المكون العسكري يستقوي بأذرعه للضغط على الحكومة السودانية

وسائل تحصين التحول الديمقراطي وحماية الفترة الانتقالية في مهب الريح.
الخميس 2021/09/23
فرصة مناسبة للعودة

أخرجت عملية الانقلاب الفاشلة في السودان الصراع بين أركان السلطة العسكرية والمدنية إلى العلن، حيث يحمّل المكون العسكري الحكومة مسؤولية تدهور الأوضاع، في حين ترى أوساط أن هذه الاتهامات تهدف بالأساس إلى استعادة الجيش للسلطة.

الخرطوم- تخلى المكون العسكري في السلطة الانتقالية بالسودان عن رسائله المواربة التي درج على توصيلها في كل أزمة تواجه البلاد، وشنت قيادات رفيعة الأربعاء هجوما مباشرا على شريكها المكون المدني وجرى تحميله جزءا كبيرا من التردي الحاصل في البلاد، بسبب ما يوصف بـ”الصراع على المناصب والكراسي”.

واستثمر مجلس السيادة محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي أحبطها الجيش الثلاثاء في توجيه لوم واضح وانتقادات حادة للحكومة والقوى والأحزاب السياسية المختلفة، والتلويح بأن الأذرع الأمنية المختلفة هي التي تحمي السودان.

ووضع المجلس على عاتق السياسيين مسؤولية الأزمات الحياتية التي يمر بها السودان، مستفيدا من أن الجيش تصدى للمحاولة الانقلابية وأفشل مخططا للاستيلاء على السلطة، لنفي أي شبهات تحيط به.

وقال رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان في كلمة ألقاها أمام حفل تخريج دفعة عسكرية في أم درمان الأربعاء، إن شعارات الثورة ضاعت بين الصراع على المناصب “ولا توجد حكومة منتخبة ونحن أوصياء على الحفاظ على أمن الوطن.. نحن أوصياء رغم أنف الجميع على وحدة وأمن السودان”.

إيمان عثمان: الأزمة نتيجة مباشرة لمساعي العسكريين للسيطرة على السلطة

وبدت اللهجة الصارمة في خطاب البرهان انعكاسا لجملة من الاتهامات التي وجهت للمؤسسة العسكرية، بسبب ما تردد حول إخفاقها في تصفية الجيوب الأمنية المحسوبة على نظام الرئيس عمر البشير، بما لا يخلو من وجود تواطؤ من البعض مع الفلول.

وأُعلن رسميا أن منفذي محاولة الانقلاب مجموعة من الجيش تنتمي إلى سلاح المدرعات وتابعة للنظام البائد، وجرى القبض على عدد كبير منهم، ضمن مخطط أراد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وأشار البرهان إلى أن القوات المسلحة “تركت العمل التنفيذي للسياسيين ولكن المسألة انحرفت عن مسارها الصحيح”، ما يعني أن الخلافات التي تجذرت داخل الحكومة وظهيرها السياسي الممثل في قوى الحرية والتغيير، السبب الرئيسي في الأزمات.

ورأى القيادي في تحالف الحرية والتغيير نورالدين صلاح الدين أن تصريحات البرهان “غير موفقة في هذا الوقت ولا تخدم روح الشراكة مع الحكومة، لأن التباين يناقش في الاجتماعات والغرف المغلقة وليس في الهواء الطلق”.

وأشارفي تصريح خاص لـ”العرب” إلى وجود التزامات نصت عليها الوثيقة الدستورية، وإخلال أي طرف بها سيكون وبالا على الجميع وعلى مستقبل السودان الذي بحاجة إلى اصطفاف الكل على ما توافقوا عليه من إسدال الستار على مرحلة الشمولية، والانطلاق نحو بناء دولة ديمقراطية تلتزم فيها مؤسسات الدولة بواجبها الدستوري.

وهناك اعتقاد داخل الجيش السوداني بأن القوى السياسية تتجاهل معاناة الشارع وتركز جهودها على الإساءة للعسكريين وتصويب السهام إليهم لإخراجهم تماما من معادلة السلطة مستقبلا، مع أن قادة الجيش على حد قول البرهان “يؤمنون بالتحول الديمقراطي وضرورة نجاح الفترة الانتقالية ولا يطمعون في السلطة”.

وتظل إشكالية الطمع في السلطة من قبل المؤسسة العسكرية الهاجس الذي يخيم على القوى المدنية، التي تحاول الحصول على ضمانات من الجيش، وتحرض بعض القوى في المجتمع الدولي لمنع سيناريو الاستيلاء على الحكم بالأمر الواقع.

