المقدّم محمد مبروك رجل أمن أحكم السيطرة على الصندوق الأسود للإخوان

الأجهزة الأمنية في الغرب تؤكد أن جماعة الإخوان تبني مجتمعات موازية، وهو ما رصده المقدم مبروك وحذر منه في مصر، كجزء من خطة الجماعة الشاملة للتمكين.
الثلاثاء 2021/05/04
استعادة شخصية الضابط المصري عبر الدراما

كسب الجزء الثاني من المسلسل المصري “الاختيار” الذي يُعرض حاليًا على فضائيات مصرية وعربية، الرهان النقدي والجماهيري بقدرته على تغيير الانطباعات التي تركتها أعمال فنية سابقة تناولت شخصية ضابط الأمن الوطني، حيث كرست السينما صورة سلبية له في بعض أعمالها مثل “زوجة رجل مهم” و”الكرنك” و”كشف المستور” بوصفه متجاوزًا للحد في التضييق على المعارضين أو شديد القسوة.

أعاد المسلسل اكتشاف طبيعة شخصية ضابط الأمن وتضحياته وأدواره في التصدي لمخاطر عنف التنظيمات التكفيرية المسلحة وكبح مطامع فصائل تيار الإسلام السياسي، وكشف مخططات تعاون تلك الكيانات مع جهات ومنظمات أجنبية وإفشاء أسرار الأمن القومي.

وأسهم البعد التوثيقي الذي صاحب أحداث المسلسل عبر إرفاق مقاطع مصورة من الأحداث الحقيقية في نقل الواقع والصورة المعبرة بصدق عن حياة ضباط الأمن الوطني وأدوارهم، والتي لم يتسن للمشاهد العادي معرفتها بالنظر إلى طبيعة المعالجات الدرامية السابقة، علاوة على حرص تنظيمات الإسلام السياسي على تصدير صورة مسيئة لضابط الأمن الوطني.

وقد ضاعف من تأثيرات المسلسل الإيجابية عرضه لمسيرة عدد من ضباط جهاز الأمن الوطني مثل المقدم محمد مبروك المسؤول عن نشاط جماعة الإخوان بالجهاز، بدءًا من نشاطه في تثقيف الضباط المتدربين بشأن أيديولوجيا الجماعة وحركيتها، ومرورًا بدوره في الكشف عن العديد من القضايا الخطرة المتعلقة بتورط الجماعة في الإرهاب وصناعة الميليشيات، وانتهاءً باستشهاده على خلفية كشفه تخابر قيادات التنظيم وفي مقدمتهم الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي مع أجهزة مخابرات أجنبية قبل أحداث عام 2011 وبعدها.

من خلال سرد حياة المقدم مبروك وعرض قصة اغتياله، كشف المسلسل عن الكثير من الحقائق المرتبطة بجرائم جماعة الإخوان وحلفائها التكفيريين، خاصة خلال السنوات العشر الماضية، ومن ضمنها اغتيالات الرموز والقيادات الأمنية بغرض إحداث الفراغ الأمني والسيطرة على البلاد وحماية قادة الجماعة من الملاحقة وعدم الكشف عن معلومات خطيرة تدينهم قضائيًا.

رجل الأمن المثقف

الأخطر في مسيرة المقدم مبروك هو ما بيّنه في تقريره الذي تم عرضه على المحكمة بعد اغتياله، حول التنسيق بين الإخوان وحماس وحزب الله قبل يناير 2011 لإحداث فوضى تتيح للجماعة القفز على الثورة. (الصور من السوشيال ميديا)

حكاية هذا الضابط مع جماعة الإخوان فتحت نافذة واسعة أمام المصريين والعرب والعالم للاطلاع على حقيقة ما كان يجري فعليًا على أرض الواقع، لكونها ليست مجرد مواجهة مع فصيل متمرد مسلح أو مهمة لتأديب فصيل إرهابي، بل هي حرب وجود للتصدي لأدوات تفكيك المؤسسات والجيوش وتقسيم الدول بالتعاون مع جهات خارجية.

