"المقصورة 6".. رحلة بالقطار عبر روسيا الأسطورية ونكهاتها العجيبة

الأحد 2013/12/29
روزا ليكسوم خلال حفل توقيع لروايتها في باريس

روزا ليكسوم، كاتبة فلندية من مواليد 1958 بقرية تقع بالقرب من طورنيو بمنطقة لابونيا، اسمها الحقيقي آني تايلافارا ليكسوم هو اسم مستعار (يعني «تشبه» أو «كَـ» باللغة السويدية). ستعبر روزا ليكسوم أوروبا وهي في سن الخامسة عشرة، بدءا بمنطقة اسكندينافيا، فرنسا، الاتحاد السوفييتي، حيث ستستقر هناك لمدة. وكنادلة تعمل في مقاه للهيبيين. ستستغل أوقات الفراغ لتأليف الكتب في سنوات 1980، فتتناول تساؤلات عدة: رفض العالم، العزلة الاجتماعية، الأمل والحب مستعملة إحدى اللهجات الشاعرية لشباب هيلسنكي.

أصدرت كتابها الأول في 1985 “توقف ليلِي”. وقد كتبت خصوصا روايات تمت ترجمتها إلى حوالي 15 لغة، لكنها نشرت أيضا رواية “كريسلاند” التي لم تترجم إلى الفرنسية. بالموازاة مع الكتابة، أخذت روزا ليكسوم ترسم.

الكتاب الذي نتناوله هنا “المقصورة رقم 6″ صدرت له ترجمة فرنسية هذا العام عن منشورات غاليمار للمترجمة آن كولان دو تيراي.

صفير ينادي الركاب حالا، انطلاق رحلة عبر السكك الحديدية للقطار العابر لسيبيريا والمتوجه إلى أولان- باطور الأسطورية. مساحات شاسعة على مد البصر، مناظر بهيجة، مدن صناعية كئيبة بجبال الأورال، مزارع الكولخوز، خيام المغول؛ روسيا السوفيتية تنبيط أمام القارئ. أُومْسك، نوفوسيبيرسك، خاباروفسك، أتشينسك، كراسنوايارسك، إيركوتسك..، العديد من الأسماء ذات الرنات الغريبة تصف بلادا زالت عنها عظَمتها اليوم. سكان من أجناس متعددة، فقراء في الغالب، يعيشون تحت وطأة نظام استبدادي.

عبر نافدة العربة وعبر المراحل والمحطات، تتوالى معالم الإمبراطورية السوفييتية الشاسعة «كل شيء ينساب في حركة دائمة، الثلج، الماء، الهواء، الأشجار، السحب، الريح، المدن، القرى، الناس والأفكار»، تحت أنظار بطلَي الرواية. والقارئ محمول ومفتون، «سيحملهم هذا القطار عبر القرى المأهولة بالمُغَربين والمدن المفتوحة أو المنغلقة لسيبيريا حتى عاصمة منغوليا، أولان- باطور».

داخل المقصورة رقم 6، امرأة فنلندية، نحيلة وكتومة، تتوجه إلى منغوليا لمشاهدة لوحات جدارية، لكن القارئ سيلمس أن هذا السفر ليس مجرد رحلة عمل، بل هو أيضا سفر تحفزه رغبة شخصية، تحقيق حلم جرى التخطيط له مع آخرين، «لقد أرادت مغادرة موسكو لتبتعد قليلا عن حياتها الشخصية». كانت تعتزم السفر رفقة شخص يدعى ميتكا على الأخص، لكنه لم يحضر وقت السفر.

الرجل الذي سيشاركها المقصورة، يتعارض، في كل شيء، مع تلك المرأة الشابة الحساسة. فظ غليظ الطبع، خشن الصوت، هذا السكير المدمن على شرب الفودكا وتناول البصل، الجارح، ومآل رحلته إلى إحدى الأوراش بـ أولان-باطور؛ وها قد وجد في تلك الفتاة الهشة آذانا صاغية، إنه أيضا يستعيد ماضيه ويروي، بحماس، بحنين أحيانا، عن طفولته الصعبة، عن زوجته التي يعنفها «اضِرب زوجتك العزيزة، ضربات بالمطرقة، ستجعل منها ذهبا، هكذا حثني الشيوخ حين كنت شابا يافعا. لقد اتبعت نصيحتهم. بل ربما أكثر من اللزوم»، ويتحدث كذلك عن مهنته كعامل بالورش الكبيرة لسيبيريا، عن معاشرته للبغايا.

الرحلة بالقطار غزيرة العوالم

أما تلك الفتاة الشفافة فتحاول أن تحافظ على هدوئها وصحوها الذهني، وحين تصاب بالإرهاق، تسرح بأفكارها في محاولة للاختباء، للتملص من الخوف الذي يكاد يتملكها أمام هذا الهمجي. إنها تحاول الهروب كلما سنحت لها الفرصة، مستغلّة أيضا كل محطة توقّف، لتستكشف المدن.