وفي ظل حالة فقدان الثقة واللا يقين وعدم الاستقرار والانفلاتات في أقاليم عدة، يتفوق الجيش ويكتسب ذريعة سياسية أقوى لزيادة صلاحياته، حيث يرى عسكريون أن المدنيين يريدون السلطة بأي ثمن ولو على حساب التضحية بالسودان.

نورالدين صلاح الدين: تصريحات البرهان غير موفقة ولا تخدم روح الشراكة مع الحكومة

وكشف خطاب رئيس مجلس السيادة غداة محاولة الانقلاب الفاشلة عن الكثير من الخيبات من أداء الحكومة، ملمحا إلى أنه تحمل الكثير في سبيل عدم حدوث انشقاق داخل السلطة، ولافتا إلى أن القوات المسلحة قبلت مبادرة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك (خاصة بالتلاحم الوطني) رغم إقصاء المبادرة للمكون العسكري، قائلا “لم تتم دعوتنا للمبادرة رغم أننا شركاء في المرحلة الانتقالية”.

ويقول مراقبون إن هناك احتقانا كبيرا بدأ يخرج إلى العلن وربما ينفجر، بما يوحي بأن الكيل قد فاض بالمكونين، وما لم يتم التوافق سريعا والعودة إلى نصوص الوثيقة الدستورية لن تستطيع السلطة الانتقالية الاستمرار وسط الألغام التي يضعها كل طرف للآخر.

ويشير المراقبون إلى أن كل جانب لديه من أدوات القوة التي تمكنه من مضايقة الآخر، ولذلك فلعبة عض الأصابع التي تمارس الآن يتحمل نتيجتها السودان، لأن جس النبض له حدود، وما جرى الآن تصاعد بصورة خطيرة ما يشي بصدام على وشك الحدوث.

وبدا التناغم واضحا بين البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو لقطع الطريق على من يحاولون خلق فتنة بين القائدين، حيث جاء خطاب دقلو في اليوم نفسه منسجما في الكثير من أهدافه مع البرهان من زاوية تحميل السياسيين مسؤولية الانقلابات العسكرية.

وقال دقلو في كلمة خلال حفل تخريج قوات عسكرية بالخرطوم “أرى أن السبب في تكرار محاولات الانقلاب هو السياسيون الذين أعطوا الفرصة لقيام الانقلابات”، باعتبارهم أهملوا المواطن وخدماته الأساسية وانشغلوا بالصراع على الكراسي والمناصب، ما خلق حالة من عدم الرضا والتململ وسط الشعب.

وأراد قائد قوات الدعم السريع من وراء هذه الرسائل رمي الكرة في ملعب الشارع الذي يعاني من مشكلات مزمنة لم تستطع الحكومة تفكيكها حتى الآن، وتتفرغ لمناوشاتها مع المؤسسة العسكرية للهروب من عملية تخفيف الأعباء على المواطنين.

وأكدت المحللة السياسية إيمان عثمان أن الأزمة الحالية نتيجة مباشرة لمساعي العسكريين للسيطرة على السلطة ورغبتهم في تحصين نفوذهم، ما تسبب في عرقلة تنفيذ العديد من الاستحقاقات، والمحاولة الانقلابية وتصريحات البرهان ودقلو “بالونة اختبار لمدى قدرة المكون العسكري على المضي في طريق السيطرة على السلطة”.

المجلس وضع على عاتق السياسيين مسؤولية الأزمات الحياتية التي يمر بها السودان، مستفيدا من أن الجيش تصدى للمحاولة الانقلابية وأفشل مخططا للاستيلاء على السلطة

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن الجيش لديه أزمة ثقة مع الشارع ولم يتعامل بالقدر الإيجابي مع الشرعية الثورية التي حصل عليها، كذلك الوضع بالنسبة للقوى المدنية التي تتحمل مسؤولية اتساع الشرخ بين مكونات المرحلة الانتقالية، وأن المواطنين هم الجهة الوحيدة القادرة على حسم الصراع بين المكونين العسكري والمدني.

وأوضحت أن وعي الشارع بطبيعة ما يحدث وقناعة قطاعات واسعة بأن المحاولة الانقلابية “المزعومة” أداة ضمن أدوات الصراع بين الجانبين، من أهم العوامل التي تشي بأن هناك إمكانية لنزول الناس إلى الشارع مرة أخرى لتصحيح المسار الراهن.

7