المكان الأول وأثره على توجهات الإنسان

مدينتي الحلة التي لم تفارقني حتى حين فارقتها، كانت وما زالت ذات أثر واضح في حياتي وتوجهاتي ومكوّناتي الشخصية.
السبت 2020/01/11
مكان يختزن حضارات عريقة

المكان الأول، هو المكان الذي يولد الإنسان بين رحابه، ويعيش فيه زمن نشأته، ولمكوّنات هذا المكان، الاجتماعية والثقافية، أثر في توجّهات الإنسان وفي سلوكه ورغباته وطاقاته ومواهبه، وحين تظهر موهبة الإنسان سواء في ما هو عملي أم فكري أم إبداعي، يكون البحث، بل الحفر في أثر المكان الأول بجميع مكوّناته، على تلك الموهبة، نوعها وتحوّلاتها.

وأستذكر مع المكان الأول، بيتين شعريين ساحرين وشائعين، ينسبان إلى صبية طائية، والبيتان من الشعر العربي قبل الإسلام:

أحبّ بلاد الله ما بين منعجٍ/ إليَّ وسلمى أنْ يصوب سحابها

بلادٌ بها نيطت عليَّ تمائمي/ وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها

وعلى صعيد تجربتي الذاتية، ومنذ أن كتبت الشعر، وعرفتُ شاعراً، وجدت أن كل من يحاورني أو يكتب عن تجربتي الثقافية بعامة والشعرية على وجه خاص، يسألني عن المكان الأول، مدينتي “الحلة” وعن طفولتي وصباي وشبابي فيها، باحثاً عن أثر المكان الأول في هذه التجربة، بل تأثيره في مكوّناتي الثقافية والاجتماعية.

ولا بد من أن أعترف هنا، أن مدينتي الحلة التي لم تفارقني حتى حين فارقتها، كانت وما زالت ذات أثر واضح في حياتي وتوجهاتي ومكوّناتي الشخصية، وحين أتحدث عنها، مسقط رأس، وحاضنة طفولة وصبا، وفضاء للحياة، جغرافيا واجتماعيا، أجدها حيث كانت علاقتي بالشعر، هاجسا ومن ثم وعيا.

عاشت هذه المدينة تاريخين، فهي بابل القديمة أولا، وهي الحلة المزيدية ثانيا، التي تبوأت موقع حاضرة الثقافة العربية الإسلامية بعد أن دمر المغول بغداد، كياناً ودورا، وبتأثير هذين التاريخين، كان الإنسان فيها، متحضّرا ومدينيا، حتى وهو لا يعرف القراءة والكتابة،أو هو على تماس بالريف والانتساب إليه، بصلات النسب والقربى أو المصالح المشتركة وأسباب العيش، فمحيط المدينة الريفي، من أكثر المناطق الزراعية غنىً، وتكاد المدينة أن تعيش على علاقتها الاقتصادية به.

وكان المحيط الريفي، وبخاصة في أوساط المزارعين، غير بعيد عن حياة المدينة بحيويتها الثقافية وتطلعاتها الحضارية، ولأنني أتحدث عن الحلة في أواخر الأربعينات والعقد الخمسيني من القرن العشرين، فقد شهدت هذه الأعوام والتي سبقتها، أن يكمل أبناء كبار المزارعين دراستهم الجامعية في عدد من الجامعات في البلدان العربية كجامعة القاهرة والجامعة الأميركية في بيروت، أو في جامعات أجنبية،
في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، وأن تقبل فتيات من أسر المدينة على إكمال دراستهن الجامعية قبل أن تؤسس جامعة بغداد.

قبل ذلك التاريخ وخلاله أيضاً، كانت المدينة وبتأثير قربها من بغداد، تنفتح على كل ما هو مديني، حيث دور السينما ونوادي الموظفين، بل لقد كان فيها عدد من المكتبات التي تستورد أحدث الكتب من بيروت والقاهرة ودمشق، وما يصدر في بغداد والنجف منها، وكذلك المجلات الثقافية والسياسية والفنية، وتضم إحدى هذه المكتبات مطبعة حديثة، والشارع الذي توزعت على جانبيه تلك المكتبات، ما زال رغم جميع المتغيرات يسمى شارع المكتبات.

وفي النصف الأول من الأربعينات أقيم في المدينة مبنى لمسرح حديث مرتبط بالإدارة المحلية، ولعلها المدينة الوحيدة التي كانت فيها أيامذاك حديقة عامة للنساء.

يمر بمدينة الحلة نهر، هو فرع من نهر الفرات، اسمه شط الحلة، يقسمها إلى قسمين، هما الجانب الكبير الذي يضم دوائر الدولة والأسواق الرئيسة ومعظم مقومات المدينة، والجانب الصغير المحاط بالريف من جميع جوانبه، باستثناء إطلالته على النهر، وقد ولدت وعشت طفولتي وأنهيت دراستي الابتدائية في هذا الجانب من المدينة.

وحين أستعيد تلك السنوات، أجد أن كل ما فيها يقترب بالطفل من الهاجس الشعري.

ومما لا أنساه، ذلك الرجل الأعمى الذي كان يأتي بين الحين والحين إلى السوق ويردد مواويل دينية، فيمنحه أصحاب الدكاكين عطاياهم، وما زلت إلى الآن أحفظ بعض مواويله.

وللموت طقوسه، فحين يكون المتوفى من وجهاء الريف أو من شيوخ العشائر.

أما في المناسبات الاجتماعية التي تدخل ضمن مواسم الفرح، كالأعياد والأعراس وحفلات الختان أو يختم الصبي القرآن الكريم، فلكل مناسبة من هذه المناسبات أهازيجها وأغانيها، ولها من يؤديها من الرجال والنساء، هواة ومحترفين.

إن كل هذا الذي ذكرته، عرفته في طفولتي واستأثر بأحاسيسي وحفظت الكثير منه، وحين عرفت الكتابة، أقدمت على كتابة الكثير مما كنت أحفظ أو أستمع إليه.

لم تكن قراءاتي منظمة أو موجهة، بل طالما تحكمت بها المصادفة، ولم أكن في محيط معني بأسئلتي أو ما تخلقه عندي الدهشة والمفاجأة والصدمة، فقد كان عليَّ أن أكتشف الأشياء بنفسي وأن أحاول الإجابة عن تلك الأسئلة، وعلى سبيل المثال، ما وجدته في لغة الرومانسيين الشعرية أو جماليات المهجريين، وبخاصة جبران ونعيمة، ومن ثم مفاجأة البنية الشعرية الجديدة التي اكتشفتها في نصوص السياب الخمسينية، أكثر مما عند غيره من المجددين، إذ كانت المفاجأة معه أكثر مما كانت مع غيره، ولقد كان عليَّ أن أنتظر طويلا حتى ألتقي بمن أستطيع مشاركتهم في أسئلتي.

إن الحوار الذي سبق في تجربتي، الحوار مع الآخر، بقدر ما جعلني أكتشف الأشياء متأخرة نسبياً، منحني نظرة أعمق في كل ما يتعلق بالوعي فكريا وجماليا، وتلك البذرة ما زالت تحمل خصوصيتها، إذ ما زالت خارج مؤثرات الضجيج وما زلتُ أوفِّر لنصي الإبداعي ما يمنحه خصوصيته.

14