زوج معاكس، في جلسة مغلقة غريبة داخل تلك العربة، يلعبان الشطرنج، الورق، يحتسيان الشاي، يتأقلمان بالنهاية جراء هذا الاختلاط الجبري، يحتملان بعضهما بعضا ويكتشفان بعضهما البعض، « لم تكن قد صادفت من قبل روسياً يشبه رجلا كهذا. ما من أحد سبق أن تحدث معها بهذه النبرة. كانت تستشف رغم ذلك، شيئا ما بداخله يجعله يبدو وكأنه من المقربين لها، في فظاظته، طريقته في تمديد الكلمات، ابتسامته، نظرته الناعمة المزدرية».

وفي الرواية وصف لمن في داخل القطار، من ذلك دور مضيفة العربة، آريزا، الصارمة إلى درجة الاستبداد “قادرة على القضاء بضربة ساطور على أيل يعترض سكة القطار”، فهما يمنحان الرواية مشاهد لا تنسى، هزلية ومثيرة، تقحم القارئ إقحاما وتحمله على متن ذلك القطار، تدعوه إلى السفر، وبالطريقة نفسها، عند محطات الوقوف رغم أنها ليست جذابة، بمناطق صناعية أو مدن سيبيريا المظلمة ذات اللون الأخضر الضارب إلى الزرقة، أسيرة البرد والصقيع، غير مضيافة، قاحلة، يتمكن القارئ من الانسلال إلى دفء المقاهي، والمطاعم والغرف الضيقة، ويشارك شخصيات الرواية ارتشاف كأس أو تناول وجبة، عزاء ومواساة لحياة قاسية، بائسة غالبا ومتقشفة «في الملجأ، كان ميتكا يقول إن الاشتراكية تقتل الجسد والرأسمالية تقتل الروح، أما بهذا المكان، فالاشتراكية تشكل خطرا على الروح والجسد معا».

إن كل تلك الأجواء، الموصوفة بدقة متناهية، برِقة شاعرية، غير متوقعة في الغالب ومدهشة باستمرار، هي ما يشد انتباه القارئ، لتأخذه الكاتبة بعيدا. وصف جميل وشاعري يرصع الكتاب؛ مشاهد بسحر طاله البُطلان، بمذاق رائحة روسيا الأسطورية ونكهاتها العجيبة، تضع القارئ في جو خانق، موحش أحيانا، لكنه فاتن بشكل غريب.

الناقدة سيسيل بيلران كتبت عن الرواية على موقع مجلة أكتوياليتي قائلة: «من المؤكد أنها رحلة غزيرة العوالم. أشعة سيبيريا، الشمس، الريح الباردة، الثلج والجليد، الضباب، هو ما يصطحب المسافر دون هوادة، ويمنحه مناظر ذات لمسات ضوئية وألوان عميقة وعالية، حزينة لكنها كفيلة بتزيين مداخن المعامل، المرافئ، الغابات السقيمة، قرى خيام المغول.. كفيلة بأن تحفز بداخلك الرغبة في السفر».

رأي ربما لا يشاطرها فيه آخرون، فعلى موقع بابيليو كتب أحد القراء تحت الاسم المستعار traversay: «رواية تأملية واجترارية. ماذا تتناول بالتحديد وعمّا تتكلم؟ عن ملاقاة عنصرين ليس لديهما ما يقولانه لبعضهما. كتابة روزا ليكسوم تنتقل ببساطة من الأنشودة إلى الفظاظة والسوقية. قد يمل القارئ وينزعج كما في رحلة طويلة مضنية على متن قطار. عند بلوغ الوجهة، لن نفكر بالرجوع إلى شخصيات الرواية. سوف ننساها بسرعة».

في نفس الاتجاه، تقول القارئة تحت اسم kathel على موقع lettres expres.wordpress: «لقد أحسست بالانزعاج من ذلك النوع من المجاملة المصحوبة بالدناءة، خاصة ذلك التجشؤ اللفظي لذلك الرجل. ليس هذا فقط، فالأوصاف تبدو لي مثقلة ومحشوة، وهذا غير مبرر إلا كثقل مضاد لجمال المناظر الطبيعية، فاستحضار الأماكن المأهولة غالبا ما يكون مفعما بالنعوت ذات الصيغ السلبية، كأن يكون الثلج ملوثا بجثث الحيوانات أو ببول الكلاب! فضلا عن ذلك، وبشكل عام، فالرواية مثقلة بالوصف.. إلا أن ثمة جاذبية تفوح بشيء ما مسموم، وفاء للنموذج الروسي، كل هذا يرجع بالأساس إلى إيقاع الكتابة، إلى الصور المستحضرة، لا إلى الشخصيات التي لا تثير التعاطف.. شيء كشريط ثقيل، تأملي، يمر أمام القارئ».

هذا صحيح بالنسبة إلى القارئ من الجنوب أو من أوروبا الغربية، فقاعدة التأمل والوصف تطغى على مجريات الرحلة على حساب الحركة وتصرف الشخصيات، لكن الجدير بالذكر في هذا الباب، أن روزا ليكسوم توقّع هنا رواية بسحر شمالي لا يقبل الجدل، نسيج قُطني، وفيٌّ لطراز الروايات الشمالية..

نهاية الرواية تترك القارئ شارد الفكر، فالمرأة الشابة أنهت رحلتها التلقينية أو التحررية ويمكنها العودة، أما نحن فنبقى على رصيف محطة أولان- باطور ونتساءل ماذا جئنا نفعل هنا؟

15