"الملاك" أشرف مروان.. الفن في خدمة السياسة

فيلم الملاك لم يطرح بعد غير أن الضجّة التي أثيرت حوله أسبغت عليه تشويقا سياسيا مضاعفا، وجعلت التعامل معه يحتاج إلى قدر عال من الحكمة والرشاد، والابتعاد عن الانفعال والرفض.
الأحد 2018/09/02
من يملك الحقيقة

الدعاية الكبيرة والمقصودة التي يحظى بها فيلم “الملاك”، قبل عرضه في 14 سبتمبر المقبل، تقول للمشاهدين في مصر والعالم العربي إنكم أمام عمل سياسي بامتياز، وليس عملا فنيا كما تروّج له الشركة المنتجة نتفلكس التي يزداد دورها في عالم الدراما التلفزيونية والسينمائية، والدليل تقديم قصة شائكة بدرجة عالية من الاحترافية والتشويق لضمان وصول الرسالة إلى الجمهور المستهدف. لذلك فالتجاهل الذي يبدو على الكثير من وسائل الإعلام المصرية في التعامل مع “الملاك”، لن يكون مفيدا، وربما يمنح أصحابه فرصة لتسويق رؤيتهم التي تناهض الحسابات المصرية.

الواقع أن طرح الفيلم الذي يتناول حياة أشرف مروان، صهر الرئيس المصري جمال عبدالناصر ومستشار الرئيس المصري أنور السادات، في هذا التوقيت ينطوي على رسائل يريد أصحابها التشديد على نفوذ إسرائيل المعنوي في المنطقة، والزعم أنها تستطيع هزيمة أقوى وأكبر دولة عربية عبر أسلحتها السرية.

الفيلم مقتبس عن كتاب “الملاك أشرف مروان والموساد وفاجعة حرب يوم الغفران” لأوري بار جوزيف، وصدر منذ سنوات، وجرى الردّ عليه بطرق رسمية متباينة بما يؤكد وطنية مروان وإخلاصه لبلده مصر. وهذه مسألة تم الحديث عنها من قبل، لأن الجهات المسؤولة عن زرعه داخل إسرائيل كرّمت الرجل بعد رحيله، وفوتت الفرصة على الدعاية السلبية التي تشير إلى أن ولاءه كان لإسرائيل.

الأهمية التي حظي بها مروان في حياته، بحكم دوره السياسي والأمني في عهدي الرئيسين عبدالناصر والسادات، جعلته مادة دسمة لمن حاولوا تسويق فكرة عمالته لإسرائيل أو الحديث عنه باعتباره كنزا استراتيجيا لها، كما أن وفاته بعد سقوطه من شرفة منزله في لندن عام 2007، أغدقت المزيد من الإثارة السياسية والفنية على شخصية الرجل، ووضعته في بؤرة اهتمام جهات عالمية كثيرة.

مع أن الفيلم لم يطرح بعد غير أن الضجة التي أثيرت حوله أسبغت عليه تشويقا سياسيا مضاعفا، وجعلت التعامل معه يحتاج إلى قدر عال من الحكمة والرشاد، والابتعاد عن الانفعال والرفض والشجب والإدانة. فهو باختصار يريد توجيه ضربة قاصمة للرواية المصرية، أو على الأقل التشكيك فيها، لأن الكتاب الأصلي لم يربح هذه المعركة ولم يتمكن من الانتصار للرواية الإسرائيلية تماما.

مصر ربحت في البداية معركة الكتاب المأخوذة عنه قصة الفيلم، عندما تعاملت معه وقت صدوره بحنكة كبيرة، وفوتت الفرصة على من حاولوا تشويه روايتها الرسمية، وردت بحسم وعبر صور مختلفة على من حاولوا مسك العصا من المنتصف والإيحاء بأن مروان كان عميلا مزدوجا، وهو ما أقنع فئات كثيرة، قد تتأثر سلبا عقب عرض الفيلم بطريقة مشوقة.

الآن الوضع يتطلب ممارسة الدور نفسه بكل ما حمله من كياسة، ومراعاة أن جمهور السينما غير جمهور الكتاب، من حيث الكم والوعي الثقافي والتكوين المجتمعي والدراية السياسية. فقد بدا الكتاب مغرضا، وكان الرد عليه سهلا ومقنعا.

عمل سينمائي مثل فيلم “الملاك” يمكن أن يحقق لإسرائيل مردودا معنويا هائلا، لأنه يوحي بامتلاكها قدرة مخابراتية عالية، ومن لديه كل هذا الخداع الاستراتيجي يستطيع أن يتكيف مع أي مستجدات

في حالة الفيلم، هناك حرص فني على استثمار جاذبية الصورة وتقديم حبكة درامية يمكنها التأثير في وجدان وعقل المتلقين، على طريقة أفلام هوليوود، فمن فكروا في تجهيز الفيلم وإنتاجه وتقديمه عبر نافذة السينما الأميركية يريدون استثمارها لتعزيز الرؤية الإسرائيلية، وحصار الرؤية المصرية بصورة تبدو واقعية، لن تجدي معها الوسائل التقليدية.

