الملا عمر: الرجل الذي غاب قبل أن يحضر

الجمعة 2015/08/14

لا نعرفُ في القرن الواحد والعشرين أي شيء جدير بشفافية هذا القرن عن الملا عمر زعيم حركة طالبان في أفغانستان. لم نعلمْ عن الرجل إلا ما تسربَ، وهو خليط من روايات منسوبة إلى الخصوم والأنصار، أو قراءةٌ في بياناته، التي قيل إنها رسمية تعكس إرادته. أو شهادات نادرة على منوال تلك التي رواها الزميل تيسير علوني، أما من تبرّعَ في كتابة سيرته والدفاع عن خِصاله، فقد خطَّ سطوره مستوحياً مضامين افتراضية لا تستندُ على واقعة ولا تتأثرُ بشهود، حتى أن حكايةَ شخصية كانت تعيش بيننا في زمننا الحاضر، أضحت شبيهةً بسير الأولين في الزمن القديم.

يتّسق غموضُ الرجل، تماماً، مع حكاية الحركة التي تزعمها، والتي أطاحت في ليل ما بنته الفصائل المجاهدة الأخرى في أفغانستان خلال عقود. تولّت الصحافة الغربية، قبل صحف المنطقة، تقديمَ الحركة-الظاهرة بصفتها استنساخا لأبطال الروايات ونجوم السينما الهوليودية. يكاد الملا عمر في ذلك يشبه روبن هوود، فيما جماعته تتقدم مناصرة للحقّ ضد الباطل.

وكما بات تقليديا في حكايات البلدان التي عاشت حروب تحرير (خصوصاً في منطقتنا)، دخل الجهاديون الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي في المطحنة “الطبيعية” التي تنتصب بعد زوال الاحتلال ورحيلِ المحتل. تراجع اهتمام الولايات المتحدة والغرب بأفغانستان بعد أن أزالت مقاومته “الخطر الأحمر” في تلك الناحية من رقعة الصراع بين شرق وغرب في إطار الحرب الباردة. ابتسمت واشنطن لهزيمة موسكو، وراحت تراقبُ كل يوم انهيار الاتحاد السوفياتي غير عابئة بمستقبل أفغانستان ونظامها السياسي البديل.

انتقلت افغانستان من حرب دموية بين مجاهدين و”ملحدين” سوفيات، إلى تناحر داخلي أمضى في حدته بين “المؤمنين” أنفسهم. بدا أن الأزمةَ لم تعدْ بين شعب واحتلال، أو بين أهل البلد والأجانب، بل بين بشتون وطاجيك وهازارا وأعراق أخرى. بات للبلد أمراء حرب يجيدون فنون الحرب ويجهلون أصول السلم، وصارت أفغانستان نواحي وتيارات وجماعات تتوزّع بين شاه مسعود وحقاني وحكمتيار ورباني غيرهم.

من مدارس تعليم القرآن في باكستان خرج الطلاب الأفغان (طالبان) جنوداً مجاهدين لتخليص بلادهم من كارثة التناحر والفوضى والعبث. كان لحربهم عنوانٌ جهادي ضد المرتدين والكفار وكل التصنيفات المبرِّرة لغزوات المجاهدين الجدد. وكان لقدرات هؤلاء “الأشباح” في القضاء على جماعات الحرب ما محضهم تأييداً أهلياً وصمتاً دولياً يشبه الرضى. قاد الملا عمر جنده دون ضجيج وكأنه أسطورة فوق البشر، فيما ظهوره النادر يمثّل جزءا من “ميثولوجيا” لطالما عظّمت من شأنه وجبروته. تقدّم الملا عمر بعد قندهار إلى هيرات، فكابل، وقضى أمير طالبان على خصومه، أمراء الحرب الآخرين، طارداً إياهم صوب الشمال، ليصبح هو أمير الحرب الجديد والوحيد في البلاد.

لم تحظ دولة الملا عمر باعتراف دولي، لكنها حظيت بغض طرف دولي. بدا أن مشروع الملا عمر المناهض لدفاتر الشروط الدولية في حقوق الإنسان، لا يستدرج موقفا عدائيا غربيا

كان يهمُّ الولايات المتحدة أن تبقى أفغانستان خارج دائرة نفوذ موسكو، حتى بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، سيان عندها هوية الحاكم. لم تحظ دولة “أمير المؤمنين” الملا عمر باعتراف دولي كبير، لكنها حظيت بغض طرف دولي كبير. بدا أن مشروع الملا عمر الداخلي المناهض لدفاتر الشروط الدولية في مجال حقوق الإنسان، والمعادي لظواهر الحضارة (كما في تدمير تماثيل باميان)، لا يستدرجُ موقفاً عدائياً غربياً جديراً بالذكر. فصحف ذلك الغرب لطالما أشادت بطهرانية غزاة كابل الجدد، حتى لو كان سلوكهم ينتمي إلى ماضوية غابرة.

لا نعرفُ الشيء الكثير عن الملا عمر. تداولَ الإعلام صورة فوتوغرافية وحيدة له، لم يأت من يؤكدها أو ينفي زيفها. لكننا، وحسب ما أعلمونا، نعرف أنه رفضَ تسليم أسامة بن لادن بعد أن قامت “قاعدته” بما قامت به في “11 سبتمبر” الشهير، فدفعت أفغانستان ونظام طالبان ثمن ذلك العناد الذي صاحبَ مسيرتها منذ النشوء وسكت عنه العالم متواطئاً. تورط الأميركيون في حرب قاسية ميدانية، فيما تحاذقوا أيام الاحتلال السوفياتي في خوضها بالوكالة. أتاح أمرُ ذلك النزال للملا عمر أن يستعيدَ زمام المبادرة، وأن يراكمَ فوق الغموض غموضاً، وهو الأفغاني الذي يتحدى المحتل الأميركي، كما تحدى الأفغان قبله الاحتلاليْن البريطاني والسوفياتي.

