الملاريا المقاومة لأنجع العقاقير تصل إلى جنوب شرق آسيا

الأحد 2014/08/03
لسعات البعوض الناقل الرئيسي للعدوى بالملاريا

لندن - الملاريا مرض يسبّبه طفيلي يُدعى المتصوّر، وينتقل ذلك الطفيلي إلى جسم الإنسان عن طريق لدغات البعوض الحامل له، ثم يشرع في التكاثر في الكبد ويغزو الكريات الحمراء، ومن أعراض المرض الحمى والصداع والتقيّؤ، وهي تظهر، عادة، بعد مضي 10 أيام إلى 15 يوماً على التعرّض للدغ البعوض، ويمكن للملاريا، إذا لم تُعالج، أن تهدّد حياة المصاب بها بسرعة من خلال عرقلة عملية تزويد الأعضاء الحيوية بالدم. وقد اكتسب الطفيلي المسبّب للملاريا، في كثير من أنحاء العالم، القدرة على مقاومة عدد من الأدوية المضادة له.

أعلن باحثون مؤخرا أن الطفيليات المسببة لمرض الملاريا المقاومة للأدوية انتشرت لتصل إلى مناطق على حدود جنوب شرق آسيا وهو ما يهدد بشكل خطير الجهود العالمية للسيطرة على المرض الذي ينقله البعوض.

ووجد الباحثون الذين حللوا عينات دم أخذت من 1241 مريضا بالملاريا في عشرة بلدان في قارتي آسيا وأفريقيا أن المقاومة لعقار الأرتيميسينين، الأكثر فاعلية في العالم، منتشرة الآن على نطاق واسع في جنوب شرق آسيا.

غير أن العلماء لم يجدوا أي مقاومة في ثلاثة مواقع أفريقية شملتها دراستهم في كينيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقال نيكولاس وايت أستاذ الطب الاستوائي بجامعة أكسفورد والذي قاد الدراسة: “ربما لا يزال ممكنا منع انتشار الطفيليات المسببة للملاريا والمضادة لعقار الأرتيميسينين في أنحاء آسيا ثم إلى أفريقيا بالقضاء عليها لكن فرصة القيام بذلك تتضاءل سريعا”.

الطفيليات المسببة لمرض الملاريا المقاومة للأدوية انتشرت لتصل إلى مناطق على حدود جنوب شرق آسيا وهو ما يهدد بشكل خطير الجهود العالمية للسيطرة على المرض الذي ينقله البعوض

ويواجه أكثر من نصف سكان العالم خطر الإصابة بالملاريا رغم الانخفاضات الكبيرة التي حدثت في أعداد الذين يصابون بالمرض ومن يموتون بسببه لكن هذا الوباء ما زال يقتل أكثر من 600 ألف شخص سنويا.

وغالبية ضحايا الملاريا يكونون عموما أطفالا أعمارهم أقل من خمس سنوات يعيشون في المناطق الأكثر فقرا في أفريقيا جنوب الصحراء، وخلال الفترة من أواخر الخمسينات وحتى السبعينات من القرن الماضي انتشرت طفيليات الملاريا المقاومة لعقار الكلوروكين في آسيا وانتقلت إلى أفريقيا متسببة في تفشي الملاريا ووفاة ملايين الأشخاص.

وجرى استبدال الكلوروكين بعقار سولفادوكسين- بيريميتامين لكن مقاومة المرض للعقار الجديد ظهرت في غرب كمبوديا وانتقلت مجددا إلى أفريقيا، لأجل ذلك حل ما يسمى عقار مركب الأرتيميسينين مكان علاج سولفادوكسين-بيريميتامين ويقول خبراء إن العالم يواجه احتمال أن يعيد التاريخ نفسه للمرة الثالثة فيما يخص انتشار الملاريا وتكاثر عدد الموتى بسبها.

وحذر وايت من أن الطرق التقليدية لمكافحة الملاريا ليست كافية، ولن تكون ذات جدوى؛ وقال في بيان صدر مع نتائج دراسته “نحتاج إلى تحركات جوهرية أكثر وإلى جعل هذا أولوية عالمية للصحة العامة”.

ارتفاع درجة حرارة الجسم أبرز أعراض الإصابة بالملاريا

وسجلت الدراسة التي نشرت نتائجها في دورية “نيو إنغلاند جورنال أوف ميدسن” أن بالغين وأطفالا مصابين في خمسة عشر موقعا تجريبيا في عشر دول تفشى فيها فيروس الملاريا خلال الفترة من مايو- آيار 2011 إلى أبريل- نيسان 2013.

