المكتبات الحلقة الأضعف في صناعة الكتاب

مكتبات بيع الكتب تتقلص في العالم العربي في حين يتزايد حضور الكتب الأجنبية المترجمة في شكل ملحوظ.
السبت 2020/01/25
مكتبات تقاوم بصعوبة

يبدو مؤلما أن يستمر إقفال عدد من مكتبات البيع، على الأقل على مستوى العالم العربي، ضدا على الأهمية القصوى التي تلعبها المكتبات على مستوى حلقات صناعة الكتاب. وذلك باعتبارها الوسيط الأساسي بين منتجي الكِتاب وناشريه وبين القارئ.

ونجد من المحبط أن بلدا كالمغرب، بسكانه الذين يتجاوزون الأربعين مليون نسمة وبعدد قرّائه الحقيقيين، ومن المفترض أن يكون ضخما، يتوفر بالكاد على ألف مكتبة، بما فيها وحدات البيع الصغيرة المختصة في الخدمات الوراقية وبيع الصحف والمجلات. وذلك بمعدل مكتبة لما يقارب الأربعين ألف مواطن، مع العلم أن ثلث المكتبات تستأسد بها مدينة واحدة، وهي الدار البيضاء، في سياق المركزية الثقافية التي لم يستطع البلد تجاوزها بعدُ.

ويبدو هذا الوضع مفارقا على الأقل لتاريخ البلد على مستوى تداول الكتب. إذ يعود تأسيس مكتبات البيع إلى قرون عديدة. وهو ما يعكسه العددُ الهام للمكتبات التي كانت تحيط بالمدارس، خصوصا بفاس وجامعة القرويين بشكل أساس. وقد وصل عددُ الكتبيبن، خلال مرحلة دولة السعديين، على سبيل المثال، حسب محمد المنوني في كتابه “دُور الكتب في ماضي المغرب”، إلى حوالي 200 كتبي، ومنهم من استطاع مراكمةَ ثروة بفضل تجارة المخطوطات، كما هو الأمر بالنسبة إلى اللغوي والشاعر محمد بن محمد بن بيبش العبدري الغرناطي الذي عاش خلال القرن الرابع عشر الميلادي.

كما كان عمل الكتبي يتم بموازاة مع طرق أخرى على مستوى الترويج التجاري، ومنها، على سبيل المثال، البيع بالمزاد، الذي كان يتم من طرف الكتبيين وهواة الكتب والأساتذة، كما يشير إلى ذلك أحمد شوقي بنبين في كتابه “تاريخ المكتبات بالمغرب”.

 وسيفتح دخولُ الطباعة الحجرية بالمغرب الباب أمام ظهور عدد من المكتبات المختصة في بيع المطبوعات الحجرية المغربية أو الصادرة بالقاهرة. بينما عرفت مرحلةُ الحماية ظهورَ عدد من المكتبات التجارية، التي كان يشتغل بعضُها أيضا في مجال توزيع واستيراد الكتاب.

ويبدو هذا التاريخ المشرق مشترَكا على مستوى العديد من الدول العربية، التي عرفت تراكما هاما على مستوى بيع الكتب. إذ كانت كل العواصم الثقافية تتوفر على أسواقها الخاصة، التي شكلت علامة على حضور تداول الكتاب باعتباره شكلا من أشكال الحياة اليومية. وهو ما تعكسه على سبيل المثال فضاءات مثل سور الأزبكية بالقاهرة، الذي أقفل أكثر من قرن من عمره، وشارع المتنبي العريق ببغداد، الذي ما زال يصر على الحياة، ضدا على ما يعرفه البلد، ومن ذلك واقعة تفجير الشارع قبل سنوات. كما تضم اللائحة نهج الدباغين بتونس، وشارع الحلبوني بدمشق وغيرهما.

