المكائد الانتخابية في تونس

الثلاثاء 2014/09/30

تشهد الساحة السياسية التونسية نسقا عاليا من الأحداث المتواترة بفعل اقتراب الموعد الانتخابي للبرلمانية موفى أكتوبر والرئاسيّة موفّى نوفمبر القادم. ولئن لم يتم إغراق المشهد الانتخابي البرلماني بالقائمات المستقلّة التي شتّت الأصوات وخدمت الأحزاب الكبرى في انتخابات 2011 التأسيسية، فإن الرئاسية عرفت هذا الإغراق من حيث كثرة المترشحين وصفاتهم والجهات التي تقف خلفهم.

فلقد تقدم ما يقرب من 70 مواطنا ومواطنة تونسية بترشحاتهم للرئاسية. وإن كانت بينهم شخصيات سياسية معروفة ومنتظرة مثل حمّة الهمّامي زعيم الجبهة الشعبية، ومنصف المرزوقي الرئيس الشرفي لحزب المؤتمر أحد أحزاب الترويكا التي حكمت تونس بعد الانتخابات الفارطة، وكذلك مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل الذي شارك في الحكم أيضا، فإنّ الترشحات للرئاسية لم تكن خالية من المفاجآت.

من هذه المفاجآت تقدم مترشحين لا يعرفون شروط الترشح نفسها. ومنها تقدم مواطنين عاديين لا علاقة لهم بالسياسة أصلا. ومنها أيضا تقدم من ظهرت عليهم علامات لا تفيد بكونهم أسوياء عقليا ونفسيا. ومنها غلبة الحوافز الذاتية والطموحات الفردية المتسربلة بالدعم الأجنبي المفضوح على بعض الشخصيات والكوادر التي تفتقر للصفات السياسية. ومنها زهوة رأس المال التي زيّنت لمن سكنتهم أنّ الثروة وحدها، ومهما كان مصدرها، يمكن أن تصنع رئيسا لتونس الجديدة. ومنها تجرؤ النظام القديم على تونس التي ثارت عليه حيث فاق عدد مرشحيه للرئاسية العشرة مرشحين.

المكائد الانتخابية تبدأ من القانون الانتخابي نفسه الذي صاغه المجلس الوطني التأسيسي الذي تسيطر عليه حركة النهضة الإخوانية بالأغلبية مدعومة من ضلعي الترويكا. ويمكن أن نصنف هذه المكائد المتأتية من القانون الانتخابي إلى مكيدتين كبريين؛ الأولى متصلة بمكيدة إسقاط فصل العزل من القانون الانتخابي والذي أشرف عليه رئيس حركة النهضة بنفسه، والثاني يتمثل في شرط التزكيات الشعبية التي يسرت على المترشحين محاولات الغش في جمع الإمضاءات، دون شرط المراقبة الإداريّة ولا ضوابط زجرية.

هذه المكائد المتأتية من القانون الانتخابي أسندت من قبل حركة النهضة، حزب الأغلبيّة النيابية، وربيبها وشريكها حزب المؤتمر باللعب على النوع الثاني من التزكيات وهي تزكيات النواب. فالمعروف أنّ حركة النهضة أكّدت أنّها لن تقدم مرشحا منها للرئاسية. ولكن أحد رؤساء قائمتها عن جهة صفاقس تقدم بترشحه باعتباره مستقلا. فكيف يترشح للبرلمانية في قائمة حزبية، وللرئاسية مستقلا؟ كما لم تنجح حركة النهضة في لعبة المرشح التوافقي للرئاسية، فلم تستسلم. وإنّما غيرت شروط اللعبة وراحت توزّع نوّابها في التأسيسي على المرشّحين الآخرين لإغراق المشهد الانتخابي وضمان سهولة اللعب فيه.

عبدالعزيز شعبان أحد نواب حركة النهضة، وهو مستقيل منها، أفسد عليها مخططاتها فزكى حمة الهمّامي مرشح الجبهة الشعبية، الخصم السياسي للنهضة. ولأن النهضة تعلم أن حمة الهمامي أحد أبرز الأسماء المترشحة للانتخابات الرئاسية، فإنها حاولت أن تتدارك الورطة التي وضعها فيها نائبها المستقيل منها. فتكلم رئيس كتلتها النيابية الصحبي عتيق وقياديها سمير ديلو عن كون الحركة كانت وراء هذه التزكية لثقتها في شخص حمة الهمّامي وجدارته بالترشح وذلك لتنقل الكرة إلى ملعب الجبهة الشعبية. ولكن النائب شعبان رد بمقال أكد فيه أنّ تزكيته لحمة الهمامي كانت فردية ولم تكن بتعليمات حزبية.

ورغم توضيح شعبان، فإن بروباغندا النهضة تجاه حمة الهمامي التي استعملت فيها الأسلوب البلاغي القديم “الذم في صيغة المدح” قد نجحت، إلى حد ما، في إرباك بعض أنصار الجبهة الشعبيّة لا سيما من الطهرانيين والراديكاليين الذين انطلت عليهم المكيدة واستسلموا لها بسرعة. ونجحت النهضة، إلى حين، في ضرب خصومها بأيديهم لا بأيديها قبل أن تتوضّح الأمور ويكشف قادة الجبهة الشعبيّة الحقائق.

من المكائد المتربصة بالانتخابات التونسية تلك المتمثلة في اللعبة الإعلامية حيث تصر بعض الفضائيات الخاصة على لعب الدور المشبوه نفسه الذي لعبته في انتخابات 2011. فلا يمكن أن ينسى التونسيون الدور المرجح الخطير الذي لعبته إحدى الفضائيات الخاصة في تغذية شعار “الإسلام في خطر” الذي كان الشعار الرئيسي لحركة النهضة في انتخابات 2011. وأدّت هذه الفضائيّة دورا مشبوها مدفوع الأجر يصنّفه التونسيّون ضمن المؤامرات الكبرى حيث تم تكريس المغالطة الشعبوية وتطعيمها بما يلزم من الوقود لإشعالها كلما خبت. وساهمت هذه اللعبة في خسارة القوى التقدمية والعلمانية والحداثية في الانتخابات.

هذه الفضائيّة تفتقر لأهم شروط الإعلام وهي الحيادية والنزاهة. فهي تمارس كل ما من شأنه أن يخدم أطرافا بعينها متنافسة على الانتخابات. هذه الفضائيّة وغيرها تعاني من إخلالات قانونيّة كبيرة ترفض تسويتها وتؤجلها لما بعد الانتخابات. ولذلك نجدها تعكس الهجوم على “الهايكا” (الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري) تلك المؤسسة الدستورية التي تسهر على تنظيم المشهد الإعلامي في تونس ومراقبته.

فلئن كانت ألعاب حركة النهضة الانتخابيّة ممّا يمكن قبوله باعتبارها تتحرك ضمن هامش المناورات السياسية، فإن اللعبة الإعلامية خطيرة ومؤذية لتونس وتهدد مستقبل الشعب التونسي في أمنه واستقراره وحرية اختياره. ولذلك نلاحظ تضافر جهود “الهايكا” والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين من أجل التصدي للمروق الإعلامي.


كاتب وباحث سياسي من تونس

9