المكان والتنوع الثقافي

ما يميز ثقافة عن أخرى وإبداعا عن إبداع هو تأثير المكان، الذي هو نتاج خصوصيات تاريخية وبيئية ولغوية.
السبت 2020/03/14
المكان ليس مجرد بناء

يحضرني سؤال بصورة مستمرة، وهو، هل يمكن أن تكون ثقافة ما، بعامة، والإنتاج الفكري بجميع مفرداته، على وجه خاص، بعيدة عن تأثير المكان؟ ومثل هذا السؤال لا يمكن أن يظل في الحدود النظرية، أي أن الإجابة عنه ليست إجابة نظرية، وإنما تعتمد المشهد التاريخي بما تأسس عليه من تجارب وما اقترنت به من شهادات.

والمشهد التاريخي هو نتاج مقومات، في مقدمتها مقومات جغرافية، التي هي أم المكان، بخصوصياتها الطبيعية والاقتصادية، وما تترك على الإنسان، فردا وجماعة، من مؤثرات تؤدي إلى خصائص ما، ومن الطبيعي أن يشمل هذا التأثير، فكر الإنسان وذاكرته ومخيلته، وهي من أدوات الإنتاج الثقافي، كتابة وصوتا وتشكيلا.

وإذا كان بإمكاننا القول، إن المكان ترك تأثيرا واضحا على الإنتاج الثقافي، منذ بدايات الحضارة الإنسانية، فإن مثل هذا التأثير لم يغب حتى الآن، رغم كل وسائل التقارب بين الجماعات البشرية وفي مقدمتها وسائل الاتصال التي فرضت علينا ترديد مقولة “القرية الكونية” التي يفترض أننا نعيش فيها كما تعيش الأسماك، كبيرها وصغيرها في محيط واحد، غير أن المحيط الواحد سواء كان بحرا أم قرية كونية لا يلغي الفروق فلا يجعل من القرش سمكة زينة، ولا من شركات الرأسمالية المتوحشة، جمعيات بر وإحسان.

إن القول بتأثير المكان في الثقافة، لا يعني عنصرية المكان، فتبادل التأثير بين الحضارات وأثر ما أبدعت كل حضارة في الحضارة الأخرى رافق التاريخ الإنساني منذ بداياته، فتأثير الحضارتين القديمتين في بلاد الرافدين ومصر، في الحضارة الإغريقية صار واضحا، رغم كل محاولات التعتيم التي مارستها المركزية الغربية، مع أن هذا التأثير اعتُرف به على أكثر من صعيد، في الأساطير والطب والرياضيات، بل في الموسيقى أيضا، فحين بحث كوتنر في المدونات الموسيقية الإغريقية، وجد أنها موسيقى شرقية.

لقد كان التأثير وما زال يأتي من الاختلاف، ولو لم يكن الاختلاف، فليس للتأثير ضرورة، وقد عبر عن ذلك أندريه جيد في قوله “لأنك تختلف عني، أحبك، ولا أحب فيك إلا ما يختلف عني”.

إن ما يميز ثقافة عن أخرى وإبداعا عن إبداع يكون بتأثير المكان، الذي هو نتاج خصوصيات تاريخية وبيئية ولغوية، ويبدو لي أن هذا الاختلاف هو مصدر الاهتمام، فالدراسات الاستشراقية في توجهها الموضوعي، كان اهتمامها بما هو مختلف في الشرق فحاولت دراسته، لكنها في توجهها السلبي، حاولت توظيفه في خدمة مشروعها المحكوم بدوافع المركزية الغربية، وكان الاهتمام بالفلسفة اليونانية من قبل العلماء المسلمين هو الآخر قد ركز على ما هو مختلف لمعرفته والتعمق فيه، وتكرر ذلك مع المنجز الثقافي الآسيوي، وكان بيت الحكمة ببغداد في العصر العباسي، مركزا نشيطا في المجال المعرفي المنفتح على الآخر، وكذلك كان الوسيط الأندلسي، ومن ثم امتداداته في أقطار المغرب العربي.

وما زال اهتمام المركزية الغربية بما هو شرقي يركز على المختلف، سواء صدر هذا الاهتمام عن نزعة كسر المألوف، عبر الفرجة والبحث عن الغرابة أم عبر الالتفات إلى ما يكتنز هذا المختلف من إمكانات تجديدية، وأن الاهتمام بألف ليلة وليلة مثلا، هو دليل على ما نقول، وليس من المرفوض المستهجن، ورحم الله الجاحظ الذي قال “ما زال الناس بخير، ما بقي الأول، حتى يتعلم الآخر”.

