الملاذ الآمن للاجئين في خطر بعد التهديدات الإيطالية

الاثنين 2017/07/10
خوف مشبع برائحة مياه البحر

روما - بعد أقل من يوم واحد من الإبحار في البحر الأبيض المتوسط من جنوب صقلية، تحولت فجأة الصور المألوفة جدا عن حياة وموت اللاجئين خلال رحلات عبور البحر، إلى حقيقة مروعة.

يبدو في الأفق زورق مطاطي مكتظ بركاب تظهر على وجوههم علامات الشعور بالرعب والخوف، لا يرتدون سترات نجاة، خوفهم مسموع من صراخهم. إنه خوف مشبع برائحة مياه البحر والبول والعرق والبنزين، ويصور أزمة اللاجئين المستمرة بصورة محزنة، التي لا تزال بعيدة عن إدراك معظم سكان أوروبا.

ولكن هذا هو الواقع اليومي الذي تواجهه منظمتا "أطباء بلا حدود" و"إس. أو. إس. ميديتيراني" الإغاثيتين. وبالنسبة لهما هؤلاء الأفراد ليسوا مجرد أعداد، وإنما يمثلون قصصا لا حصر لها من الآلم الظروف التي يعانون منها، والأمل في حياة أفضل.

وباستخدام سفينة "أكواريوس" التي كانت تستخدم فى الصيد من قبل، تقوم المنظمات غير الحكومية بإنقاذ هؤلاء الأشخاص من محنتهم في البحر المتوسط، بعد تلقيها بلاغا من مركز المراقبة الموجود في الخدمة، بحالة طوارئ جديدة، أحيانا يكون فريق من 30 شخصا فقط على متن القارب، عندما ينطلق صوت الصافرة مرة أخرى، كما حدث بعد وقت قصير من الخامسة من صباح أحد الأيام مؤخرا.

يتم نقل أكثر من 730 من الرجال والنساء والأطفال من سفينة إمداد ضخمة قبيل الساحل إلى أكواريوس التي لا يتجاوز عرضها الـ77 مترا. وعلى مدار ساعات، تقوم فرق البحث والإنقاذ بنقل اللاجئين بين السفينتين على متن قوارب مطاطية. ولا يكاد ينتهي نقل اللاجئين حتى يُظهر مسح للمنطقة باستخدام المناظير من فوق جسر قاربا كبيرا تتقاذفه الأمواج في البحر الواسع.

سيكون هذا يوما طويلا لفريق الإنقاذ، وفي الساعة 1445 تنطلق مرة أخرى إلى قارب اللاجئين الأزرق الهش. ورغم كونه مصنوع من المطاط ولا يتجاوز سمكه 0.7 سنتيمتر فإن القارب يحمل نحو 150 شخصا.

ومن لم يكن أصابه المرض منهم، فإنه يكون مرهقا بشدة بعد 16 ساعة في البحر، أو مصابا بالجفاف، أوبجروح بالغة، أو التهابات بالجلد أو حروق من مياه البحر والبنزين. ولا يستطيع سوى عدد قليل من النساء الانتقال إلى متن قوارب الإنقاذ بمفردهن. ولكن المعجرة هي أن الجميع لا يزالون على قيد الحياة بفضل هذا التدخل الحاسم.

وخلال الرحلة، لا تكاد "أكواريوس" تصل إلى منطقة البحث والإنقاذ الرئيسية، حتى يفاجأ متطوعوها أن عليهم التعامل مع المئات من الأشخاص البائسين.

قائمة الاحتياجات والمخاوف طويلة :"أنا جائع" و"متى سنأكل" و"جسمي كله يؤلمني"و هل هناك أسرّة" و "متى سنصل إلى إيطاليا".

يقول كريج، الطبيب الخاص بالسفينة إن "كثيرا منهم لم يتم عرضه على طبيب منذ فترة طويلة"، وخلال ذلك يقوم الفريق بتمرير المساعدات الفورية اللازمة للناجين: مياه، وحصص طعام عاجلة، وقمصان جديدة وملابس رياضية وداخلية ومناشف. وهذا يكفي للـ36 ساعة التالية حتى يصل القارب إلى الميناء.

وتجدر الإشارة إلى أن الـ1032 راكبا جديدا على متن أكواريوس ليسوا إلا جزءا يسيرا من أكثر من عشرة آلاف شخص تم إنقاذهم خلال الأيام القليلة الماضية، وهم الآن في طريقهم إلى إيطاليا.

وعادة ما يكون البقاء على متن سفينة الإنقاذ أمرا شاقا وطويلا في حد ذاته. درجة الحرارة تكون عالية، والناجون يريدون الاغتسال بعد محنتهم في البحر المفتوح، ومالّون، ورائحة العثة تفوح من سطح السفينة.

ورغم هذا، فإن البقاء يكون آمنا في الرحلة الطويلة. فهؤلاء الأشخاص تحملوا قبل ذلك بالفعل الفقر والجوع والاستغلال والعنف. وصحيح أن أفقا جديدا يتسم بالغموض ينفتح أمامهم الآن، إلا أنه أفق مفعم بالأمل.

يقول تشارلز أسامواه من غانا في انبهار :"الشيء المهم هو أني نجوت"، بينما ينظر إلى البحر من زاوية صغيرة مغطاة من سطح السفينة. ويضيف :"سمعت في الأخبار أن الناس يموتون، ولكن لم يكن هناك مخرج آخر".

ومثله مثل كثيرين غيره، أبحر أسامواه من ليبيا بعد احتجازه واستغلاله، وتعرضه لانتهاكات في المخيمات.

ولدى توجه السفينة أكواريوس باتجاه ميناء كالابريا سمع الفريق بخبر أن إيطاليا تهدد بإعادة سفن الإغاثة المستقلة التي تقل ناجين.

يقول مارسيلا كراي، منسق مشروع "أطباء بلاد حدود" على متن أكواريوس :"هذه ليست إلا دعوة من قبل الحكومة الإيطالية لطلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي".

ويضيف :"هذا يتوافق تماما مع ما دعونا له مرارا. ظللنا نطلب من الاتحاد الأوروبي تمكيننا وتنظيم عمليات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط. وحتى يحدث هذا، فإننا سنظل مضطرين لمواصلة العمل، لأن هؤلاء الاشخاص في خطر، وسوف يغرقون إذا لم نكن هناك".

تقول تراسي (21 عاما): "أريد أن أحارب من أجل مستقبلي"، بينما تحلم ريمي بأن يتمكن أطفالها من الذهاب إلى المدرسة في أوروبا.

أزمة المهاجرين مستمرة منذ فترة طويلة حاليا، ومن الواضح أن الكثير من مثل تلك الأحلام قد تبخرت بالفعل في كل من إيطاليا وألمانيا وبريطانيا. ولكن القوارب لا تزال تتدفق.

1