وقف المقدم مبروك محاضرًا أمام عدد من الضباط المتدربين محددًا المرجعية الحركية التي أقنع قادة جماعة الإخوان من خلالها شبابها للانخراط في تنفيذ مخطط عنف وفوضى شاملة بعد عزل الجماعة عن السلطة في يونيو 2013 وإلقاء القبض على بعض قادتها وناشطيها.

وأرجع ما يجري إلى خطة وضعها سيد قطب المفكر الرئيسي للجماعة في منتصف ستينات القرن الماضي تحت عنوان “خطة رد الاعتداء على الحركة الإسلامية”، وتشمل تنفيذ شباب الجماعة عبر خلايا حركية سرية لعمليات اغتيال للرموز السياسية والضباط وعمليات تفجير للمرافق العامة خاصة الكباري الرئيسية والقناطر وشبكات الكهرباء، بغرض إحداث فوضى وتذمّر شعبي يتيح للجماعة الثأر واستعادة مكتسباتها باعتبار أنّ ما حدث ضدها بمثابة اعتداء على الدعوة الإسلامية.

تعكس هذه المشاهد اطّلاع ضابط الأمن على المناهج الحركية القديمة والحديثة لجماعة الإخوان، بالنظر إلى أن الكتاب الذي أصدره قادة الجماعة تحت إشراف مؤسس ما يسمّى باللجان النوعية محمد كمال في العام 2014 ليكون المرجعية الحركية والفقهية لها ولحلفائها بعنوان “فقه المقاومة الشعبية ضد الانقلاب” قد شمل العديد من أطروحات منظري الجماعات الأخرى بغرض كسب ولاء أعضائها، فضلًا عن التوسع في سرد مقتطفات من خطط قطب الحركية التي طبقها تنظيم 1965 بهدف إبقاء جماعة الإخوان في صدارة مختلف طيف الحركة الجهادية بعد حرمانها من النشاط السياسي وحتى لا تخطف إحدى فصائل الحركة الأضواء من الجماعة الأمّ ما يؤدي لانبهار شباب الإخوان بها.

كشفت حوارات المقدم مبروك الحقيقية مع زملائه عن فهم عميق لأسس جماعة الإخوان الأيديولوجية وأهدافها الحقيقية ووسائلها المفضلة خاصة تلك المتعلقة بمخطط التمكين وإخفاء الأهداف المستقبلية وازدواجية الخطاب بين الداخل والخارج والتصرفات الحركية بين ما هو سري تحت الأرض ومعلن في الواجهة.

فرّق المقدم مبروك من خلال محاضراته وحواراته بين الإسلام باعتباره دينا وتيار الإسلام السياسي يوصفه تهديدا وجوديا ليس فحسب على كيان الدولة بل على صحيح الدين الذي جرى توظيفه تحت شعار أن الإسلام دين ودولة، ومقولة أنّ المسلمين آثمون ما لم تقم حكومة إسلامية لخدمة أهداف قوى خارجية تحت ستار عودة الخلافة علاوة على مطامع جماعات محلية في السلطة.

مخطط حماس وحزب الله

الأهم والأخطر في مسيرة عمل المقدم مبروك هو ما كشفه في تقريره الذي تم تقديمه للمحكمة بعد اغتياله في الـ18 من نوفمبر 2013 حيث لم يمهله القدر للإدلاء بشهادته بخصوص ما يعتبره أهم إنجازاته بشأن التنسيق بين عناصر الإخوان وقادة حماس وحزب الله اللبناني قبل حراك يناير 2011 بغرض إحداث فوضى تتيح للجماعة القفز على الثورة والإطاحة بالنظام القائم والهيمنة على السلطة.

