المكان الروائيّ بؤرة تغيير وتأليب

الاثنين 2017/04/24

يلتقط الأديب تفاصيل الأمكنة من حوله، سواء تلك التي تحفظ ذخيرته من الذكريات، أو تلك التي تبقيه على صلة براهنه والمستجدّات الدائمة فيه، بحيث أنّ تلك التفاصيل تحجز مكانها الأثير في أيّ عمل يشتغل عليه، فكلّ ما يحيط بالروائيّ يشكّل مادّة محتملة للمقاربة والتوظيف في سياق من سياقات السرد والمعالجة.

المقهى يظلّ من الأمكنة العزيزة على الكثير من الأدباء، يحتفظ بحضور كبير في ذاكرتهم وكتاباتهم، وقد يغدو البطل الأوحد رامزاً إلى العالم الواسع الذي ينفتح عليه، كما قد تتحوّل حكاية المقهى/ المكان إلى حكاية ساكنيه، أو نقطة تغيير لكلّ المحيطين به، أو روّاده، فضلاً عن أصحابه أنفسهم.

من ذلك مثلاً ما تعرضه الأميركية كارسن ماكالرز (1917 – 1967) في روايتها “أنشودة المقهى الحزين” من صور للمرأة في مختلف تقلباتها، من البساطة إلى القوة والنفوذ والتحكيم والسيطرة والعنف وصولاً إلى الهزيمة والكآبة والخيبة، وذلك من خلال سرد حكاية المقهى الذي تديره، ودوره في ضخّ حياة في ما حوله أو سلب روح التجديد منه.

تماهي ماكالرز بين حياة المرأة وحياة المقهى لتخرج عملها المؤثّر، وتركز على تأثير تفاصيل المكان على أهله، ما يثيره في نفوسهم من مشاعر متناقضة، بحيث يكون محركاً لدورة حياة بلدة بأكملها، وباعثاً على النشاط والتجديد والمتابعة، ودافعاً إلى البحث عن سبل لإسباغ نوع من المصالحة على بؤس التفاصيل المغرقة.

وفي قصته “مقاهٍ لها تاريخ” يستعيد الأرجنتيني إدواردو غاليانو (1940 – 2015) تواريخ متعددة من دول في الشرق والغرب حيث لعب المقهى دوراً في التاريخ، أو كان مسرحاً لأحداث ومشاهد تاريخية، أو كان منطلقاً لأفكار وثورات ومخططات غيرت وجه العالم وأحدثت انعطافات تاريخية مؤثرة. يذكر أنه في مقهى تورتوني، ببوينس آيرس، تأسس أول تجمع للفنانين والكتاب الأرجنتينيين.

ويشير إلى أنه في أزمنة المنفى كان تروتسكي ولينين يناقشان مسألة الثورة الروسية في المقهى المركزي بفيينا، وأنه بينما كان القرن العشرون يولد، قدم بابلو بيكاسو معرضا لأعماله في مقهى إلس كواترياكا ببرشلونة.

في العام 1898 كتب إيميل زولا مرافعته المشهورة "إني أتّهم" في مقهى لاباكس بباريس. ومقهى الريش في القاهرة كان في العام 1919 مركز التمرد المصري ضد الاحتلال البريطاني، بالإضافة إلى مقاهٍ أخرى يذكرها احتضنت أحداثاً لافتة ومؤثرة.

عربيّاً ظهرت عدّة أعمال اشتغل أصحابها على جعل المقهى بطلاً روائيّاً إلى جانب الشخصيّات المصوّرة، كرواية "باب الليل" للمصري وحيد الطويلة الذي جعل المقهى صورة مصغّرة عن عالم متخبّط كامل دفعه إلى الصدارة عسى أن يكون هناك اعتبار من التواريخ المستعادة، والوقائع المسرودة التي تفترشها الخيبات والهزائم.

كاتب سوري

15