المكان والضوء بطلا المسلسل التونسي "أولاد الغول"

العمل الفني ينتهي نهاية مفتوحة لترك المجال لسلسلة جديدة.
الاثنين 2021/05/17
عتمة مُوظَفة تعكس سوداوية الأنفس المُتصارعة

انتهى المسلسل التونسي “أولاد الغول” الذي عرض في الموسم الرمضاني الأخير على قناة “التاسعة” الخاصة بإيقاع بطيء كما انطلق. ثلاثون حلقة متصلة قدّم فيها المخرج مراد بن الشيخ شخصياته المركّبة وعوالمها المعقّدة بنسق رتيب، جعل بعض المُشاهدين يعزفون عن متابعته، رغم عمق القصة التي رسمت معالمها بإتقان السيناريست التونسية رفيقة بوجدي مؤلفة المسلسل الحدث في العام 2008 “صيد الريم”.

تونس - نهاية مفتوحة لقصة مُربكة، عن الحب والهجر، الحياة والموت، وخاصة الصراع حول الميراث والنفوذ، نهاية تُعيد لعائلة آل الغول، بعضا ممّا ارتكبه رب العائلة “إسماعيل الغول” في شبابه قبل أن يُقتل على يد أحد أبنائه.

عاد “هارون” (جسّد دوره حلمي الدريدي) إلى البيت الكبير حاملا بين ذراعية وليدة أخاه غير الشقيق المسجون ظلما “يوسف” (فارس الأندلسي) لتكون عضوا جديدا في العائلة التي تبدو ظاهريا أمام الناس مترابطة ومنسجمة، في حين أنها مفكّكة حدّ المرض كحال الأخت الوحيدة “بية” (سارة الحناشي).

هكذا ارتأى الثنائي مراد بن الشيخ في الإخراج ورفيقة بوجدي في السيناريو إقفال الحلقة الـ30 من مسلسل “أولاد الغول” الذي عرضته قناة “التاسعة” الخاصة على امتداد شهر رمضان المنقضي، بنهاية مفتوحة تُعلن بشكل صريح إمكانية إنجاز جزء ثان من عمل إشكالي لم تتّضح خباياه بعد.

كل شيء ظل معلّقا، مصير يوسف المحكوم عليه بالسجن المؤبّد في جريمة قتل لم يرتكبها، وكذلك الأمر بالنسبة لهارون وأمه “الكاملة” (وحيدة الدريدي) التي لا تتوانى، رغم قسوتها الصارخة، عن فعل أي شيء من أجل أن يستفرد أبناؤها الثلاثة: قابيل وبية وهارون بثروة أبيهم الطائلة، على أن يحرم يوسف “ابن الزنا” كما تقول، من كل شيء، بل وليقضي بقية حياته في السجن بمكيدة دُبّرت بينها وبين بكرها هارون، وبتواطؤ غير معلن، ولو بالصمت، من شقيقيه بية وقابيل.

ومسلسل “أولاد الغول” يروي قصة عائلة الغول، وهي عائلة من الأثرياء، تتكوّن من ثلاثة أبناء شرعيين وابن غير شرعي من علاقة غرامية للأب، حيث تتشابك الأحداث وتتداخل في علاقات معقدة للأبناء بعضهم ببعض، وعلاقتهم بأبيهم، ودور الأم المحوري في إدارة الأحداث وتطوّرها.

النهاية المفتوحة للعمل تمهّد لجزء ثان قد يكشف أسرارا بقيت مُبهمة في بيت آل الغول المليء بالضغائن التي لا تنتهي

قصة دارت جل أحداثها، تقريبا في بيت الغول، المكان المغلق والمليء بالرتابة والرطوبة، إن صحّ التوصيف، رطوبة العلاقات الإنسانية التي تجمع بين الأشقاء الأعداء، ليكون المكان/ البيت بطل العمل دون منازع عبر إخراج سينمائي أقرب منه إلى الإخراج التلفزيوني، بزوايا تصوير يحضر فيها البيت سيّد المشاهد، فتغيب الانفعالات الحادة للممثلين في أكثر من لقطة، لتسود الألوان الحالكة بين أسود داكن وأحمر قان، في تمهيد لجريمة القتل التي ذهب ضحيتها الأب إسماعيل.

سواد مُربك ومُقرف أيضا أجاد تشكيله مدير التصوير التونسي محمد المغراوي، بما يعكس سوداوية الأنفس المُتصارعة على الميراث، والمتمثلة خاصة في هارون وأمه الكاملة اللذين يُحيكان الدسائس في وضح النهار، ليكون نهارهما رديفا لليلهما مكرا وكيدا.

عتمة طاغية تسرد سوداوية الأحداث وتلاحقها، وإن بنسق رتيب، بطيء وفاتر يصل في أحيان كثيرة حد الضجر من هذا التلكّؤ الإيقاعي المدروس من مدير تصوير أنجز كبرى الأعمال الدرامية العربية على غرار “عمر” و”الهيبة- العودة” و”دولار”، فأتقن دائما وأبدا لعبة السطوع والخفوت في الضوء وضدّه.

