"المكشاح" هوكي الطوارق على كثبان الصحراء المغربية

السبت 2014/04/19
مسابقات رياضية تحيي موروث الذاكرة الشعبية

محاميد الغزلان (المغرب)- عشرة شباب بزي صحراوي يقفون متواجهين ضمن فريقين، في أياديهم عصي، آخر كل طرف من أطرافها معقوف، كأنها عكاكيز مقلوبة، يحيّون الجمهور الذي جاء ليشاهد مباراة فريدة من لعبة شعبية قادمة من تاريخ سحيق للبدو الرحّل بالصحراء الشرقية للمغرب وهي “المكشاح”.

سرعان ما أعلن الحكم ذو اللباس الأزرق المميز للطوارق في الصحراء عن انطلاق التنافس، لتبدأ عصي المتبارين في تقاذف كرة من الصوف، حيث يحاول كل فريق أن يسجّل نقاطا عبر دفع الكرة إلى ما وراء خط الفريق المنافس.

وبغض النظر عن اللباس التقليدي والعصي الطبيعية واللعب على أرض عارية (الرمال)، فإن “المكشاح” تذكرك بلعبة “الهوكي” التي لا تختلف عنها إلا في كونها لعبة حميمية لا وجود للعنف فيها، إلا ما كان على سبيل حادثة بسيطة سرعان ما تنسى في خضم المنافسة بين الفريقين. ولا يوجد لمباريات “المكشاح” وقت محدد مثل الهوكي، وتتوقف مدتها باتفاق الفريقين المتنافسين.

ولعبة “المكشاح” المعروفة كذلك باسم “الهوكي نوماد” (أو الهوكي البدوي)، هي إحدى الألعاب الشعبية الممارسة من قبل القبائل الرحل بمنطقة محاميد الغزلان (أقصى الجنوب الشرقي للمغرب)، وهي جزء من التراث غير المادي الذي يحاول أبناء المنطقة إبقاءه على قيد الحياة، عبر المهرجان الدولي للبدو الرحّل، والذي تنظمه جمعية “رُحّل المغرب” سنويًا منذ 11 عاما، وهي جمعية مستقلة تسعى، حسب القائمين عليها، إلى التعريف بثقافة آيلة إلى الاندثار وتشجيع البحث العلمي والفاعلين المهتمين بالترحال.

في الذاكرة الشعبية المغربية نماذج كثيرة من الألعاب التي طواها النسيان

هذه اللعبة وغيرها من الألعاب الشعبية كانت في طي النسيان، لكن القائمين على المهرجان قرروا إحياءها، ليستكشف الجمهور جماليتها ويعيش جزءا من التراث غير المادي لقبائل الرحل.

وعند افتتاح المهرجان في دورته الحادية عشرة، منتصف شهر مارس الماضي، عرضت أمام الجمهور لعبة مماثلة للعبة “المكشاح” لكنها قادمة من بقعة أخرى من خارطة المملكة المغربية، هي منطقة زعير (شمال)، وتعرف هناك باسم لعبة “الشيرَّا”.

تشابه يشي بأن هناك في العمق علاقة تبادل وروابط اتصال بين مكونات المجتمع المغربي قديما، وفي الذاكرة الشعبية نماذج كثيرة من الألعاب والرياضات الشعبية التي طواها النسيان.

الاهتمام بمثل هذا الموروث كان دافعا أساسيا لتضمينه في فقرات المهرجان الدولي للبدو الرحل، كما يقول مدير المهرجان، نور الدين بوكراب الذي أوضح أن “المهرجان حاول ما أمكن أن يحتفي بألعاب الرحل، مثل “المكشاح” و”الشيرَّا” وما يوازيهما من ألعاب في مناطق أخرى متأصلة في ثقافة البدو الرحل أيضا، ونحن فخورون بهذه المساهمة البسيطة لإخراج هذه الثقافة إلى حيز الوجود”.

وبعيدا عن الاهتمام الأهلي بالمورث الشعبي من الألعاب ومنها “المكشاح” و”الشيرَّا”، تبذل الحكومة المغربية جهودا لإحياء هذا الموروث من الألعاب سواء عبر مهرجانات خاصة أو تضمينها في المسابقات الرياضية المحلية.

وحول ذلك، قال محمد بوكاري، المكلف بلمف الألعاب والرياضات التقليدية (الشعبية) بوزارة الشباب والرياضة، إن وزارته أعدت استراتيجية تهدف إلى جمع وتصنيف الألعاب والرياضات الشعبية، ثم عرضها على الجمهور عبر مهرجان خاص بها يتم عقده مرة كل سنة بمدينة إفران (شمال)، وهو “مهرجان الألعاب والرياضات التقليدية”. وعقدت الدورة الأولى من هذا المهرجان في عام 2012 والثانية في أغسطس 2013، فيما ستعقد الثالثة في أغسطس المقبل.

ألعاب تميز عادات الرحل وتقاليدهم الآيلة إلى الاندثار

بدوره، اعتبر بوكراب أن استراتيجية وزارة الشباب والرياضة فرصة لإبراز جزء من ثقافة آيلة إلى الضياع، وقال: “هذه الاستراتيجية فرصة لتبادل التجارب والتوعية أكثر بضرورة الاهتمام بهذا التراث غير المادي الذي يسير فعلا نحو الاضمحلال”. وتابع: “إضافة إلى الجهد الذي نقوم به عبر مهرجاننا، نسعى إلى خلق شراكة مع الوزارة لتوثيق ألعابنا الشعبية وإخراجها إلى الجمهور”.

ومن المؤشرات المهمة التي التقطها القائمون على الاستراتيجية الوزارية، حجم الإقبال على المشاركة في مهرجان الألعاب والرياضات التقليدية، فإلى حدود الدورة الثانية سنة 2013، وصل عدد المشاركين إلى 300 مشارك من كل جهات المملكة المغربية.

وتسعى وزارة الرياضة، حسب بوكاري، إلى تضمين هذه الرياضات والألعاب في منافسات الاتحادات الرياضية المحلية.

وقال في هذا السياق: “جامعة المصارعة والهوكي ورمي النبال ستشارك معنا هذا العام في مهرجان الألعاب والرياضات التقليدية (الذي سيقام في أغسطس المقبل)، من خلال العروض، وهي مستعدة لاحتضان هذه الرياضات، لكننا نسعى إلى الانفتاح على جامعات (اتحادات) رياضية أخرى”.

وأضاف: “الهوكي والمصارعة والرماية وركوب الخيل هي أشكال نموذجية من الألعاب والرياضات الشعبية التي يعرفها المغرب، لكن المزيد من البحث والتشجيع كفيل بإعادة إحياء عدد من هذه الموروثات التي تواجه اليوم خطر الانقراض، أمام جيل جديد من الألعاب الإلكترونية”.

20