الملا ياسين رؤوف: سقوط داعش يمهد لانفصال كردستان العراق

يسعى أكراد العراق لإقامة دولتهم المستقلة خاصة بعد دعوة رئيس إقليم كردستان العراق إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في نوفمبر المقبل. وتجري الاستعدادات حثيثة للقيام بالاستفتاء على الاستقلال المقرر يوم 25 سبتمبر المقبل. وهي خطوة تلقى معارضة كبرى من الدول المجاورة خاصة منها تركيا وإيران، لكن الأكراد يرون أن الوضع السياسي الحالي ومشاركتهم في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق يعدان فرصة يجب استغلالها لتحقيق الانفصال وإقامة دولتهم.
الجمعة 2017/07/21
الملا ياسين رؤوف رئيس مكتب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في مصر

الملا ياسين رؤوف هو سياسي عراقي كردي دخل معترك السياسة منذ 40 عاما، عندما كان في السابعة عشرة من العمر، الآن أصبح قياديا بارزا في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ويشغل منصب رئيس مكتب الحزب في مصر. ولأجل ذلك فإنه يمتلك معرفة واسعة عن القضية الكردية وتطوراتها الأخيرة، ليس في العراق وحده بل في منطقة الشرق الأوسط كلها، “العرب” حاورته في مكتبه بالقاهرة.

وأكد الملا ياسين أن الشرق الأوسط في السنوات المقبلة لن يكون هو الذي نعرفه الآن، وتوقّع تقسيم البعض من دوله، مثل سوريا والعراق، كما تنبأ بأن الأكراد سوف يحققون مكاسب عديدة على الأرض من الآن فصاعدا، وسوف تكون النتيجة النهائية هي انفصال إقليم كردستان وقيام دولة جديدة بالمنطقة، وإن كان ذلك لن يتم بسرعة.

وأوضح ممثل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بالقاهرة أن الهزائم المتتالية التي لحقت بتنظيم داعش، وآخرها خسارته ما يسمى بـ”دولة الخلافة” في الموصل، سوف تترتب عليها تغيرات سياسية وجغرافية على مستوى إقليم كردستان والدولة العراقية ومنطقة الشرق الأوسط، وهو ما يصب في صالح انفصال الإقليم.

وأضاف في حواره لـ”العرب” أن انتهاء حقبة سياسية من الحروب والصراعات يعقبها دائما وجود تحالفات وانقسامات جديدة، بالإضافة إلى مجموعة من المتغيرات التي تكون في صالح الطرف الفائز على حساب المهزوم، وأن ذلك ما حدث تحديدا عقب نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويعد قابلا للتكرار مرة أخرى في الوقت الراهن.

وقال الملا ياسين إن مقومات الحصول على مكاسب سياسية جديدة خلال الفترة المقبلة متوافرة لدى الدولة الكردية، بغض النظر عن ماهية تلك المكاسب، بعد أن أظهرت قدرتها على تشكيل قوة عسكرية قوية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وكذلك تمتعها بقواعد جماهيرية كبيرة متمثلة في وجود قومــية كردية متمــاسكة في سوريا والعراق.

وتوقع ياسين أن تشهد السنوات المقبلة تقسيم بعض الدول التي تعاني ويلات الحروب الداخلية منذ سنوات، على رأسها سوريا والعراق، وفي المقابل فإن ذلك سيترتب عليه قيام دول جديدة قد تكون في مقدمتها “دولة كردستان”، التي ستحصد بالتأكيد ثمن الانتصارات التي حققتها على التنظيمات الإرهابية، وتحديدا ضد تنظيم داعش.

وأوضح قائلا “إن عوامل إنشاء الدولة الكردية لم تتوافر بالكامل بعد، لكن هناك تمهيدا يفضي في النهاية إلى إقامتها، فتأسيس دولة جديدة يكون على أنقاض دول قابلة للتفتيت، وهو ما نرى مقدماته بالنسبة إلى سوريا والعراق”.

بالنسبة إلى سوريا، لا توجد بها دولة متماسكة حاليا، أما العراق فصحيح أن الدولة مازالت متماسكة، لكن احتمال عدم التفاهم بين الشيعة والسنة وبين العرب والكُرد كبير، بما قد يؤدي في النهاية إلى التقسيم.

