المكان والجسد واللغة في الشعر الجاهلي

الثلاثاء 2014/02/25
الشعر الجاهلي يمثل رؤية فنية متعددة الدلالات

أبوظبي- صدرت عن أكاديمية الشعر في لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي دراسة جديدة بعنوان “خطاب الزمن في الشعر الجاهلي” للباحث الأخضر بركة لتكون بذلك الدراسة الخامسة عشرة التي تصدرها الأكاديمية.

دراسة “خطاب الزمن في الشعر الجاهلي” للباحث الأخضر بركة، هي عبارة عن أربعة فصول ومدخل نظري حول إشكالية الزمن، حيث تناول الفصل الأول منها الزمن والمكان، والثاني الزمن وخطاب الجسد، والثالث الدهر وخطاب المواجهة، أما الفصل الرابع فتناول القصيدة والبناء الزمني.

ولعل خصوصية هذا البحث تبدأ من محاولة تجاوز مستوى الوقوف الاستعراضي للنماذج الشعرية التي تحوي بصورة أو بأخرى موضوع الزمن، ما يعني أن مسعى القراءة العام هو تحليل العلاقات النصية والدلالية للخطاب الشعري الذي يقدم الزمن تجربة وشكلا بمختلف التجليات المتنوعة والممكنة، سواء كان ذلك من خلال المشهد الطللي أو من خلال الجسد بما يحمله من سمات تعبيرية زمنية أو من خلال اللغة ذاتها في بعدها الرمزي واندراجها ضمن شكل إيقاعي ثابت هو القصيدة.

وانطلقت الدراسة من قراءة تجربة الزمن في الشعر الجاهلي بوصفها خطابا مجازيا مفتوحا على التأويل بكيفية تتيح الاستفادة من عدة أسس نظرية مختلفة مع بقاء القراءة متحررة من ضغوط مقتضيات صارمة لمنهج ما من جهة، ومتمتعة من جهة أخرى بامتياز ما تدفع إليه النصوص من تأويل غير متوقع يثري هذه القراءة ويبقيها ضمن فضاء اكتشاف جديد.

هذا مع تفادي مبدأ التطبيق الذي يفترض مقاربة الشعر بنموذج جاهز تُحشر أبيات الشعر فيه قسرا لتفرض عليها التأويلات المناسبة لروح ذاك المنهج على حساب حرية القصيدة وخصوصيتها الفنية، ما يعني أنّ الدراسة قائمة على محاولة استنطاق القصيدة بالاستفادة من المنهج البنيوي ومن غيره من التصورات النظرية في النقد العربي القديم أو في الفكر الألسني الحديث على غرار المبالغة والشعرية والسيميائيات.

كما ينطلق البحث من تصور نظري مهم هو أن الشعر الجاهلي ليس مجرد تصوير لواقع الإنسان العربي في الصحراء بقدر ما هو يمثل رؤية فنية تحمل في دلالاتها المتعددة موقف الإنسان الفنان من مظاهر الوجود المختلفة، ورغبته في المواجهة والتجاوز على مستوى الوعي ضمن مفهوم استقلالية الشعر النسبية عن مجرد التصوير الآلي لمظاهر الواقع.

ورغم أن مسألة الزمن في الشعر الجاهلي هي من بين أهم القضايا الفنية التي تعرض لها الدارسون الجدد للشعر الجاهلي بدءا من مشروع طه حسين إلى غاية ما طرحه كمال أبو ديب وريتا عوض وأدونيس وعزالدين البنا وغيرهم، وإن بشكل جانبي ضمن تحليلهم لمسائل أخرى بنيوية وتكوينية وتصويرية خاصة فيما يتعلق منها بالظاهرة الطلليّة (المكان الطللي) لما لها من صلة وثيقة بمسألة الزمن، غير أن الباحث الأخضر بركة يؤكد أنه لم يتم تناول موضوع الزمن ببحث علمي أكاديمي من منظور نقدي حداثي باستثناء بعض الكتابات الفردية هنا وهناك.

14