الملا فاضل السكراني: تستفزني أشعار المتنبي

الجمعة 2014/01/24
السكراني يتحدث إلى يوسف عزيزي: ذكرت الفقر والغنى في معظم أشعاري

لندن- رحل شاعر الأهوازيين الملاّ فاضل السكراني المشهور بأبوذياته وشعره في إقليم عربستان بإيران، والذي يحفظ شعبه أشعاره عن ظهر قلب. شهرته تجاوزت حدود الإقليم وإيران لتصل إلى جنوب العراق والكويت والبحرين ومناطق أخرى في العالم العربي الذي ينتمي إليه بضميره وخواطره وأفكاره، كما يتبين من هذا الحوار الذي سبق لي أن أجريته معه ببيته في الأهواز.

يتميز شعر الملاّ فاضل عن شعر أقرانه من الشعراء الشعبيين في إقليم عربستان كطاهر إسحاق القيم وعبود الحجي سلطان وفالح الدسبول، بسلاسته وابتكاريته معا، فعلاوة على رقة وعذوبة أشعاره الشعبية ساعدت مواقفه الاجتماعية على اتساع شعبيته وهذا ما يميزه عن شعر من يوصفون بأنهم شعراء سلطة أو بلاط، أو أحزاب، فهو شاعر حرّ.


كأنما هو وحي

رام سؤالنا الأول للشاعر الملاّ فاضل السكراني الوقوف على أهم المناهل التي نهلت منها ثقافته، وهو ما أجابنا عنه بقوله: “نهلت من القرآن الكريم، إذ أنه في أسمى قيمة البلاغة والفصاحة وفي أعلى مراتب الحِكَم والبيان والإدراك والإرشاد وهو لا يزال معي ولا أزال معه حتى الموت. كذلك تأثرت بنهج البلاغة وشرح النهج وأشعار شعراء العرب من أهل المعلقات وغيرهم وخصوصا بأشعار المخضرمين منهم. وقد يزداد تأثري ويستفز حماسي لشعر المتنبي والسيد الشريف الرضي ومهيار الديلمي وأبي العلاء المعري ولأمثالهم. وأميل كل الميل إلى ما نظمه سعدي الشيرازي في مواعظه ونصائحه وحكمه. وأغور في أعماق ما توصل إليه من البيان والعرفان لسان الغيب حافظ الشيرازي ولا أزال أشنف مسامعي بإصغائي لأشعار الحكيم العظيم مولانا جلال الدين الرومي.

عندما كنت شابا قرأت المعلقات السبع وحفظت كل “لامية” امرئ القيس عن ظهر قلب وتذوقت أشعار عنترة بن شداد ولبيد وابن أبي سلمى والنابغة الذبياني. لكن حسب رأيي لا يمكن أن نقدّم أي شاعر عربي آخر على المتنبي؛ فكيف يمكن أن نصف شعر المتنبي وهو كأنما يماثل الوحي؟ فلديه عبقرية عجيبة وخالصة؛ لا يمكن لأحد أن يتقدّم على شعر المتنبي”.

وحول ما إذا كان السكراني قد تأثّر بالشعراء الشعبيين في العراق مثل حجي زاير وعبد الأمير الفتلاوي، يجيبنا بقوله: “لا، لم أتأثر بهؤلاء الشعراء ولا ترى أيّ أثر لشعرائنا الشعبيين الأهوازيين في شعري كعبود الحاج سلطان وملاّ محمد المايود وجفير البحير وطاهر القيم. فقد تأثرت بشعر مظفر النواب لكنك لم تشاهد أثرا مباشرا لشعره الشعبي في أشعاري الشعبية. كما تأثرت بموشحات سيد محمد السيد سعيد الحبوبي حيث كنت أحفظ عن ظهر قلبي العديد من هذه الموشحات. وهو كان مرجعا دينيا بارزا في العراق ناضل ضدّ الوجود البريطاني فيه”.

