشعب الفلسطيني ويدعمها. لكنهم اليوم مشغولون بدعم مافيا حزب الله وقواتها المأجورة التي تخوض حربا دموية ضد الشعب السوري الذي يعرف طريق فلسطين وطريق القدس أكثر بكثير من أية قوة سلطوية أو مافيوية مهما رفعت من شعارات سياسية أو ارتدت من ألوان دينية.

وهنا نعود لنذكر كل قوى التحرر وعلى وجه الخصوص قوى اليسار في العالم بدورها الذي يفرض عليها ممارسة كل ما من شأنه تحشيد الشعوب في حركة تضامنية واسعة مع الشعب الفلسطيني الذي يتم سحقه من غزة إلى الضفة إلى القدس إلى النقب والساحل والجليل. فليس حرا ولا يساريا من يتخاذل عن القيام بهذا الدور للضغط على السلطات المركزية في النظام العالمي المعادي من أجل وقف العدوان الصهيوني المستمر وإحالة المجرمين الصهاينة إلى المحاكم الجزائية الدولية لينالوا ما يستحقونه، مع علمنا بضعف استقلالية هذه المحاكم.

لاشك أن “بوصلة لا تؤشر إلى فلسطين هي بوصلة مشبوهة” ولكن لابد لمن يطلق هذه العبارة أن يفهم أولا المعنى الحقيقي منها وأن يعرف الاتجاه الصحيح إلى فلسطين.

فما من طريق إلى فلسطين إلا طريق وحدة وتحرر الشعوب، الطريق التي تفرض التخلص من كل أنظمة القهر والقتل والفساد والاستبداد. فما من مافيا حاكمة إلا ومردود سيطرتها يصب في طاحونة الكيان الصهيوني.


كاتب لبناني

9