قدّم تفصيلات مسهبة لمقدمات هذا المخطط عبر رصد الاتصالات التي جرت بين قيادات الإخوان ونواب في الكونغرس الأميركي خلال الفترة بين 2004 حتى 2011، بالإضافة إلى التمهيد لعقد لقاءات على مستوى أكبر مع مسؤولين أميركيين، جرى بعضها في القاهرة، فضلًا عن اللقاءات التي عقدت بمدينة إسطنبول برعاية المخابرات التركية بين قادة التنظيم الدولي للإخوان ومندوبي فروعها بالدول العربية والإسلامية بهدف الإعداد لخطة يناير 2011، وترتيب تسلل العناصر الإخوانية من الخارج لاقتحام السجون وإطلاق قادتهم، وعلى رأسهم الرئيس مرسي.

وكشفت المحادثات التي رصدها المقدم مبروك وجرت خلال هذه الفترة بين مرسي وعضو التنظيم الدولي أحمد عبدالعاطي، وهو أحد المتهمين الرئيسيين في قضية التخابر، طبيعة الإعداد المسبق والتنسيق المحكم بين قادة الإخوان والمسؤولين في تركيا بشأن مخطط إشعال الثورة في مصر بمجهودات أفرع التنظيم الدولي للإخوان وحركة حماس وحزب الله واتخاذها مطية للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد.

المشاهد التي يعرضها المسلسل عن المقدم مبروك تعكس اطّلاعه على المناهج الحركية القديمة والحديثة لجماعة الإخوان
المشاهد التي يعرضها المسلسل عن المقدم مبروك تعكس اطّلاعه على المناهج الحركية القديمة والحديثة لجماعة الإخوان.

اعتبر ضابط الشرطة المسؤول في سياق شهادته التي أدلى بها أمام قادته في جهاز الأمن الوطني أن هذا المخطط هو النسخة المطوّرة والأكثر خطورة لخطة تمكين جماعة الإخوان التي وضعها القيادي بالجماعة خيرت الشاطر والمعروفة إعلاميًا بقضية “سلسبيل”، حيث تضمنت الأوراق والوثائق المكتوبة بخط يد الشاطر عام 1991 تصورًا شاملًا للسيطرة التدريجية على الدولة عبر التغلغل في طبقات المجتمع الحيوية وداخل المؤسسات المهمة كمرحلة تجهيز للسيطرة على الدولة.

أولت خطة التمكين الأولى أهمية خاصة للتغلغل داخل قطاعات الطلاب والعمال والمهنيين وقطاع رجال الأعمال، علاوة على اختراق مؤسسات الدولة السيادية القادرة على إحداث التغيير إلى جانب تكثيف الحضور بالنقابات والجامعات والمؤسسة القضائية والإعلام والبرلمان.

اختلف هذا التمهيد المحلي والمنفرد لجماعة الإخوان خلال تسعينات القرن الماضي عمّا جرى بعد يناير 2011 حيث خططت جماعة الإخوان للتمكين هذه المرة في سياق ترتيبات إقليمية ودولية سعت لتعديل التوازنات وتغيير طبيعة نظم الحكم في المنطقة العربية بما يحقق للقوى الغربية التي رعت هذا التغيير من خلال موجات متتالية من الفوضى الخلاقة ما لم تحققه من قبل من هيمنة محكمة على مجريات الأوضاع بالشرق الأوسط.

علاوة على تحقيق حلم القيادة التركية باستعادة نموذج السلطنة العثمانية، إلى جانب تحقيق جماعة الإخوان ما فشلت فيه منفردة من قبل من هيمنة على السلطة في مصر وعلى حكم غالبية دول المنطقة العربية.

