المقدسي باحثا في التراث الشعبي

الأربعاء 2016/09/14

كل تغيير في الثقافات يبدأ بإعادة النظر. وعلى ضوء ذلك ينتظر من الباحثين قراءة ثقافتهم. في هذا السياق، لطالما اعتبرنا أدب الرحلات العربي، على سبيل المثال، مصدرا مهما من مصادر دراسة الثقافات الشفاهية. وهو بهذا المعنى يرتبط بشكل أو بآخر بعلم الأنثروبولوجيا. والكثير من الدراسات المتعلقة بتاريخ تطور الشعوب والأثنوسات، وخصوصا في فترة العصور الوسطى الأوروبية اعتمدت على ما كتبه الرحالة العرب والمسلمون عن تلك المجتمعات، ونخص بالذكر هنا رحلة ابن فضلان التي شهدت عصر تكون الأمة الروسية، فالوصف الذي دونه ابن فضلان ساعد الباحثين في فهم عوامل تكون الأثنوس الروسي!

ولكن ثمة فرع آخر من فروع المعرفة ينطوي عليه أدب الرحلات العربي، وهو دراسة التراث الشعبي الذي لم تدونه مدونات المؤرخين والبلدانيين والفلاسفة في العصور القديمة. فهل شكل هذا الأدب مصدرا مرموقا وأساسيا في دراساتنا الحديثة في الأدب والتراث والعمارة والاجتماع وغيرها من فروع العلم والمعرفة؟

يمكن اعتبار الرحالة والجغرافي العربي شمس الدين المقدسي البشاري الباحث الأول في هذا المضمار، أي التراث الشعبي، خصوصا أن كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” لا يزال يعد المرجع الأول والأهم عن المجتمعات العربية والإسلامية في القرن الرابع الهجري، وهو قرن كان يشهد تحولات كبرى في بلادنا، إن على صعيد ظهور قوة سياسية كبرى ممثلة في الخلافة الفاطمية القادمة من المغرب العربي، أو على صعيد اعتناق الأتراك الغز للإسلام ومن ثم توجههم إلى الغرب أي إلى بلادنا في فترة لاحقة.

لقد كان شمس الدين المقدسي شاهد عيان على جملة من الأنشطة الاجتماعية التي تؤلف الحياة العامة في الأقاليم التي زارها وكتب عنها، ولم يكتف بتسجيل الظواهر الطبيعية والأقاليم الجغرافية ومراكز البريد والعملات المستخدمة فحسب، بل تجاوز ذلك إلى رصد الكثير من العادات الاجتماعية، والأطعمة والأزياء والحرف وطقوس الفرح والحزن، لقد كان بحق ناقلا أمينا للكثير من التفاصيل والعادات الاجتماعية الثمينة، لمجتمعات ربما انقرضت بفعل التحولات السياسية العاصفة، أو بفعل الكوارث الطبيعية والجوائح التي لم تكن تبقي ولا تذر.

فحين كان يتحدث عن أهل فلسطين قال “لهم تجمل، يلبسون الأردية كل عالم وجاهل، ولا يتخففون في الصيف، إنما هي نعال الطاق. وقبورهم مسنمة، ويمشون خلف الجنائز، ويسلون الميت، ويخرجون إلى المقابر لختم القرآن ثلاثة أيام إذا مات ميت، ويكشفون المماطر، ولا يقورون الطيالسة، ولا حلة البزازين.. ولباس القرياتيين (القرويين) برستاق إيليا ونابلس كساء واحد حسب بلا سراويل… ولهم الأفرنة، وللقرياتيين الطوابين تنور في الأرض صغير، قد فرش بالحصى، فيوقد الزبل حوله وفوقه، فإذا احمر طرحت الأرغفة على الحصى. وبه طباخون للعدس والبيسار ويقلون الفول المنبوت بالزيت ويصلقونه ويباع مع الزيتون.. ويملحون الترمس ويكثرون أكله”.

لقد ابتكر المقدسي منهج البحث الاجتماعي التسجيلي، المستخدم حاليا في تدوين الثقافة الشفهية، وهو بذلك زودنا بالكثير من المعرفة اللازمة لفهم المجتمعات التي زارها في وقته، وهو بحق رائد من رواد دراسات الثقافة الشعبية، التي نشهد حاليا اهتماما عالميا متزايدا بها.

يستحق المقدسي أن تخصص له دراسات أكاديمية تخرجه من التصنيف التقليدي بوصفه مجرد رحالة عربي دوّن وقائع رحلاته في مصنف جغرافي، إلى اعتباره رائد دراسات التراث الشعبي، ليس في العالمين العربي والإسلامي فقط، بل في العالم أجمع.

لكن ما أشرت إليه لا يمكن أن يحدث بالصورة المطلوبة من دون دفع فكرة إعمال الوعي النقدي في إعادة النظر، والبحث عن معايير ومقاييس جديدة في قراءة الأثر الفكري لا تنتمي إلى الماضي بمقدار ما تنتمي إلى المستقبل.

كاتب من سوريا

14