وجاء في افتتاحية للمجلة أن “ظهور طفيليات المتصورة المنجلية في جنوب شرق آسيا التي تقاوم جزئيا مادة الأرتيميسينين، يشكل مصدر قلق كبير”.

وقال الدكتور جيرمي فارار، مدير مؤسسة ويلكام تراست: “إذا انتشرت مقاومة العقار في آسيا لتصل إلى أفريقيا، فإن التقدم الكبير الذي أحرز في تقليص الوفيات الناجمة عن الملاريا يمكن أن يتراجع″، وأضاف: “إنه ليس تهديدا مستقبليا، بل أمر واقع اليوم”.

وخلال الدراسة تلقى المرضى لمدة ستة أيام علاجا بعقار الأرتيميسينين ومركب منه، ثم حلل الباحثون عينات من دم المرضى لقياس معدل القضاء على الطفيليات المسببة للملاريا. ووجد العلماء أن المقاومة لعقار الأرتيميسينين في حالات طفيلي المتصورة المنجلية وهو أشد الأنواع فتكا بين الطفيليات المسببة للملاريا منتشرة في غرب كمبوديا وشمالها وتايلاند وفيتنام وشرق ميانمار.

وقال الباحثون إنهم لم يجدوا أي علامات على ظهور مقاومة للعقاقير في وسط ميانمار وجنوب لاوس وشمال شرق كمبوديا.

وفي السياق ذاته توصل باحثون في مدرسة هارفارد للصحة العامة في بوسطن الأميركية، إلى أن طفيليات الملاريا تختفي من دفاعات الجسم المناعية داخل نخاع العظام، وهذا الاكتشاف يحل لغزا هاما عن المرض ودورة حياة الطفيل، كما أنه يفيد في ابتكار أدوية جديدة تعمل على هذه النقطة. ورغم أن نظرية اختباء طفيل الملاريا في نخاع العظام موجودة منذ عقود، إلا أن البروفيسور ماتياس مارتى وفريقه من الجامعة استطاعوا تشريحيا تأكيد وتحديد أماكن اختباء الطفيل في النخاع، عن طريق تحليل أنسجة النخاع.

طفيليات الملاريا تختفي من دفاعات الجسم المناعية داخل نخاع العظام، وهو اكتشاف يحل لغزا هاما عن المرض ودورة حياة الطفيل، كما أنه يفيد في ابتكار أدوية جديدة تعمل على هذه النقطة

ويقول البروفيسور مارتى إن تأكيده هذا تعود أهميته إلى تحديد فجوة كبرى غائبة في حياة الطفيل، ويمكن أن يبنى عليها استخدام عقاقير معينة تساهم في القضاء على هذا المرض.

كما يعرف العلماء مسبقا أن المصابين بالملاريا أكثر عرضة للعدوى بها مرة أخرى عن طريق قرصات الناموس، وحديثا توصلوا لتحديد السبب، فقد وجدت دراسة سويسرية أن الملاريا تغير رائحة الإنسان وتجعلها مغرية أكثر للناموس، حيث أوضحت تجارب معملية أجريت على الفئران أن طفيليات الملاريا بالجسم تعمل كصانعة عطور عن طريق خلط مجموعة من الروائح لإنتاج كوكتيل من العطر لا يمكن للناموس مقاومته، ويعتقد العلماء أن لها نفس التأثير على الإنسان.

وقد استخدم العلماء تقنية خاصة لقياس تأثير العدوى على رائحة الجسم، ولم يجدوا دليلا على أن العدوى هي السبب في تطوير مركبات عطرية خاصة في دم المريض، لكن تنشط مركبات موجودة بالجسم وتقوم بزيادة بعضها وتقليل البعض الآخر لتجعل بعضها مركزا أكثر من غيره، وهذا المزيج العطري يغري الناموس بشكل كبير.

ويقول الدكتور كوسوليو دو موريس أحد الباحثين بمعهد “زورش” بسويسرا أن هناك الكثير من المركبات التي يبدو أنها تجذب الناموس. كما أن عدوى الملاريا دائما ما تترك علامتها عبر رائحة جسد المريض مدى الحياة وقد ظهر ذلك من خلال الفئران الذين حمل دمهم رائحة الملاريا حتى بعد زوال الأعراض من الجسم، وبالطبع لا تتشابه رائحة كل مراحل المرض فبداية العدوى ونهايتها لهما رائحة مختلفة.

وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد أعلنت منذ فترة أن مرض الملاريا هو سبب الوفاة الأول في الدولة الأفريقية الفقيرة، وهو يقتل أكثر من نصف مليون شخص في العام معظمهم من الأطفال في أفقر دول منطقة جنوب الصحراء.

19