الملاك.. السينما تعيد صناعة التاريخ

سيناريو حياة أشرف مروان استثمار لنتفليكس وإسرائيل أيضا، وفيلم قادر على هزيمة كل الروايات الرسمية عن "الجاسوس".
الثلاثاء 2018/08/28
الرد على الرواية الاسرائيلية يجب أن يكون بنفس الطريقة لا بمنع عرض الفيلم أو مهاجمته إعلاميا

على الرغم من مرور أكثر من 10 أعوام على وفاته، فإن رجل الأعمال أشرف مروان، سكرتير الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، زوج منى عبدالناصر ابنة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، مازالت تثير الجدل والمتابعة، وهي اليوم تعود من خلال عمل سينمائي ستطلقه قريبا شبكة نتفليكس للإنتاج، اقتبست قصته عن كتاب “الملاك أشرف مروان والموساد وفاجعة حرب يوم الغفران”. ومع تصاعد الحديث عنه في الصحافة العالمية وتداول أخبار الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية، يشدد الخبراء على ضرورة ألاّ يتم منع عرضه في مصر، لأن المنع سيرفع من نسبة مشاهدته، وسيضعف من حجج المصرية التي تدحض ما يقال عن أن مروان عميل للموساد وما تفاصيل كثيرة حساسة تهم تاريخ الدولة المصرية وعلاقتها بإسرائيل يتحدث عنها الفيلم، من وجهة نظر إسرائيلية.

القاهرة - مثل الروايات يمكن للأفلام ذات الصبغة السياسية أو التاريخية أن تكون وثائق خطيرة للغاية باعتبارها انعكاسا صادقا للوقت الذي صنعت فيه بكل ظروفه وتداعياته، وليس كمشاهد حقيقية للأحداث التاريخية الفعلية التي قد لا تكون دقيقة داخل الأعمال الدرامية، سينما أو دراما تلفزيونية، بشكل عام.

تجعل قدرة هذه الأعمال الهائلة على إقناع المشاهدين وإثارة اهتمامهم، واقعا أكثر قوة عند العامة من كتب التاريخ في بعض الأحيان. من هنا يمكن أن نتصوّر ردة الفعل العالمية والعربية، خاصة المصرية، علي عرض فيلم “الملاك”، الذي ستطلقه منصة نتفليكس للإنتاج في 14 سبتمبر المقبل، والمأخوذة قصته عن كتاب “الملاك أشرف مروان والموساد وفاجعة حرب يوم الغفران” لأوري بار جوزيف والذي ترجمه للإنكليزية ديفيد هازوني.

الفيلم لا يعكس حقائق تاريخية بقدر ما تعبر عن توجهات ومخاوف وقضايا حالية تريد إسرائيل أن تنقلها للعالم وفقا لوجهة نظرها باستخدام قوة هوليوود
الفيلم لا يعكس حقائق تاريخية بقدر ما تعبر عن توجهات ومخاوف وقضايا حالية تريد إسرائيل أن تنقلها للعالم وفقا لوجهة نظرها باستخدام قوة هوليوود

تدور أحداث الفيلم، الذي تم تصويره في كل إنكلترا والمغرب وبلغاريا، حول التعاون بين أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وأحد العاملين بمكتبه ثم المستشار السياسي والأمني للرئيس الراحل أنور السادات، وجهاز الموساد الإسرائيلي، وكيف أن مروان قدّم لهم معلومات عسكرية أنقذت إسرائيل من الهلاك في حرب أكتوبر 1973 التي انتصر فيها الجيش المصري.

يصوّر شخصية أشرف مروان في الفيلم، الممثل الهولندي التونسي الأصل مروان كنزاري، أما دور عبدالناصر فيقدمه الأميركي الكويتي وليد زعيتر، ويجسد شخصية السادات الممثل العراقي الإسرائيلي أسون غباي، وتلعب دور ابنة عبدالناصر وزوجة أشرف مروان (منى) الممثلة الإسرائيلية، من أصل فلسطيني، ميساء عبدالهادي، وكتب سيناريو الفيلم لو غاريت، وتولّى إخراجه أريل فرومين.

منذ الإعلان عن الفيلم، يتعامل معه قطاع كبير من المصريين بحساسية مفرطة، في ظل حالة الغموض التي تحيط بحياة أشرف مروان ذاته، والاتهامات المتكررة له على مدار عقود بالعمالة لإسرائيل وحتى مصرعه عام 2007 في كارلتون هاوس تيراس بلندن، والذي يعتقد كثيرون أن هناك من دفعه من شرفة منزله في الطابق الخامس، لكن تلك التكهنات لم تجد أدلة تؤكدها أو تنفيها.

وبما أن الأعمال الدرامية مصبوغة دائما بصبغة أفكار وميول واتجاهات ورؤى صنّاعها، وتعبّر غالبا عن وجهات نظر معيّنة وليس عن الحقائق كاملة، فقد يكون من المُجدي بدل تلك الهواجس المبالغ فيها تجاه العمل أن نولي المزيد من الاهتمام للطرق السينمائية التي نشاهد صناعه يستخدمونها بإتقان لإقناعنا بمضمونه، وهو ما يجعل السينما تلعب دورا مهما في تأكيد أو تزييف التاريخ، وحسب درجة الاتقان تكون النتيجة.

