المكايدة السياسية فضحت أردوغان وكبدت إخوان مصر خسائر فادحة

منح أنقرة الجنسية التركية لعدد من قيادات جماعة الإخوان المصريين يؤكد العلاقة الوثيقة للرئيس التركي بالجماعات المتطرفة المختلفة.
الأحد 2019/11/10
انتقائية التعامل تعرّي انتهازية المواقف

قدم أحد البرامج التلفزيونية الجماهيرية في مصر قبل أيام صورا ومستندات تثبت حصول عدد من قيادات جماعة الإخوان المقيمين في تركيا على جنسيتها، وأثبتت جوازات السفر غير المدون بها الأسماء الحقيقية أن هناك أهدافا سياسية خفية من قبل الحكومة التركية عندما حرصت أن تكون هويتهم جديدة من حيث الجنسية والاسم الذي يحمله كل شخص، وغالبيتهم حصلوا عليها خلال العامين الماضيين، كما هو مدون في جوازات السفر التي عرضها البرنامج، ما يعني وجود قلق يساورهم بعد انتهاء مرحلة الرئيس رجب طيب أردوغان.

تضيف هذه الطريقة دليلا دامغا على علاقة الرجل بجماعات متطرفة مختلفة، فمعظم الأسماء المصرية التي منحت الجنسية التركية متورطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أعمال عنف وإرهاب وقعت في مصر خلال السنوات الماضية، وصدرت بحق أصحابها أحكام قضائية متفاوتة، بعضها يصل إلى الإعدام، ولحمايتهم من مطاردات الإنتربول وتوابعها وتسهيل حركتهم بين دول العالم قدم إليهم غطاء الجنسية.

تعتقد الحكومة التركية أنها وفرت الحماية القانونية لهم، ولم يدر بخلدها أنه ثمة أجهزة متقدمة تستطيع أن تثبت أن الهويتين المصرية الأصلية والتركية التي حصل عليها كل شخص لفرد واحد، وكان من الممكن أن يصبح الأمر مفهوما لو الاسم واحد في الحالتين، لكن التغيير أثبت وجود شبهة جريمة من وراء التغيير ويريد صاحبها الفرار منها أو إخفاءها.

أكدت توقيتات الحصول على الجنسية لعشرات القيادات، وربما مئات، من المنتمين للإخوان المصريين أنهم والحكومة التركية لم يبقوا واثقين في أنهم سوف يعودون سالمين إلى القاهرة مرة أخرى، في حين أن خطاب كبار المسؤولين في أنقرة وقيادات الإخوان يتحدث دوما بصورة سلبية عن قرب انهيار النظام المصري وتدهور الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما يجعل شبح الثورة عليه مخيما، وبالتالي عودة الجماعة للحكم.

مسافة سياسية شاسعة

لم يزعج هذا التناقض قيادات الإخوان، لأنهم أعلم من غيرهم بانسداد جميع المنافذ أمامهم، وبات تسللهم إلى حياة المصريين والتحكم في بعض جوانبها المادية والمعنوية غير مطروح، والبون شاسع بين ما يجري فعلا داخل مصر، وما يحاك له ويتردد في إسطنبول من خلال الأدوات الإعلامية التي تديرها جماعة الإخوان، وكل من يهمهم ضمان استمرار الحياة المرفهة، بصرف النظر عن المعاناة التي تعيشها الكوادر الصغيرة.

جاءت مسألة الجنسية لتراكم الأزمة داخل الجماعة، وتشير إلى أن المسافة تباعدت في صفوفها، على الرغم من كل المحاولات التي بذلت للحفاظ على كيانها متماسكا ولو رمزيا، ورأب الصدع الذي نالها بفعل الإخفاقات التي تلاحقها وفشلها في تقويض الدولة المصرية، ولم تفلح المساعي الخشنة التي قامت بها تركيا والأموال التي ضختها دوائر متباينة في شرايين الإخوان في تمكينها من عودة مضمونة للفضاء السياسي في مصر.

النظام التركي مصمم على عدم التخلي عن الإخوان وكل المتطرفين، لأنهم جزء أساسي في استراتيجية حزبه، وخاض بسببهم معارك ضارية دارت بين جدرانه، وتخلى عن قيادات كثيرة عارضت هذا النوع من التوجهات في سبيلهم

توقف مصريون عند فضيحة تغيير الهوية كاملة، لأنها تجاوزت حدود تجديد جوازات السفر المنتهية، ونزعت عنها ما يدور بشأن عدم تعاون السفارات المصرية مع المحسوبين على الإخوان، ووفرت دليلا عمليا لطرق التحايل والالتفاف التركي، ورسخت فكرة عدم رغبة قيادات الجماعة في العودة إلى مصر في أي وقت مستقبلا.

وعرّت الانتقائية التي تتعامل بها أنقرة مع من تسميهم بـ”اللاجئين” السياسيين، وتصر على حصر كرمها في نطاق الحسابات الأيديولوجية، وتنفي أي بعد إنساني تتشدق به حول طرح قضية نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري أدمنت المتاجرة بهم، واستفادت منهم في تبرير بعض التحركات العسكرية التي تقوم بها باتجاه سوريا، وتفسير بعض الخطوات السياسية التي تسلكها مع أوروبا، ولذلك ستظل تناور بهم للحصول على تنازلات في ملفات إقليمية مهمة.