وهذه الثنائية بين الخمود والبريق تبناها مخرج العمل مراد بن الشيخ بشكل سريالي في مشهد دفن هارون، لزوجة شقيقه “مريم” (ياسمين بوعبيد)، وهي التي مثّلت في المسلسل نقطة ضعفه الوحيدة، فهو العاشق المتيّم بحبها، في حين أنها اختارت شقيقه حبيبا وزوجا، الأمر الذي جعله يختطفها وهي حامل، موصدا الأبواب دون هروبها من سطوته عليها، إلى أن تلد وحيدتها، لتموت أثناء الوضع.

حينها يتولّى هارون دفنها في حديقة أحد بيوته الكثيرة، وهو باك مُلتاع في مشهد خارجي تسطع فيه شمس النهار بكل أشعتها، في قلب لأدوار العتمة والنور، لتغدو الحياة ظلمة، والموت ضياء. وكأنّ مريم بموتها تخلّصت من أدران حب مقيت متملّك ومتسلّط يُميت ولا يُحيي من يُحبّهم، كحاله مع أخيه غير الشقيق يوسف وأخاه الأصغر قابيل وأخته الوسطى بية وكل من يقف حجر عثرة أمام جشعه اللامتناهي للمال والحب والقوة.

لعبة التوهّج والخفوت تعوّد تقديمها بن الشيخ في مسلسل سابق له عن سيناريو أنثوي أيضا لخليدة الشيباني حمل عنوان “يوميات امرأة” (إنتاج 2013) استعرض فيه حكاية مجموعة من النساء، وهنّ المرأة الموظفة في البنك، المرأة الأستاذة، المرأة الخادمة، المرأة الابنة والمرأة الأم، حكايات يومية بسيطة، لكنها عميقة في علاقاتهنّ المُتشابكة بالرجل، الزوج، الأب، الأخ والابن.

حكايات أتت في “يوميات امرأة” بضوء مُشع سواء في مشاهده الخارجية بين تونس العاصمة وجزيرة جربة السياحية أو تلك الداخلية بمنازل أبطال العمل، ما يعكس انتصار المخرج لقضايا المرأة وتمكينها في زمن التحوّلات السياسية الكبرى لتونس ما بعد ثورة 2011، وما حاق بمكاسبها من محاولات جادة لتهميشها.

المسلسل يروي قصة عائلة تتكوّن من ثلاثة أبناء شرعيين وابن غير شرعي يتصارعون في ما بينهم من أجل الميراث

أما في “أولاد الغول” فقد أتى الضوء، كما أسلفنا، فاترا مُعتّما ما يعكس حقبة التسعينات التي اتسمت بالفساد المدقع اجتماعيا، وخاصة سياسيا، فلخّصها الضوء المُبهم بما يطرحه من تساؤلات حول حدود الحريات وإمكانها في مجتمع يسوده نظام الرجل الواحد وأصهار السيدة الأولى، كما جسّدت الحركة البطيئة للكاميرا تراتبية الإيقاع في يوميات التونسي البسيط المرتهن للقمة العيش، لا أكثر.

ورغم هذه البطولة اللافتة للمكان والضوء في “أولاد الغول”، فإن ذلك لم يمنع بروز العديد من الوجوه التمثيلية التي أتقنت تجسيد أدوارها بين الهدوء وصخب الانفعال إن باللفظ أو إيماءات الوجه، على غرار فتحي الهداوي الذي تميّز في تجسيد دور الأب إسماعيل الحازم مع ابنه هارون، والليّن، أحيانا، مع ابنه يوسف، على عكس زوجته الكاملة الصارمة حد التسلّط مع كل أهل البيت عدا ابنها البكر هارون الحاكم بأمره وأمرها.

وقد تميّز أداء حلمي الدريدي في تجسيده لدور هارون بانفعالات مدروسة بقياس سواء على مستوى الحركة والصوت، وخاصة الملامح الثابتة أثناء التشنّج والسكينة على السواء، ما يعكس شخصيته المركّبة التي تخفي من الدسائس أقصاها ومن العنف أقساه.

كما تميّزت مرام بن عزيزة في تجسيد دور “جميلة” أو “جيجي” الشابة الانتهازية التي لا تتوانى عن اقتناص أي فرصة تمكنّها من الوصول إلى المال والثروة ولو ببيع جسدها لمن يدفع أكثر، بل وإن كلّفها ذلك حرمان جسدها النظر من علاقة حميمية كاملة بقبولها الزواج من قابيل العاجز جنسيا، وذلك ضمن صفقة حاكت خيوطها ببراعة مع الأخ الأكبر هارون أساسها “افعل ما تشاء.. وأفعل ما أُريد”.

وتبقى شخصية “التوهامي” الطالب الجامعي المتسلّق والوصولي بلكنته الريفية “السمجة”، كما توصّفها حماته الكاملة، وتنقّله بين حُبيْن، واحد للقلب وآخر للعقل، وإن جمع بينهما تعطّشه المرضي للجنس، تحفة المسلسل التمثيلية التي تميّز في تجسيدها بلال البريكي قاطعا من خلالها مع شخصية “ماهر” الفتى الحالم والوفي لحبيبته كما قدّمها في مسلسل “نوبة”.

والطريف هنا أن ظهور البريكي في كلا العملين، أي “نوبة” و”أولاد الغول” على اختلاف الدورين، شكلا ومضمونا، اقترن بحقبة التسعينات، فهل كُتب عليه أن يظل رهين تلك الفترة الزمنية؟ أم هي مجرّد مُصادفة، ليس إلاّ؟

17