الرؤية الإسرائيلية

 أعد الفيلم خصيصا للترويج للرؤية الإسرائيلية التي تقول إن مروان كان عميلا لإسرائيل، وليس “وطنيّا مصريّا”، حسب الرواية التي أشار لها باقتضاب الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، عندما حضر بنفسه جنازة مروان في القاهرة، في إشارة انطوت على تكريم رسمي.

ومع بداية الإعلان عن الفيلم، بدأت ردة فعل غاضبة في أوساط المصريين والعرب، ممن اعتبروا أن أحداث الفيلم لا تمتّ للواقع بصلة وتزويرا للتاريخ، ويحاول من خلاله الموساد تلميع صورته. لكن، مقابل هذا الاستهجان، على فيلم لم يصدر بعد، تتصاعد أصوات عقلانية ترى بضرورة التفكير بلا تشنج في مصر أمرا لا مفر منه حتى يمكن معرفة ماذا يريد أن يقول الفيلم للناس ليس على المستوى المحلي في مصر وإسرائيل فقط، بل على المستوى العالمي أيضا، ولمن يتوجه بالأساس بهذه اللغة السينمائية والإنتاج الضخم.

مرجح أن يظهر الفيلم في شكل رسائل معاصرة ويتم استخدام أحداث ماضية لتأكيدها، بالتالي فـ”الملاك” لن يكون مجرد عمل سينمائي أميركي، بل هو وثيقة لا تعكس حقائق تاريخية بقدر ما تعبر عن توجهات ومخاوف وقضايا حالية تريد إسرائيل أن تنقلها للعالم وفقا لوجهة نظرها باستخدام قوة هوليوود المذهلة في امتلاك وسائل إقناع فنية ومتقنة.

ويقول الناقد الفني، كمال رمزي، لـ”العرب” إن “أي فيلم يعتبر دائما وثيقة على صنّاعه وليس على الشخصية التي يقدمها، فمثلا قد نجد أنفسنا في فيلم ‘على من نطلق الرصاص’ وهو يؤرخ لحرب أكتوبر من وجهة نظر مصرية، أمام صورة تبين دكتاتورية الرئيس عبدالناصر، عكس الحال تماما في ‘ناصر 56” حيث قدمه الفيلم كزعيم وطني من طراز نادر”.

ويؤكد أن الملاك فيلم يرضي لحد كبير الغرور الإسرائيلي، وستحقق به إسرائيل الكثير من المكاسب السياسية والنفسية، وتروّج لقدرتها الفائقة عالميا، وتوصل من خلاله جملة من الرسائل المطلوبة من وراء صناعته.

وطالب رمزي الجهات الرسمية في مصر “عدم منع عرضه في القاهرة، والتعامل مع المسألة بواقعية شديدة، فهذا حال العالم الآن، فالمنع لن يكون مفيدا ولن يحجب الإشارات والرسائل السياسية التي يقدمها الفيلم”.

وأكد لـ”العرب” أنه “لا بد أن نعرف كيف رسم الفيلم صورة مصر وقادتها في هذه الفترة التاريخية الشائكة؟ وكيف رسم صورة حرب أكتوبر وقادتها؟".

وقال “من حقنا أن نري كيف تفكر فينا إسرائيل وكيف ترانا؟ خاصة أنهم استخدموا مؤسسات سينمائية أميركية قوية للغاية تنقل أهدافهم ورسائلهم بسلاسة، علما بأن السينما الإسرائيلية ضعيفة ولا توجد بها أعمال متميزة، لذا لم يعتمدوا عليها في نقل رسالة هذا الفيلم الأساسية”.

كيف تفكر فينا إسرائيل وكيف ترانا؟
كيف تفكر فينا إسرائيل وكيف ترانا؟

والرسالة هي قضية الفيلم وليس شخص أشرف مروان الذي تتوفر اجتهادات كثيرة من التيارات السياسية المختلفة في مصر وونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي يهاجمونه الفيلم الاسرائيلي، لإثبات البراءة والوطنية ويقدمون أدلة تاريخية تؤكد ذلك، أو لتأكيد العمالة والخيانة.

وسيتم تقديم ما يثبت ذلك بالبراهين، فغموض شخصية السياسي المصري وثراء الأحداث التي عاصرها مغرية لجر الجميع لمستنقع التناحر والتلاسن، لا سيما مع الصبغة المؤسسية التي حظيت بها شخصيته لفترة طويلة.