إن المكان في مجال تحديد الخصوصية، ليس هو الحديد والحجارة والإسمنت، وليس هو الحاضر مقطوعا عن الماضي، وليس هو الواقع مؤمنا من فعل الخيال، وليس هو الأنهار والغابات والجبال فحسب، بل هو الإنسان في تفاعله مع كل ما ذكرنا، لذا كان الشعراء والكتاب والتشكيليون والمعماريون أكثر التصاقا بما هو مشخص في المكان، منذ طفولة الكتابة أو حتى في المرحلة الشفهية، وهذا ما يمكن رصده في الأساطير والملاحم والأناشيد ومن ثم في مرويات الأيام والسير والشعر والنثر في تكوينهما الإجناسي.

إن عوليس أشهر أعمال جيمس جويس، يتوحد بناؤه السردي مع دبلن المكان، وإن أغلبية أعمال نجيب محفوظ هي محاولات مستمرة لاكتشاف القاهرة، ويبدو لي أحيانا أن خيري شلبي كان يتحرك في فضاء قاهري لم يصل إليه نجيب محفوظ، وكأنه يحقق فرادته في فرادة المكان، وفي الرواية الجديدة التي طالما اعتمد منظروها منهجا يؤكد على الابتعاد عن كل ما له علاقة بالسيرة الذاتية، لكن مثل هذا التنظير لم يتحقق في الكتابة الروائية، ويعترف آلان روب غرييه، أحد أشهر كتاب الرواية الجديدة، أن البعض من رواياته التي كتبها في ذروة اندفاعه التنظيري للرواية الجديدة، لم يبتعد عن مقومات السيرة الذاتية، وبخاصة المكان.

إن إسطنبول أورهان باموق، الكاتب التركي الذي نال جائزة نوبل، تكاد تذكِّر القارئ بقاهرة نجيب محفوظ، فهي المكان الذي يتحرك فيه أبطاله، وهي تمتد بين ماضيها وحاضرها وتتيح له مكانا روائيا ساحرا يتسع لجموح المخيلة والتجريب، أما إسطنبول أليف شفق التي “لم تسمح لها أن تنسى” فهي المكان الذي يتسامح بكرم مع وعيها في إدخال الواقع مدخل الأسطورة، وهي تذكرني بجيكور السياب الذي جعل شواخص المكان، بويب وبيت الجد ومنزل الأقنان وشباك وفيقة، عالما أسطوريا جميلا، وليس من عمل روائي مجيد إلا واقترن بالمكان ومن التجارب الروائية الاستثنائية في الكتابة عن المكان، تجربة لورنس داريل، هذا البريطاني الذي نشأ في الهند وتنقل في عدد من البلدان، من بينها مصر، حيث كتب “رباعية الإسكندرية” تلك التي قدم فيها رؤية تجمع بين الغموض والدهشة، تجعل منها واقعا ساحرا.

ولم يكن الشعر بعيدا عن أثر المكان، و أثر المكان في الشعر، كتبت عنه في إحدى مقالاتي قائلا “ليس القصد كتابة قصيدة وصفية، وإنما كيف يظهر المكان في القصيدة، وما هو أثر المكان على طريقة عمل الشاعر ومقومات العمل الشعري، رؤية وموقفا وأداة”.

إن الشاعر العربي القديم، لم يصف ما كان يراه، بل يصف ما يتمثل ويتمثل ما يصف، والقول إن الشاعر يتمثل ما يصف ليس تفاصحا أو مجرد لعب باللغة، بل هكذا كان الشعر، والمكان في القصيدة ليس هو المكان في الواقع، وهذا الذي وضع الشاعر في موضع المختلف عن سواه، فهو خدين الجن حينا وهو الحكيم حينا آخر حيث يرى ما لا يراه الآخرون، ويقول ما ليس باستطاعتهم قوله، وإذا كنا قد ألفنا المتشابه في المعلقات مثلا بفعل قراءة اتباعية، تحتكم في ما ترى إلى الزمان، فإنها “المعلقات” وبفعل المكان فيها المختلف مثل ما فيها المتشابه، إن لم نقل أكثر منه.

وإذا كان تعدد المكان هو حاضنة التعدد الثقافي، فالمختلف في الثقافات وبالتالي في الإبداع الثقافي، حالة إيجابية، تتيح للإنسان في الأماكن المتعددة والتواريخ المختلفة أيضا، الانفتاح على الآخر والحوار معه والتأثر به.

14