المكي مغارة رسام تسبقه أندلسه إلينا

الأحد 2016/08/21
المكي مغارة معلم الرسم الذي أخطأ طريقه إلى الحداثة

لندن - أيُلام رسام على شهرته التي تهبط عليه من مكان بعيد، نوعا ما عن الفن؟ أما أن تكون رسوم ذلك الرسام المرتبطة بذلك المكان أكثر شهرة منه، فتلك مشكلة لا يلتفت إليها أحد. رسوم المغربي المكي مغارة هي من ذلك النوع. إنها كانت قيد التداول والاستعمال العامّين من غير أن يستذكر أحد اسم رسّامها إلا فيما ندر.

قد يحملها المرء معه من غير أن يتأملها فهي تزيّن قطع النقود التي صممها مغارة، لتكون أشبه بالذكرى، يحتفظ المرء بها كما لو أنه يحتفظ بقطعة فنية وهي كذلك. غير أنها لا تفارق وظيفتها الواقعية وإن ارتفعت بها الرسوم قليلا عن الاستعمال اليومي.

هل الرسام محظوظ باختفائه وراء رسوم قد لا يتساءل أحد عن شخصية مبدعها؟

لغز الجمال

كان المكي محظوظا إذ تسلل أثر منه إلى خزائن أبناء شعبه وقد تذهب تلك القطع إلى المتحف. غير أن ذلك لم يكن إلا الجزء العملي المباشر من سيرة ابن تطوان الفنية المكتظة بالإنجازات بين المغرب وأسبانيا، ذهابا وإيابا.

ترى رسومه فتشعر أن جناحيه تحلقان بك في سماء المغرب. ذلك البلد الذي يمتاز بتنوعه الجغرافي وعمقه التاريخي. وهو ما لا تخطئه العين منذ النظرة الأولى. المغرب يقع في كل سنتيمتر من أرضه وفي كل لحظة من زمانه. لا يشبه بلدا آخر وما من مدينة من مدنه تشبه مدينة أخرى.

مغارة وهو ابن المدينة البيضاء هو وريث الأندلسيين المحمّلين بالحنين والوجع. وهو ما دفعه إلى أن يجعل من الممارسة الفنية فعل تدوين خطي ولوني، ينقل من خلاله انطباعاته أثناء تجواله بين المدن والأرياف المغربية، في محاولة منه لتخليد ذلك التقاطع الفذّ بين الجغرافيا بتنوع صورها والتاريخ بطبقاته المتداخلة.

يمكن لرسومه أن تكون مصدر إلهام للجغرافيين والمؤرخين، غير أن تأثيرها الحقيقي يكمن في إيحائها البصري حين تقتفي أثر الجمال المغربي في كل شيء، وهو ما لا يمكن أن يوصف بيسر، ذلك لأن جزءا من لغز ذلك البلد العريق يظل ملتصقا به.

رسوم حياة أكثر من أن تكون رسوم هوية

الأشياء والعواطف

ولد المكي مغارة عام 1933 في تطوان (شمال المغرب) وتوفي فيها عام 2009. مبكرا تعرف على الرسم ومارسه، وحين بلغ سن السادسة عشرة من عمره كان مستعدا لإقامة معرضه الشخصي الأول. عام 1952 التحق بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، وهي المدرسة التي أسسها معلمه مريانو بيرتوشي، الرجل الذي قام بتعليم الرسم لعدد من الرسامين المغاربة الذين أصبحوا في ما بعد روادا للحداثة الفنية. عام 1955 انتقل إلى إشبيلية لمتابعة دراسته الفنية في المدرسة العليا للفنون الجميلة “سنتا إسبيل دو أنكريه” وبعد أربع سنوات انتقل إلى العاصمة الأسبانية مدريد ليُتمّ دراسته في المدرسة العليا للفنون الجميلة “سان فرناندو”.

كان بين الحين والآخر يذهب إلى باريس وبروكسل من أجل التعلم في محترفات الرسامين. ولأنه كان مولعا برسم المناظر الطبيعية فقد أحرز الجائزة الأولى في مسابقة أجريت في ذلك المجال عام 1958 في مدينة بأوبليا الأسبانية.

أنهى دراسته ليعود إلى مدينته في المغرب مدرّسا في مدرسة الفنون التي تخرّج فيها، وهو ما أهّله للعب دور مهم في تعليم أصول الرسم لعدد من الطلاب الذين أصبحوا في ما بعد رموزا للتحول الفني.