رسائل إلى الغرب

تأثير المسلسل الإيجابي يعزّزه عرضه لتجارب عدد من ضباط جهاز الأمن الوطني، مثل المقدم مبروك المسؤول عن متابعة جماعة الإخوان، بدءًا من نشاطه في تثقيف الضباط المتدرّبين بشأن أيديولوجيا الجماعة وحركيتها، إلى دوره في الكشف عن تورطها في الإرهاب

العمل التلفزيوني الذي كانت فيه شخصية المقدم مبروك محورا رئيسيا في أحداثه لم يكن موجهًا فقط إلى الداخل المصري؛ حيث بعث برسائل عديدة إلى الدول الغربية من خلال استعراضه جوانب هامة من شخصية ومسيرة ضابط الأمن الوطني وسرده بطريقة درامية توثيقية قصته مع تنظيم الإخوان بداية من فضحه لخطط الجماعة وأهدافها وطبيعتها الأيديولوجية وحتى اغتياله قبيل الإدلاء بشهادته على يد عناصر تنظيم أنصار بيت المقدس.

وقد حرص منتجو المسلسل على إرفاق ترجمة بالإنجليزية مع العرض المباشر لحلقاته لبيان أن خطط الجماعة المتدرجة في بلد منشئها لا تختلف عن تلك الخطط التي تتّبعها في الدول الغربية التي تخفي فيها أهدافها النهائية لأن العديد من هذه الدول ترفض الاعتراف بطبيعة الجماعة الحقيقية مع إضفاء الشرعية على أنشطتها في مجالات التعليم والثقافة والدعوة على الرغم من أنها أبعد ما تكون عن الاعتدال وعن إمكانية اندماجها كمكون طبيعي في نسيج المجتمع.

قبل فضح خطط الجماعة الكبرى بشأن التمكين والهيمنة الشاملة على الدول والمجتمعات سعت الجماعة في مصر والمنطقة العربية لفرض انعزالية وتكريس غيتو اجتماعي خاص بها من ضمن مظاهره ألا يُسمح لأعضائها بالزواج من خارج الجماعة للحفاظ على العلاقات السرية داخلها، وهي ذاتها مظاهر البدايات التي شرعت في تطبيقها في الدول الغربية قبل أن تفاجأ حكوماتها بمدى هول وكارثية الانعزالية الإسلامية.

ما يكتشفه النشطاء وتؤكده الأجهزة الأمنية في الغرب أن جماعة الإخوان تبني مجتمعات موازية، وهو ذاته ما رصده المقدم مبروك وحذر منه في مصر كجزء من خطة الجماعة الشاملة للتمكين؛ فهي تقول لأعضائها في كل مكان حول العالم “احرصوا على أن يكون لديكم مجتمع صغير داخل المجتمع الكبير، وغيتو إسلامي خاص بكم”.

إن كل ما تفعله الجماعة في المجتمعات الغربية سبق وأن طبقته في بعض الدول العربية حيث لجأت للتغطية على أنشطتها السرية وأهدافها الحقيقية إلى إنشاء المنظمات المعنية بقضايا المجتمع واختراق التنظيمات النقابية واتحادات الطلاب والجمعيات المدنية لتكتسب بعد عملية اختراق طويلة للنسيج الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي قوة كافية تدعم تطلعاتها للاستيلاء على السلطة.

عرض سيرة المقدم مبروك، أحد المناضلين ضد مشروع تمكين جماعة الإخوان في سياق عمل فني موثق بمشاهد من الأحداث الحقيقية، هو بمثابة تحول عملي في مجال مكافحة الإرهاب وتنظيمات الإسلام السياسي عبر سرد قصص تكشف جرائمها وأفكارها وأهدافها.

وأخيراً فإن رحلة ضابط الأمن المصري هذا مع جماعة الإخوان في مصر تؤكد أنه لا فرق كبيراً بين وسائل الجماعة وأهدافها التي اتبعتها في المنطقة العربية والتي تطبقها في الدول الغربية، بدءًا من خطط الانعزالية وتشكيل الغيتوهات والهيمنة من الداخل على أكبر قدر من المؤسسات التعليمية والثقافية والدعوية بهدف تغيير هوية الدولة وصولًا إلى البدائل الخشنة التي تستخدمها الجماعة للدفاع عن كيانها الموازي وهو ما توضح فيما جرى اكتشافه من مشاريع تمكين مكتوبة في أميركا الشمالية وسويسرا والسويد وألمانيا.

13