حرص تل أبيب الدائم على الترويج لنفسها على أنها قوة لا تقهر أوقعها في مطبات كثيرة، ولقنتها مصر دروسا في مجالي الحرب والسياسة في بعض الأوقات. لكن قد يكون حظ إسرائيل في الفن أفضل حالا هذه المرة، وتستطيع من خلاله الردّ على ما قدمته مصر من أعمال درامية كرست أمجاد أبطالها وقدرتهم على اختراق العدو من الداخل.

مسلسل “رأفت الهجان” أحد العلامات البارزة على ذلك، حيث تناول قصة بطل مصري نجح في خداع إسرائيل لفترة طويلة، وزعمت أنه كان عميلا لها. ولا تزال ذاكرة الكثير من المصريين تحفظ الجميل لمن قدموا سيرته بصورة جيدة.

لم تتجاهل إسرائيل في أعمالها الفنية قدرتها على اختراق الكثير من الحواجز العربية، وسخرت الكثير من الإمكانيات لترسيخ رواياتها الرسمية، لكن في هذه المرة يتم التعرض لقضية إشكالية مع مصر، تكشف إلى أي درجة أصبح الفن من الأدوات السياسية.

التعامل مع فيلم “الملاك”، الذي جرى تصويره في إنكلترا وبلغاريا والمغرب، وشارك فيه ممثلون من أصول عربية، لا يحتاج إلى عمل سينمائي أو درامي مصري للردّ عليه مباشرة، فهناك ذخيرة رسخت في أذهان البعض بطولات كثيرة، وأكدت الثقة في الأجهزة الأمنية والقدرة على اختراق جدران إسرائيل. وملفات المخابرات المصرية حافلة بهؤلاء حتى الآن.

ليست هناك حاجة لحملة مضادة لتشويه الفيلم أو التقليل من أهميته، لأنها لن تستطيع حجبه أو منع تداوله على شبكة الإنترنت التي يصل إليها الناس في أي مكان حاليا، ولا يجب التعامل معه بتشنج، فهو عمل فني يحمل وجهة نظر أصحابه، وينطوي على رؤية سياسية واضحة، ويسعى من وقفوا خلف الفيلم لنشرها على نطاق واسع.

الرواية الأصلية التي حملها الكتاب بدت غير مقنعة بدرجة كافية، وأخفق من دفعوا نحو تأليفه وطرحه بالأسواق قبل سنوات في الوصول إلى هدفهم، لذلك لجأوا إلى السينما كسلاح يملك عناصر تأثير واسعة. وهو اتجاه تبنته الولايات المتحدة من قبل في التأريخ لبعض حروبها المفصلية في فيتنام وأفغانستان والعراق، ناهيك عن فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الاشتراكية.

المحاولة السينمائية لنشر وجهة نظر معينة أشد خطورة، وتتطلب تعاملا من نوع مختلف للرد عليها من زواياها المتباينة، لأن العالم يرفض الأحكام المرتبطة بمواقف مسبقة على مثل هذه الأعمال، طالما التزمت بالمعايير الفنية.

الأفلام السينمائية ذات الصبغة السياسية تعمل على الانتصار لرؤية معينة، وتتخذ جميع الحيل والأدوات لتوصيلها، وهو اتجاه سيتصاعد خلال الفترة المقبلة، بعدما أصبحت الروايات متعددة ومتناقضة في الكثير من التوترات والصراعات التي تعج بها المنطقة. ماذا لو أعدت الولايات المتحدة أو روسيا أو تركيا أو إيران أو بريطانيا أو إسرائيل فيلما عن الحرب في سوريا؟ وماذا لو أعدت سوريا نفسها فيلما عن أزمتها؟

متوقع أن يحظى فيلم “الملاك” باهتمام عالمي واسع، لأن الهالة التي نسجت حوله تتزامن مع متابعة قطاعات كثيرة لأحاديث متداولة عن عزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح صيغة لتسوية سياسية للقضية الفلسطينية، تستوجب تقديم تنازلات صعبة.

كما أن إسرائيل تحاول التشبث بمواقف تشير إلى إنسانيتها حتى في ممارسة الأعمال الإجرامية، وفيلم “الملاك” يقدم رسالة في غاية الخطورة تقول إن عمالة أشرف مروان، جاءت لمنع وقوع ضحايا من الطرفين، العربي والإسرائيلي.

عمل سينمائي مثل فيلم “الملاك” يمكن أن يحقق لإسرائيل مردودا معنويا هائلا، لأنه يوحي بامتلاكها قدرة مخابراتية عالية، ومن لديه كل هذا الخداع الاستراتيجي يستطيع أن يتكيف مع أي مستجدات. وتتضمن تفاصيل الفيلم تلميحات وإشارات لما يدور في الوقت الراهن. وقد يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته المعروفة بـ”صفقة القرن” في وقت يتزامن مع عرض “الملاك” أو بعده عندما يتم التأكد من وصول رسائله السياسية، في محاولة للاستفادة من الجدل المنتظر المصاحب لعرض الفيلم، والتأكيد على أن الفن والسياسة قد يكونان وجهين لعملة واحدة.

5