كان المكي من المؤسسين لاتحاد الفنانين العرب في بغداد عام 1973. وهو من دعاة بناء مشهد فني موحّد، تتفاعل من خلاله إنجازات الفنانين العرب من أجل صنع هوية، قوامها تراث فني شعبي، لا يزال قيد التداول ومتابعة متفحصة لما يشهده العالم من تحولات فنية. كانت تلك المزاوجة بين ما هو محلي وبين ما هو عالمي هي محور البحث الفني الذي انشغل به مغارة، من غير أن تفارق عيناه الطبيعة والبيئة المغربيتين. كان رساما مغربيا بطريقة نظره إلى الأشياء. يضعها حيث هي، وبما تثيره من عاطفة لدى الناس العاديين.

رسوم تغص بالألم الأندلسي

لو نظرنا إلى تجاربه في الفن الحديث، حيث حاول المكي مغارة أن يكون رمزيا وتعبيريا فإن تلك التجارب لن تكون ذات معنى في سياق ما شهده الرسم الحديث في المغرب من تحولات، ولكن أهمية مغارة لا تكمن في تلك التجارب.

كانت لديه مادة طبيعية يمثل البحر والجبل طرفاها، وما بينهما كانت المدينة بمعمارها المستعار وإن بتبسيط وفقر من المدن الأندلسية. كانت أندلسه الصغيرة التي هي مدينته تطوان، لا تتألف من دروبها وأزقتها الضيقة وحاراتها المغلقة وأبواب بيوتها المنقوشة بالزخارف فحسب بل وأيضا من رغبة عميقة في البوح العاطفي بأسرار لا تزال تملأ صدور أحفاد النازحين المهزومين.

ليست المدينة هي ما يرسم، بل عاطفة أهلها التي تصنع فضاء آخر، هو المكان الأمثل للتحليق بقوى شعرية. أنت ترى رسومه فتمتلئ روحك صمتا. هناك نوع من الخشوع للذكرى. لا يلتفت الرسام إلى الماضي، غير أن عاطفة ذلك الماضي تظل حاضرة بأناقة معانيها. هناك شيء ما لا يُرسم، غير أنه يضربنا مثل هواء تلويحة وداع.

المكي مغارة هو ابن المغرب، بجبله وبحره. وهو ما أبدع في رسمه، غير أن تطوان، المدينة البيضاء المغلقة على نفسها مثل قوقعة كانت دائما بالنسبة إليه هي الزهرة التي تهب المغرب معنى العطر. ولأن تطوان هي مدينة أندلسية، بناسها ومعمارها وشوق أهلها وحنينهم وأسئلتهم ووجعهم وانتظارهم، فقد كانت رسوم ابنها تغص بالألم الأندلسي.

رسوم مغارة تمتلئ روحك صمتا
هناك شيء في رسوم مغارة يذكّر بما حفل به الشعر العربي من بكاء على الأطلال. ذلك الشيء لا يقوله المكي صارخا، بقدر ما يصلنا همسا. وهو ما يؤكد أندلسيته برفعة أدائها الذي يفصح عن تحضرها.

هوية الرسام في صدقه

يمكننا النظر إلى المكي مغارة باعتباره معلما في مرحلة مهمة من مراحل تطور الرسم الحديث في المغرب. ولست هنا في مجال تسويقه فنانا محدثا، فهو لا يحتاج إلى ذلك، بعد أن اتخذ موقفا متشددا من المدارس الفنية الأوروبية الحديثة.

من الغريب فعلا أن يشكل “الفن المستورد” عقدة في حياته وهو الذي تعلّم الرسم في أسبانيا. مكانته معلما في مدرسة تطوان الفنية لا يرقى إليها الشك، غير أن مكانته الفنية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى شهرته. لقد صنع الرجل تلك الشهرة وأخلص لها غير أن ما تركه من أعمال فنية سيكون دائما موضع سؤال. فلا يكفي أن تكون تراثيا لكي تكون أصيلا. ولا يكفي أن ترسم جبال المغرب وبحرها لكي تكون مغربيا.

ولأن الفلكلور ليس هوية في الرسم الحديث فقد أخطأ المكي مغارة طريقه. غير أن مغارة لم يخطئ طريقه تماما. كان لديه ما يقوله عن عاطفة لا تزال سائلة. هي العاطفة التي عبّر عنها من خلال رسومه عن حياة الناس العاديين في تطوان.

حضور تطوان نفسها كان بمثابة جرس يشير بدقاته إلى المغتربين. كانت تلك الرسوم رسوم حياة أكثر من أن تكون رسوم هوية. شيء من ذلك المعنى يمكنه أن يبقي مغارة في تاريخ الرسم المربي الحديث رساما أصيلا. درس المكي مغارة الفني لا يمكن النظر إليه إلا من خلال العاطفة.

10