الملاذات الضريبية: نعمة لأثرياء العالم ونقمة على الدول النامية

الاثنين 2015/09/21
بنما بالوعة غسيل الأموال في العالم

لندن- لطالما اعتبرت كلمة “الأوف شور”، أو الملاذات الضريبية، حكرا على الجزر القريبة من النفوذ الأوروبي مثل جزر البهاما وجرسي والكايمان، التي كانت جزءا من مستعمرات سابقة، ومازالت مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى. وعلى الرغم من أنّ تلك الأماكن تعدّ ملاذات آمنة لإيداع أموال الأثرياء أو تلك الناتجة عن الفساد والجريمة المنظمة، حيث تضمن سرية المودِعين، ولا تكاد تُخضع أموالهم لضرائب تُذكَر، إلاّ أنّ الواقع يؤكد أنّ تلك الملاذات نفسها لم تعد مقصورة على تلك الجزر، بل أضحت موجودة في قلب العواصم الكبرى، مما أنتج خارطة عالمية معقدة لتلك المعاملات يصعب فكّ شفراتها، وفق دراسة للباحث أيمن حسونة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة.

وقد بدأ الأوف شور عمله الجدي أثناء الحرب العالمية الأولى حينما زادت الحكومات الضرائب بنسب كبيرة لتغطية نفقات الحرب. وبعدها سَنَّت سويسرا عام 1934 قانون السرية الشهير الذي جعل من انتهاك السرية المصرفية جريمة جنائية.

ويُطلق على الأوف شور عدة ألقاب تكشف عن مستويات عدة لتعريفه، تختلف باختلاف استخدامها، فهي جزر النعيم الضريبي، أو السياحة الضريبية، من حيث قدرتها على إخفاء الأموال عن الضرائب، كما أنها الفردوس المالي للأثرياء باعتبارها ليست أماكن لتهريب الأموال أو الحماية من الضرائب فحسب، بل هي مشروع للأثرياء لمساعدتهم على استلاب الميزات من المجتمع دون أن يدفعوا ثمنها، بل ويتعدى الأمر الجانب الاقتصادي إلى الشق السياسي، حيث يراها مفكرون غربيون “شكلا حديثًا من الاستعمار”.

ويتمحور بيزنس الأوف شور حول التلاعب الزائف بمسار التعاملات الورقية للأموال عبر الحدود، وتتراوح الخدمات بين ما هو مشروع قانونيّا وما هو محظور مثل تجنب الضرائب والإيداعات الزائفة والتلاعب غير القانوني في الفواتير، وذلك تحت مسميات خادعة مثل الحلول الضريبية، وحماية الأصول، وهيكلة الشركات.

ويضم العالم أكثر من 80 منطقة أوف شور، تمثل النعيم الضريبي للأثرياء، مقسمة إلى 4 مجموعات؛ الأولى منطقة الملاذات الأوروبية، والثانية منطقة الملاذات البريطانية، والثالثة المنطقة الأميركية، والرابعة أماكن هامشية غير مصنفة مثل الصومال وأروغواي.

وتضمّ المنطقة الأولى كلاّ من سويسرا ولوكسمبورغ بالإضافة إلى هولندا والنمسا وبلجيكا، والدول الماكرو أوروبية مثل موناكو، وليشتنشتاين، وجزر ماديرا البرتغالية.

الأوف شور بدأ عمله الجدي أثناء الحرب العالمية الأولى حينما زادت الحكومات الضرائب بنسب كبيرة لتغطية نفقات الحرب

أما المنطقة الثانية، فتضم أكثر من ثلث أموال الأوف شور في العالم، وتشمل جرسي، وجورنزي، وآيل أوف مان، وكلها جزر تابعة للتاج البريطاني، إلى جانب المناطق الواقعة عبر البحار.

أمّا المنطقة الثالثة وهي الأوف شور الأميركي، وله 3 مستويات؛ الأول البنوك التي تقبل بشكل قانوني عائدات لبعض الجرائم مثل التعامل في الأملاك المسروقة طالما أن تلك الجرائم تم ارتكابها في الخارج. والمستوى الثاني بنوك الأقليات اللاتينية. والمستوى الثالث الجزر التابعة لأميركا مثل مارشال، والتي تُعتبر مكانا رئيسيّا لتسجيل السفن بالخارج، وكذلك بنما التي تُعتبر بالوعة غسيل الأموال في العالم.

أما المنطقة الرابعة فهي دول مثل أوروغواي والصومال والغابون، وهي لا تصنف ضمن المحاور السابقة، ولكنها تلعب دورا كبيرا في تسهيل عمل الأوف شور. وهناك مجموعة من الأرقام التي تكشف الآفاق اللامحدودة لهذا العالم السري، فقد قدرت شبكة العدالة الضريبية حجم الثروات النازحة إلى 80 منطقة أوف شور بنحو 32 تريليون دولار، وبالتالي فالأموال المستحقة ضريبيًّا على تلك الثروة تُشكل ضعف المبلغ المطلوب للقضاء نهائيّا على الفقر.

فيما قدر تقرير التجارة والتنمية لعام 2014، بأن إجمالي خسائر الدول النامية بسبب التهرب الضريبي والتدفقات المالية غير المشروعة خارج تلك البلدان يتراوح بين 66 مليار دولار و84 مليار دولار سنويّا. وذكر التقرير أن ما يتراوح بين 8 بالمئة و15 بالمئة من صافي الثروة المالية للدول النامية يتم الاحتفاظ به في دول الملاذ الضريبي.

وجراء تلك الأساليب الخفية والملتوية تخسر البلدان النامية 160 مليار دولار سنويّا، فقد وجدت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن أكبر 3 شركات موز في العالم، والتي يُقدر حجم أنشطتها في بريطانيا وحدها بـ 750 مليون دولار، لم تدفع مجتمعة ضرائب سوى 235 ألف دولار.

ويُخفي أثرياء العالم أكثر من 11.5 تريليون دولار في الملاذات الآمنة، ومن أشهر الوجوه التي تستخدم الأوف شور رئيس كوريا الشمالية كيم يونج-إيل، الذي أشارت تقارير من كوريا الجنوبية أنه خبأ 4 مليارات دولار في أوروبا من مبيعات التكنولوجيا النووية والمخدرات والاحتيالات التأمينية.

كما تفيد تقارير بأنّ عددا من رجال الأعمال في المنطقة العربية وخاصة في مصر، يلجأون إلى ظاهرة الاستثمار السري الدائري، وهناك اتهامات للعديد من رجال الأعمال المقربين من نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وجماعة الإخوان المسلمين، باتباع أساليب الأوف شور، وإخفاء أموالهم.

7