المكتبة العائمة تعيد الحياة إلى حوض المتوسط

الثلاثاء 2016/04/19
سفينة لإثراء الأدب في حوض المتوسط

تونس- في تظاهرة فريدة من نوعها تنطلق سفينة محمّلة بالكتب بين موانئ البحر الأبيض المتوسط، فمن مدينة حلق الوادي التونسية إلى ساليرنو الإيطالية، ومن روما إلى برشلونة، ومن كاتانيا بإيطاليا إلى طنجة المغربية، ومن إزمير التركية إلى برينديزي الإيطالية، تعدّدت السبل والمرافئ، بيد أنّ المغزى والهدف واحد والمكان أيضا، إنه البحر الأبيض المتوسّط في أبهى حلله وهو ينسج أواصر الوحدة بين جميع البلدان المطلّة عليه، من خلال “المكتبة العائمة”، أو السفينة المحمّلة بالكتب.

“سفينة الكتب” مبادرة أطلقها إيطاليون في خطوة يسعون إلى تعميمها على جميع بلدان المتوسّط، وإلى جميع هؤلاء الساعين لزرع بذور الانقسام والتشتت، فكانت إجابة سيرجيو أوريكيو، المسؤول عن التحرير بالمجلة الإيطالية الشهرية “القراءة للجميع″، وهو أيضا أحد المروّجين والمنظمين لتظاهرة “سفينة الكتب”، كانت حاسمة إذ يقول “فلتعلموا أنّ الثقافة هي ما يجمعنا”.

ويفرض الحدث نفسه لأهميته ولأهمية أبعاده، فهذه السفينة العائمة المحملة بالكتب، أو هذه المكتبة العائمة ستنطلق خلال إحدى رحلاتها الرابطة بين ميناء تشيفيتافيكيا بروما وصولا إلى برشلونة الأسبانية، محملة بمسافرين غير اعتياديين، من كتاب وسينمائيين وموسيقيين وجمهور من القراء قادمين من إيطاليا اختاروا التوجه إلى أسبانيا للاحتفال باليوم العالمي للكتاب في البلد الأخير، والذي يتوافق مع الـ23 من شهر أبريل الجاري.

الرحلة البحرية ستكون فرصة لعدد من الكتاب الإيطاليين ممن جمعهم عشق الكلمات، لسرد رواياتهم واستعراض كتاباتهم وتجاربهم وتطلعاتهم وحتى أفكارهم من أجل منطقة متوسطية موحدة وآمنة. دييغو دي سيلفا، وإيمانويلا إيرسيليا عباس، والإيطالية من أصل لبناني ليلى الخليل، وأيضا الإيطاليان من أصل صومالي أوباه كريستينا وعلي فرح، وغيرهم، ممن قرروا المشاركة في هذه التظاهرة في نسختها السابعة، والتي من المنتظر أن تعقد من 20 إلى 24 من أبريل الجاري حول موضوع “الهجرة”.

ويقول أوريكيو، وهو من بين المنظمين لهذه التظاهرة، “نتطلّع إلى إثراء الأدب في حوض المتوسط، وتعزيز السلام والتضامن في مواجهة جميع الحواجز الثقافية”، ويضيف “لئن اخترنا موضوع الهجرة لمناقشته خلال رحلتنا، فلأننا على قناعة تامة بأن إدارة هذه المسألة بطريقة مناسبة من شأنها أن تجعل من المهاجرين فرصة بالنسبة إلى أوروبا وليس إشكالا”.

ويتابع بحماس “توجد جالية تونسية في إيطاليا، تماما كما توجد جالية إيطالية في تونس، والتكامل الثقافي والاجتماعي في اعتقادي يشكل أفضل رد على الصراعات، ونحن نخطط لتنظيم رحلة لسفينة الكتب، تتوقف في مختلف دول الحوض المتوسطي لاستقبال الكتاب والقراء في تلك الأنحاء، وسيكون ذلك بمثابة الرد الشافي على هؤلاء الساعين إلى الانقسام، والتذكير بمكانة الثقافة، لأن أولئك الذين يعشقون ثقافة شعب وكتبه ومطبخه لا يسعهم أبدا أن يصبحوا أعداء له”.

وخلص أوريكيو إلى أنّ “سفينة الكتب” تشكّل جسرا بين الثقافات، دون إغفال حقيقة أن أولئك الذين تمكّنوا من عبور المتوسط منذ قرون، وغيرهم من المثقفين، استطاعوا وبشكل قاطع، تغيير ملامح هذه المنطقة، بينهم قسطنطين الأفريقي (نحو 1015-1087)، هذا الطبيب المستعرب المولود في قرطاجة أو القيروان بتونس، والذي غادرها على متن سفينة محملة بالمؤلفات العلمية العربية والمأخوذة من جامعة الزيتونة بتونس، متوجها نحو ساليرنو جنوب إيطاليا. وبوصوله إلى مدينة “كامبانيا” الساحلية على بعد حوالي 50 كم من نابولي، اعتزل في الدير البنديكتي بمونت كاسينو غير بعيد عن ساليرنو، حيث قام بترجمة أكثر من 10 من المؤلفات العربية، وخاصة الطبية منها، إضافة إلى بعض المؤلفات اليونانية.

وتعتبر نصوص قسطنطين المترجمة من الأسس التي تستند عليها “المدرسة الطبية الساليرنية”، أوّل جامعة قروسطية على الساحل الإيطالي الجنوبي في ساليرنو، بل إن معاصري القرن الحادي عشر، الحقبة التي تأسست فيها هذه الجامعة، كانوا يعتقدون أن تلك الترجمات كانت من تأليف قسطنطين (يقال أيضا إن الأخير نسبها إلى نفسه)، لما كان لها من تأثير على مجال الطب بشكل عام، وهذا التأثير لا يزال ساريا حتى اليوم، بحسب جاكلين بروسوليت في مقالها بعنوان “قسطنطين الأفريقي 1015-1087”، الصادر بالموسوعة العالمية لعام 2015.
15