وإذا كان المشترك بين هذه الفضاءات يكمن في منحها حياة جديدة للكتاب المستعمل، وفي وضعها كتدوين لعلاقة مذهلة بالكتاب، إلا أن وضع مكتبات البيع أكبر من شارع قد يُغلق أو يفتح حسب مزاج السلطة. ولعل حالة المغرب تختزل وضعية المكتبات بالعالم العربي.

وفي هذا السياق، تكشف آخر دراسة تهم وضعية الكتاب بالمغرب، وهي التي كنت قد أعددتها بطلب من منظمة اليونسكو، عن المستويات المحبطة لاشتغال مكتبات البيع بالبلد، سواء في ما يخص حجمَ طلباتها من الكتب ومجالاتها المعرفية أو معدلات مبيعاتها. إذ يقارب، على سبيل المثال، معدلُ المرجوعات نصف نسخ العناوين المعروضة. ومن المرجح أن المعدل أكبر من ذلك بالنسبة إلى الكتاب الثقافي، اعتبارا لكون معطيات الدراسة تشمل أيضا المبيعات على مستوى الكتاب المدرسي والجامعي والموازي.

من جهة أخرى، تعرف المبيعات على مستوى الأعمال الأدبية تراجعا، في الوقت الذي تشكل فيه أحيانا هذه الأعمال جانبا أساسا من الكتب المعروضة للبيع. ويعكس هذا التباين خللا على مستوى معرفة حاجيات القراء. وهو ما يفسره غياب أبحاث ميدانية في المجال، حيث إن آخر دراسة قامت بها وزارة الثقافة المغربية، في هذا الإطار، تعود إلى ما قبل العشرين سنة. وهي مدة تكفي لوفاة أجيال وولادة أجيال جديدة من القراء، بعاداتهم وطقوسهم وحاجياتهم المختلفة.

وقد يبدو مفاجئا أن نجد أن أكثر من ستين في المئة من الكتب التي تشغل رفوف مكتبات البيع هي كتب مستوردة، سواء من الدول العربية، أو الأجنبية. ولعل هذا الأمر يعكس جانبا أكبر، يرتبط بالتباين الكبير بين صادرات البلد ووارداته على مستوى الكتاب. إذ نجد أن قيمة مجموع واردات المغرب، في هذا المجال، قد تضاعف مجمل قيمة صادراته بعشرين مرة.

وإذا كانت هذه المعطيات تعكس وضعيةَ الكتاب المغربي العاجز عن تجاوز الحدود، فإنها تكشف، في نفس الوقت، عن حقيقة قد تسائل الكثير من اليقينيات التي يستند إليها الكثيرون. وبمعنى أدق، إن استمرار هذا الحضور الكبير للكتاب المستورد، سواء العربي منه أو الأجنبي، يفترض وجود سوق للقراءة بالمغرب لا ينتبه إليها الخطاب الذي يتحدث، من موقع الانطباع، عن وجود أزمة قراءة بالبلد.

والأكيد أن وضعية مكتبات البيع المحبطة ليست، لحسن الحظ، مشتركة بين جميع الجغرافيات الثقافية. وهو على الأقل ما تعكسه فضاءات الضفة الأخرى. إذ يكشف آخر تقرير صادر عن المرصد الفرنسي لمكتبات البيع عن تطور أرقام معاملات القطاع بالبلد خلال السنة السابقة. وذلك بعد ركود عابر نتيجة أجواء الانتخابات الرئاسية وأيضا بحكم احتجاجات حركة السترات الصفراء. بينما تم هذا التطور برغم ولادة غول كبير، اسمه أمازون، وهو الموقع الذي يمكنه أن يأتي على كل وحدات البيع الكبيرة والصغيرة بحكم قوته التنافسية الكبرى، وطبيعة خدماته التي تغطي كل بلدان العالم وتستجيب لجميع حاجيات جميع القراء.

والغالب أن هذا النجاح في مقاومة شراهة الإنترنت يضمن استمرار فضاء يمنح متعة تلمس الكتاب وشم رائحة صفحاته. وإن كان القارئ، في جميع الأحوال، هو الرابح في هذه المعركة!

15