المكتبي

السبت 2016/08/06

بالرغم من حداثة تبلور علم المكتبات، استطاع واضعو أسسه الكبرى تحقيقَ تراكم مكن من تدارك تأخر ظهوره إلى نهاية القرن التاسع عشر. وتُجمع الأدبيات المتعقلة بالمجال على ثلاثة أسماء تُعتبر واضعةَ أسس هذا العلم. ويتعلق الأمر بالأميركي ميلفيل ديوي، صاحب التصنيف العشري الشهير، والبلجيكي بول أوطليلت، واضع التصنيف العشري العالمي، ثم بالباحث الهندي شيليا رمامريتا رانغنَتان.

إسهامُ رانغنَتان كان مختلفا، حيث منح لعلم المكتبات توجها مغايرا، يحمل الكثير من عمق الثقافة الهندية وتقاليدها العريقة. كما كان ذلك أيضا مدينا لمسار رانغنَتان العلمي والمهني الحافل بتراكماته وبتجاربه المتعددة. فقد استطاع الرجل، القادم من تدريس علوم الرياضيات بجامعة مَدْراس، فور تعيينه سنة 1929، على رأس مكتبة الجامعة، وكان حينها في بداية الثلاثينات من عمره، أن يمنح للمكتبات الهندية وضعا قد يبدو متقدما على وضع المكتبات ببقية دول العالم. ففي بداية الأربعينات من القرن الماضي، كان رانغنَتان وراء تأسيس شبكة للمكتبات الهندية، تمكن من التعاون بينها وتيسير تبادل خدماتها، وهو الأمر الذي سيتم تحقيقه سنوات بعد ذلك على مستوى دول أخرى، كانت تعرف تراكما على مستوى اشتغال المكتبات، كما هو الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

زاوج رانغنَتان عمله التقني بالجانب التنظيري، مستفيدا من تكوينه في مجال الرياضيات، حيث أصدر، سنة بعد التحاقه بالعمل المكتبي، مؤلفَه الأول “القوانين الخمسة لعلم المكتبات”، تم لحقته أعمال أخرى، من بينها مؤلفاته حول الفهرسة بشكل أساسي.

غير أن ما سيُدخل أعمال رانغنَتان العالمية هو تصنيفه الجديد المعروف بالكُولون، الذي بلوره بهدف تجاوز حدود التصنيف العشري لديوي، وغيره من التصانيف الكلاسيكية التي تعتمد بنيات هرمية لا تمكن من توضيح انتماء موضوع كتاب أو وثيقة ما إلى أكثر من مجال معرفي. سعيُ رانغنَتان إلى اقتراح منجزه الجديد يعود إلى وعيه بأهمية التصنيف، حيث كان يعتبره أرفع عمليات العقل البشري.

ولذلك، وبخلاف التصانيف الأخرى، التي قد تبدو روتينية وتقنية، اقترح رانغنَتان تصنيفا يقوم على التحليل المبدع، حيث يتم في إطاره تمثلُ مواضيع الكتب والوثائق عبر المعايير الخمسة المتجلية في الشخصية والمادة والطاقة والمكان والزمن. وإذا كان تصنيف رانغنَتان لم يُعتمد في الكثير من مكتبات العالم، نظرا لتعقده ولاقتضائه معرفة عميقة بفلسفة العلوم، فإنه، وبشكل مفارق لذلك، يُعتبر الأكثر استعمالا على مستوى فهارس الكتب الإلكترونية المتاحة على الويب.

رانغنَتان سيُعرف أيضا بقوانينه الخمسة التي تحمل اسمه، وهي الكتب للاستخدام، لكل قارئ كتاب، لكل كتاب قارئ، توفير الوقت للقارئ، والمكتبة كائن حي ينمو. إنها القوانين التي تقود إلى الآن المكتبيين. هؤلاء الذين يقضون أعمارهم بين الكتب ورفوفها من أجل خدمة القارئ.

كاتب من المغرب

17