لا يمكن أن نقدم أي شاعر عربي على المتنبي، فكيف يمكن أن نصف شعره وهو كأنما يماثل الوحي؟ فلديه عبقرية عجيبة، لا يمكن لأحد أن يتقدم على شعر المتنبي

وعن رأيه في الشعر الحرّ العربي والوقد قرأت لبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمود درويش وأحمد شاملو. لكنني لم أقرأ لأدونيس ولا لنيما يوشيج “مؤسس الشعر الحرّ الفارسي” بل لربما قرأت لهذا الأخير منذ زمن لم أتذكره الآن؛ لكن كيفما كان الأمر فإني لم أمل إلى الشعر الحرّ كامل الميل وبتمام الرغبة. وفي مجال العرفان قرأت لشاعرين قديمين فارسيين هما هاتف الأصفهاني وبابا طاهر العريان. فقد حفظت لبابا طاهر وعمر الخيام أكثر من أيّ شاعر فارسي آخر”.

قيثارة طرب

عن الترابط بين الشعر العربي والفارسي، يقول السكراني: “بالنسبة إلى الترابط بين الشعر العربي والفارسي فقد لمسته أكثر من مرّة وتحسسته عشرات المرات من هذا وذاك ومن هنا وهناك. فكما لشعرائنا العرب من أشعار في البأس والحماس والغزل والنسيب والتشبيب والكرم والحِكم، كذلك أيضا لشعراء الفرس وللشعر الفارسي المدى الشاسع والفضاء الواسع في هذه الأغراض. وإني لم أنس الفردوسي وملحمته في الشاهنامة والسعدي الشيرازي في أمثاله ووعظه وقد تقدّم ذكري للسان الغيب حافظ الشيرازي ومولانا الرومي وأمثالهم. ومن المعلوم أنهم قد حصلوا على لطف الإبداع بشعرهم المذاع عندما استعملوا الكلمات العربية الفائقة في هذا المجال وإن هذا لأكبر دليل على الترابط بين الشعرين الفارسي والعربي ولكلا الوجهين روعة وجمال ورابطة واتصال مع الاعتراف ببلاغة العرب وفصاحة ألسنتهم وإن كلام العرب هو كلام الله المجيد وفرقان نبيه ولسان أهل جنته”.

عمتي النخلة

حول دَلالات مفردات مثل: النخيل والليل والقبرة والوديان وهور الدورق وأنهار الجراحي والكرخة وكارون والفقر والغنى والمقبرة والعرب، يقول الشاعر السكراني: “كيف أنسى عمتي النخلة التي بودّي أن تمتص عروقها دماء عروقي بدلا من الماء ولقد قال فيها سيدنا الرسول الأعظم، عمتكم النخلة وإنها خلقت من فاضل طينة أبيكم آدم عليه السلام.

نعم أنشدت الشعر في النخلة والليل. وأما نهر الفلاحية الذي ينحدر عنه شط الفلاحية بفراته العذب قلت متغزلا بمائه وصفائه وجمال ظبائه. وقد ذكرت الفقر والغنى في معظم أشعاري. وأما المقبرة وإن لم أقل فيها وفي ساكنيها لكني قلت هاجيا لبعض الناس الذين قبرت أرواحهم بمقابر حياتهم الخسيسة الدنيئة المحتقرة”.

يعدّ السكراني لدى النقاد الأهوازيين أفضل شاعر في شعر الأبوذية في المحافظة وهو ينافس في هذا المجال الشعراء الشعبيين في جنوب العراق والكويت والبحرين، وعن هذا الأمر يقول: “قد ذكرتم الكويت والبحرين في هذا المجال حيث يجب أن أقول إن في الكويت والبحرين لم يقم سوق شائع رائع معروف في الأبوذيات على ما أتصور ولكن لشعبيهما الباع الطويل في نظم الفصيح من الشعر والركبان والرجز. وأما أنا فلا ينبغي أن أمدح نفسي في هذا النوع من الشعر ولكني أقول إنني لا أنشد الأبوذيات فحسب بل حتى القصائد وسائر أنواع الشعر الدارج أيضا.


اقرأ أيضا في العرب:

أمير شعراء الأهواز ترجل وترك لمحبيه كوفيته الزرقاء

15