وبدأت الحرب الإلكترونية والإعلامية حول شخصية مروان، تلوح في الأفق المصري خلال الأيام الماضية، ومن المتوقع أن تتزايد حدتها مع عرض الفيلم الشهر المقبل، ما يشير إلى احتمال أن تذهب رسائل الفيلم الأهم أدراج الرياح، إذا ظل الانشغال منصبا على الشخص وليس طرح التساؤلات حول لماذا الآن تحديدا تقرر إسرائيل أن تنتج هذا الفيلم، مع أن الكتب الإسرائيلية التي تناولت في السابق الحديث عن مروان كثيرة، سواء تلك التي وصفته بأنه كان عميلا مزدوجا أو التي انحازت إلى ولائه للجانب الإسرائيلي. وهل نحن بصدد محاولة إسرائيلية لتكوين وعي عالمي زائف عن أحداث وشخصيات مصرية؟ هذا الوعي الذي تساهم في تشكيله جهات كثيرة قد تكون مرئية أو غير مرئية.

يمكن التنبؤ بمضمون الفيلم بقليل من البحث عن شركة الإنتاج والمال المدفوع والجهات الصانعة له. وقد يكون ما انتشر عن الفيلم وراء مطالبة بعض النقاد بعرض الفيلم عرضا محدودا ومناقشته وتشريحه بعيدا عن العامة التي قد تهتز الكثير من قناعاتها نتيجة حالة الوعي الزائف التي قد يكّونها الفيلم.

وأشرف مروان شخصية غامضة وتاريخها ملتبس، وتدور حولها حتى الآن الكثير من الأسئلة من دون الحصول على إجابات قاطعة، ما يجعل العالم كله يلتفت لفيلم يدور حول شخصية عاشت حياة سياسية غير عادية.

ونظرا إلى الظروف التي تمر بها مصر الآن من أزمات اقتصادية وتعقيدات سياسية، يرى البعض أن البلاد لا تملك رفاهية عرض الفيلم جماهيريا، لأن مروان خرج من أعماق التاريخ السياسي المصري الحديث. ودرءا للفتن وتحاشي غسل الأدمغة، جاءت دعوة عرض الفيلم على متخصصين في السينما والتاريخ، لتسهيل مهمة الرد عليه وتفنيد القواعد التي يستند عليها.

فتن سياسية

Thumbnail

يتوقع المراقبون أن تثار فتن سياسية في القاهرة مع بدء عرض الفيلم، خاصة وأن كتاب بار يوسف يتحدث عن حالة إذلال وطني شعر بها أشرف مروان، عقب هزيمة يونيو 1967 دفعته للانحياز للجانب الإسرائيلي، واتصاله بهم في حياة الرئيس عبدالناصر الذي كان يتحفظ على تقشفه الإنساني -كما يذكر بار- وكيف انه لا يستخدم قوته السياسية لتحقيق بعض المصالح الشخصية.

تلك الفتن قد تكون قوية مع بدء عرض الفيلم، على الرغم من صدور وانتشار الكتاب الذي قام عليه العمل السينمائي، لأن نفوذ السينما أشد وأقوى.

وهو ما جعل المخرج محمد فاضل يقول بحدة واضحة لـ”العرب” إن “هذا الفيلم سيكون من الوثائق الفنية المزوّرة لأنه ليس عملا فنيا بقدر ما هو سلاح من الكثير من الأسلحة الناعمة التي تستخدم ضدنا منذ عقود وليس الآن فقط، فقد يكون الإسرائيليون في حاجة لحسم الجدل الدائر حول شخصية مروان لصالحهم الآن لكسب نوع من النصر السياسي والمعنوي، خاصة إذا حملت الأحداث داخل الشريط السينمائي محاولات للإساءة إلي بعض رموز الدولة المصرية التي عليها محاولة تصحيح هذه الصورة المغلوطة أمام الجمهور العربي الذي لن يهنأ أمام أفلام قد تحمل حقائق دامغة”.

وأضاف أن فيلما مثل “الملاك” يمكن أن يؤثر في مزاج ونفسية الشعوب، لذا “لا أفضّل عرضه في مصر نهائيا، وإن كان هذا من المستحيل على أرض الواقع لأن الشبكة العنكبوتية جعلت كل الأفلام تدخل أنحاء العالم بلا قيود أو ضوابط”.

وبالطبع سيشاهد الفيلم في مصر، بصورة رسمية أو غير رسمية، ومع عرضه قد تزعج الرؤية الإسرائيلية الوقائع المعروفة لدى المصريين، مثلما لم تتحمل إسرائيل الكثير من الأعمال الدرامية المصرية عند نجاحها في تجنيد عملاء لها في إسرائيل وزرع عملاء داخلها من المصريين، فدائما يكون التناول الفني لأعمال التجسس غامضا وذاتيا للغاية وهدفه إرضاء الغرور الشعبي.

ويوجه “الملاك” ضربة للغرور الشعبي المصري والعربي، إذا تم التعامل معه كوثيقة تاريخية تحمل حقائق، وهو ما يستدعي المزيد من الفتن السياسية التي تبدو مصر ليست في حاجة إليها.

أما إذا تم التعامل معه بمزيد من الهدوء كوثيقة تؤرخ للأفكار الإسرائيلية الرائجة، فالأمور قد تختلف ويتحول الشريط السينمائي إلى كنز إستراتيجي، خاصة إذا تم فك شيفرات وطلاسم رسائله السياسية بصورة صحيحة وعملية.

7