من مخابئه المجهولة قاد الملا عمر جهاد طالبان بمعناه العسكري، في سماته التقليدية في إطار تشكّلات تهاجمُ وتحتلُ وتنسحب، وفي سماته الخاصة من خلال الدفع بمئات الانتحاريين الذين لا ينفذ مخزونهم. عرف الرجل كيف يختار أهدافه بين أجنبي أطلسي ومحلي تابع للحكم في كابل. لكنه، ومن مخابئه أيضاً، وجّه الجهد الدبلوماسي، إذا صحّ التعبير، في سيرورة تدركُ موازين القوى الإقليمية والدولية، فكانت بعثته في الدوحة تطلُّ على العالم، فيما تواصله مع دول الجوار، يعكسُ براغماتية في فهم علاقات الأمم.

خرج من أفغانستان-الملا عمر ما يخرج مما تمارسه الدكتاتوريات. مجتمعُ طالبان ذكوريٌّ لا يعترف بإناث. يمنع عن المرأة العلم والعمل والفضاءات العامة وتحشر داخل البرقع الأزرق، فيما القضاء والعدل كيفيٌّ يدّعي اتباع قواعد الشريعة، فيغدو مشهد جزّ الرقاب من عاديات العيش في ظل طالبان وحكمة زعيمها. في ظلال الملا عمر لا فنون ولا مسرح ولا سينما، ولا أعراض حداثة توحي أننا في هذا الزمن. لم يستجب الملا للمناشدات الدولية لإنقاذ التماثيل البوذية في باميان، وهي جزء من التراث الإنساني، حسب تصنيفات اليونسكو. هدمَ جند الملا ذلك الصرح الذي حماه الإسلام منذ أن بات في أفغانستان إسلام (نهايات القرن السابع).

على أن تلك الظواهر على ظلاميتها بدت من عاديات ما يسلكه جند “خليفة” داعش في العراق وسوريا، كما في امتداداته الأخرى هذه الأيام. كان جهاديو مالي قد دمروا أضرحة تمبكتو الشهيرة مستلهمين التجربة الطالبانية. لكن رجال أبو بكر البغدادي تجاوزوا “مآثر” طالبان وراحوا ينافسونهم الزعامة على “أمة المسلمين” في عقر دار طالبان في أفغانستان (وباكستان وأعلنوا من هناك “ولاية خراسان”). بدا خطر داعش داهماً حقيقيا إلى درجة توافق طالبان وإيران على تحالف ضرورة لصدّ الخصم المشترك.

حكاية الملا عمر في غموضها تتيحُ سيلاً من الاجتهادات في فهم مرامي طالبان. المجمع عليه، أن المخـابرات الباكستانية وقفت مباشرة وراء ولادة الحركة. كانت إسلام أباد تتحرى السيطرة الكاملة على الميدان الأفغاني بعد أن باتت الحرب الأهلية بين الفصائل والأطياف تشي بإمكانية دخول شركاء آخرين لنفوذها في البلاد. لم يكن الباكستانيون ليقبلوا بالاحتمال الهندي في أفغانستان مثلا، فمثّلت طالبان حصاناً رابحاً لدرء الخطر المحتمل من نيودلهي.

وإذا ما كانت باكستان ذلك الزمن تدورُ في فلك الولايات المتحدة، فذلك يعني أن الخيارات الباكستانية في أفغانستان لم تكن تُجابه بممانعة أميركية. لكن ذلك لا يعني استنتاجاً تبسيطياً بأن الملا عمر كان منفِّذاً لأجندة إسلام أباد وواشنطن، بل كان مقاتلاً مستفيداً من رعايتهما حين يناسبه ذلك، منقلباً عليهما حين يضيره ذلك.

أما وقد “اكتشفت” مخابرات دولة أفغانستان، حليفة الولايات المتحدة، أن زعيم طالبان قد توفي عام 2013، فإن خطباً ما في ذلك الكشف يصبّ غموضاً على غموض، لا سيما أن “والي خراسان” التابع لداعش حافظ سعيد خان كان سباقاً أوائل هذا العام، في معرض خصومته مع طالبان، في الإعلان عن وفاة الملا عمر منذ سنوات.

ستدورُ الأسئلةُ حول عدم الكشف عن الأمر قبل ذلك، أو ما إذا كان قد تمّ الكشف ولم يُعلَن قبل ذلك. لماذا توقيت الكشف والإعلان هذه الأيام، ولماذا لم تعلن طالبان الأمر إلا بعد أن تسرّبت أخبار ذلك، علماً أن تلك الجماعات شفافة في إعلان وفاة زعيم وتعيين لخلف؟ ثم، وفي غياب الزعيم منذ عامين، من كان يقود طالبان في ميادين المواجهة ضد الأميركيين وضد حكام كابل، ومن كان يوجه الاتصالات الدولية والإقليمية؟ ثم هل كان الملا عمر هو فعلا من كان يقود طالبان؟

لن تساعد تلك الأسئلة على كشف سرّ الملا عمر، ذلك الرجل الذي وحّد طالبان حول زعامته، فيما انقسامٌ ينبعث من تولي منصور اختر (رجل باكستان) خلافته. مات الرجل، أو أُعلن موته، ولم يعد من حاجة لكشف أسرار وإماطة اللثام عن غموض. لم نر الرجل حياً يدلي بدلو، ولم نر جثته حين رحل، تماما كما حال أسامة بن لادن الذي قيل أن البحر ابتلع رفاته.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

8