كشفت المستندات التي عرضت على المشاهدين في مصر حجم الهشاشة التي يعاني منها النظام التركي، فالحصول على صور لجوازات السفر يؤكد أن كل تصرفات حماية الحلفاء مفضوحة، منها ما يستحق عرضه حاليا، وما يمكن تأجيله، فقد يتم لاحقا تقديم نماذج لأسماء كبيرة ضالعة في عمليات إرهابية وقعت في دول مختلفة، وهو ما ألمح إليه البرنامج التلفزيوني، وقتها ستوجه ضربة قوية أخرى لأردوغان بعد الاتهامات المتزايدة له بتوفير ملاذات آمنة للكثير من المتشددين.

من الشك إلى الحقيقة

حولت هذه المعلومات الشكوك التي عبرت عنها بعض الجهات الغربية إلى واقع، فبعد العملية العسكرية التركية في شمال شرق الفرات لوّح الرئيس أردوغان بإمكانية إطلاق سراح مئات من المتطرفين وإعادتهم إلى بلدانهم، وكانوا محتجزين في سجون تتولى حراستها قوات سوريا الديمقراطية، ونجحت قواته وعملاؤه في فك أسر عدد كبير منهم، مستغلا ممانعة الدول الأوروبية استقبال هؤلاء والبحث عن حلول خارج أراضيها، في محاولة جديدة للابتزاز السياسي والمالي عقب نجاحه سابقا في توظيف ورقة اللاجئين السوريين مع ألمانيا والحصول على معونات سخية منها.

لم تتوان الكثير من الدول الغربية في الحديث عن مخاطر تسرب عناصر إرهابية إليها، وحذرت من استخدام تركيا لهم عبر اللجوء إلى أساليب ملتوية قد يصعب كشفها، ولفتت إلى خطورة الاعتماد على منح الجنسية لحمايتهم وتسريب بعضهم إلى دول بعينها، وأثبت البرنامج المصري أخيرا عدم استبعاد ذلك، فالإسراف الحاصل في استقبال أعداد غفيرة من المتطرفين وشخصيات مدانة في دول كثيرة يؤكد أن مهامّ قتالية تنتظرهم في مناطق أبعد من سوريا.

قد تكون الساحة الأوروبية اتخذت إجراءات أمنية حاسمة، ما يمكنها من حماية أراضيها بصورة محكمة، خاصة مع القادمين من أي مدينة في تركيا، غير أن هناك دولا في منطقة الشرق الأوسط قد تصل إليها شخصيات تحمل الجنسية التركية دون الشك فيها.

غطاء الجنسية دليل على هشاشة النظام
غطاء الجنسية يفضح هشاشة النظام

وفي ظل إعادة الفرز الحالي من الممكن أن يعاد تدوير بعض الإرهابيين وإخراجهم من سوريا التي تواجه تحديات جسيمة في مجال مطاردة المتشددين واختلاف رؤى القوى الكبرى منه، بما يمثل خطرا على دول كثيرة يستطيعون وضع أقدامهم فيها.

لعل ليبيا من الأمثلة الناصعة التي تثبت إلى أيّ درجة لعبت أنقرة دورا تخريبيا كبيرا في تعطيل التسوية السياسية، وتحولت إلى جسر لعبور الآلاف من الإرهابيين إليها، واستقبلت العديد من المقاتلين الأجانب من جنسيات مختلفة، علاوة على المعدات العسكرية التي كانت تنقل بحرا وجوا بمعرفة تركيا إلى موانئ ليبية.

تنطوي هذه التحركات على معان ومضامين مهمة، تتعلق بأن النظام التركي مصمم على عدم التخلي عن الإخوان وكل المتطرفين، لأنهم جزء أساسي في استراتيجية حزبه، وخاض بسببهم معارك ضارية دارت بين جدرانه، وتخلى عن قيادات كثيرة عارضت هذا النوع من التوجهات في سبيلهم، ويعلم أنهم ركيزة في تنفيذ تصوراته الخارجية، وتنتظرهم فصول لم تظهر معالمها النهائية بعد، ويمكن أن تكون خطوة منح الجنسية لها دور لم تكتمل ملامحه.

يرتبط الحضور الإخواني في المشهد التركي بالتحالف الوثيق الذي عقده أردوغان كذراع سياسية وعسكرية يمكنها من التغلغل في نسيج المجتمعات العربية، لكنه لم يدرك أن العلاقة المتنامية نبهت بعض الدول العربية إلى خطورتها، فاستنفرت همم الكثير من الأجهزة الأمنية، وفرضت توسيع دور الأدوات الدبلوماسية لتعريتها، في وقت تتصاعد فيه الهواجس من التوظيف التركي المتشعب للتيار الإسلامي. الأمر الذي يجعل المكايدة السياسية المبالغ فيها تضرّ بأدروغان وجماعة الإخوان في العالم.

6