المكتبة البارونية في تونس محج علمي للإباضيين عبر العالم

الاثنين 2014/06/09
الرقمنة من أولويات المكتبة للاستفادة من مراجعها

جربة (تونس)- تعدّ المكتبة البارونية بالجنوب التونسي “المحجّ العلمي” لأتباع المذهب الإباضي من مختلف دول العالم، فضلا عن الباحثين في التاريخ الإسلامي ومدارسه الفكرية.

تقع المكتبة البارونية، التي تعتبر “ثروة معرفية” بما تضمّه من مخطوطات نادرة ومراجع تاريخية، قرب “الجامع الكبير” (مدرسة علمية) بمنطقة حشّان في جزيرة جربة الواقعة بالجنوب التونسي والتي ينتشر فيها أتباع المذهب الإباضي.

والإباضية هي أحد المذاهب الإسلامية المنفصلة عن السنة والشيعة، نسبة إلى عبد الله بن إباض التميمي، وتنتشر في سلطنة عُمان وشمال أفريقيا. وأصل تسمية المكتبة بـ“البارونية” هو نسبة إلى مؤسسّها الشيخ سعيد بن عيسى الباروني الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي.

ويقول المشرفون على المكتبة إن الشيخ سعيد الباروني، ولد أواخر القرن الثامن عشر، بمدينة جبل نفّوسة جنوب غرب ليبيا حيث ترعرع وحفظ القرآن قبل أن يدرس في الجامع الأزهر بمصر، ويُدرّس فيما بعد العلوم الشرعية بالمدرسة الإباضية آنذاك بالقاهرة.

كما يضيف الستيني سعيد الباروني، أحد أحفاد الشيخ والمشرف على المكتبة اليوم أن جدّه تتلمذ على يديه الآلاف من طلبة العلم بالمغرب العربي، خاصّة عندما استقرّ بجربة وبات شيخ “الجامع الكبير” منذ عام 1811 حيث توافد عليه الطلبة من تونس وليبيا والجزائر والمغرب.

مخطوطات نادرة ومراجع تميز رفوف المكتبة البارونية

بعد وفاته عام 1868، قام أبناؤه وأحفاده من العائلة البارونية (أضحت من أشهر العائلات بجربة) بجمع مخطوطاته ومؤلفاته وتأسيس المكتبة البارونية التي ضمّت فيما بعد كتبا متعدٌدة من أتباع المهذب الإباضي وباقي المذاهب الأخرى، فضلا عن المؤلفات التي أصدرها طلبته. يقول سعيد، حفيد الشيخ، إن المكتبة باتت تحتوي على 1087 مخطوطا من مختلف الأحجام وشتّى الفنون.

وتتضمن المؤلفات المتراصفة في أروقة المكتبة أثرا من مختلف العلوم الهندسية والطبيّة، واجتهادات فقهية ومجموعة من الفتاوي، إلى جانب مراجع تتعلق بتاريخ منطقة شمال أفريقيا وسكّان جربة على وجه الخصوص.

كما أنهى سعيد، مؤخرا، فهرسة المخطوطات التي تنوعت مضامينها بين تفاسير القرآن الكريم، والفقه، والمنطق، والفلسفة، والحساب، والعلوم التقنية، والطب. وقامت أفراد العائلة البارونية منذ أواخر الستينات من القرن العشرين بنقل المكتبة إلى فضاء خاصّ بجوار منزل الشيخ الباروني الذي كانت توجد فيه المكتبة.

ويُرجع سعيد اتّخاذ هذا القرار إلى اتفاق بين أفراد العائلة البارونية على نقل المكتبة إلى خارج منزل الشيخ، بهدف تمكين الوفود المستمرة من الباحثين والجامعيين من التمحّص في مخطوطات المكتبة وإنجاز بحوثهم بشكل مريح.ويزور المكتبة سنويا عشرات الوفود من الجامعيين والباحثين من مختلف دول العالم.

ويبيّن سعيد أنه “عادة ما يمضي بعض الدارسين للتاريخ الإسلامي والفقه الإباضي خاصّة من المستشرقين أيّاما طويلة في فضاء المكتبة دون انقطاع يبحثون في مخطوطاتها ومراجعها”.

ويحتوي السجّل الذهبي للمكتبة على أسماء دكاترة وجامعيين وفقهاء على غرار البروفيسور الليبي عمرو خليفة النامي الذي حاز على شهادة الدكتوراه من جامعة كامبريدج البريطانية عن موضوع “تطوّر الفكر الإباضي ودراسة نظام الولاية والبراءة عند الإباضية”.

إلى ذلك زار المكتبة وبحث في مراجعها البروفيسور عبدالله كوستاري من هولندا، الذي أنجز موضوع الدكتوراه عن العائلة البارونية بليبيا وبجربة، فضلا عن الإمام الشيخ أحمد حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، وحمودة بن سلامة، الأمين العام السابق لاتحاد الأطّباء العرب.

المكتبة قبلة للعديد من الجامعيين والباحثين من مختلف دول العالم

كما تستقبل المكتبة أسبوعيا أعدادا من المستشرقين والباحثين والمحاضرين بجامعات من الولايات المتحدة وكندا واليابان وألمانيا.

ويشرف سعيد، اليوم، بالتنسيق مع جمعية “صيانة جربة” (غير حكومية) على مشروع يتمثّل في رقمنة المكتبة بهدف “الحفاظ على مخـطوطاتها النادرة من الاندثار، فضلا عن تخصيص موقع إلكتروني لها يساعد الباحـثين في الاستفادة من مراجعها”.

وينتشر بجزيرة جربة عدد كبير من أتباع المذهب الإباضي، الذي لقي في فترة معيّنة من التاريخ الإسلامي، انتشارا واسعا في منطقة شمال أفريقيا خاصّة لدى السكّان الأمازيغيين بالمناطق الغربية بليبيا وجنوب تونس والجزائر. لكن لا توجد أي تقديرات رسمية، أو غير حكومية لعدد من يعتنقون المذهب الإباضي في تونس.

ويعتبر المذهب الإباضي من المذاهب الإسلامية القريبة من المذاهب السنيّة الأربعة، ظهر في صدر الإسلام مع أحداث الفتنة والخلاف بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن إباض التميمي.

ويعود أصل الإباضيين إلى فرقة من “الخوارج” الذين رفضوا “التحكيم”، وتنازل الإمام علي بن أبي طالب عن “الإمامة” لمعاوية بن أبي سفيان. وتنتشر الإباضية، اليوم، في سلطنة عُمان حيث يعدّ المذهب الرسمي للدولة، وينتشر أيضا في جبل نفوسة وفي زوارة في ليبيا ووادي مزاب في الجزائر وجربة في تونس وبعض المناطق في شمال أفريقيا.

20