السياسي الكردي وصف ما يجري الآن في المنطقة بالحرب العالمية الثالثة لكنها تجري على أرض الشرق الأوسط وليس في قارة أوروبا، ويرى أن نهاية تلك الحرب سوف تتمثل في ترتيبات جديدة بالمنطقة تكون في صالح إقامة دول جديدة على أساس قوميات ومذاهب موحدة كما هو الحال بالنسبة إلى الأكراد والفرس والشيعة.

كلهم يرفضون الانفصال

ياسين، البالغ من العمر 58 عاما، والموجود في القاهرة منذ عام 2009، شدد مع ذلك على أن التحديات الخارجية تمثل العائق الأكبر أمام حلم الانفصال، بفعل ما وصفه بـ”الأجندات” الخارجية المتعارضة.

وقال إن الموقف الأول الذي يتعارض مع الرغبة الكردية يكمن في توجهات الولايات المتحدة الأميركية، والتي ورغم مساندتها إقليم كردستان العراق منذ أن تمتع بالحكم الذاتي عام 1991، إلا أن مصلحتها الحالية تتمثل في استمرار الأوضاع كما هي عليه الآن، لأن واشنطن تشعر بأن الأكراد يحققون توازنا مطلوبا بين الشيعة والسنة داخل العراق وأن انفصالهم سيعني أن الشيعة سوف يفرضون سيطرتهم، وهو ما ستعترض عليه الدولة العراقية.

وأضاف الملا ياسين أن الولايات المتحدة الآن في حيرة وهي أمام خيارين كلاهما مر؛ الأول هو مساندة الدولة الكردية ما يمكن إيران من فرض سيطرتها الكلية على العراق نتيجة ضعف المكون السني، وهنا تفقد واشنطن منطقة نفوذ هامة بالنسبة إليها. والثاني أنها في حال وقوفها مع الدولة العراقية فإنها تكون بذلك قد عارضت أحد النماذج العلمانية الديمقراطية التي ظلت تساندها لسنوات طويلة.

وتابع “أما بالنسبة إلى تركيا والتي تسعى لتقويض المعارضة الكردية بداخلها، فإنها هي الأخرى تعارض إقامة دولة كردستان، لأن ذلك سيفتح المجال أمام تأسيس الدولة الكردية الكبرى، وهو ما يمثل تهديدا مباشرا على تركيا حال استقطاع أجزاء من أراضيها لإقامتها”.

الوضع نفسه بالنسبة إلى الموقف الإيراني، كما أن موقف الاتحاد الأوروبي الرافض للانفصال له دوافعه أيضا لتخوفه من تفتيت العراق وما يترتب عليه من إنعاش التنظيمات الإرهابية مرة أخرى في تلك المنطقة.

الحلم بدولة مستقلة يسكن أجيالا من الأكراد

وفي وقت سابق أكدت كل من إيران وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي رفضها لاستفتاء إقليم كردستان وانفصاله عن العراق، وأبدت هذه الدول قلقها من تأجيج التوتر في منطقة الشرق الأوسط جراء الإقدام على إجرائه.

واعتبر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي استفتاء أكراد العراق على الانفصال غير دستوري، وأكد أن الإقليم جزء من العراق ومن مصلحة الأكراد الأمنية والاقتصادية البقاء معه. هذه المواقف قابلها مسعود البارزاني رئيس الإقليم بتصريحات حادة، أطلقها الأربعاء الماضي، وشدد فيها على أن زمن التهديد ‏والوعيد في التعامل مع الحقوق العادلة لشعب الإقليم قد انتهى. وأن هذا الشعب لا يقبل لغة التهديد والوعيد من أي كان.

لست مع الانفصال الآن

أما في ما يتعلق بوجهة نظر ياسين الشخصية فقد تبنى وجهة نظر أكثر عقلانية من تلك التي ذهب إليها رئيس الإقليم، إذ أنه اعترف بوجود ضغوط كبيرة على الإقليم تثنيه عن الذهاب باتجاه الانفصال في الوقت الحالي، وأن تلك الضغوط والتهديدات قابلة للتنفيذ من خلال قطع الموارد المائية والاقتصادية والنفطية عنه من قبل دول الجوار، غير أنه شدد أيضا على أن النضال الكردي من أجل تحقيق حلم دولته لن يتوقف حتى وإن تأخر قليلا.

ولم يقف موقف ياسين عند هذا الحد، بل شدد على ضرورة أن يكون الانفصال بتوافق سياسي كردي عراقي، ورفض اتخاذ مواقف أحادية من جانب الإقليم من دون أن يكون هناك حوار عراقي بشأنها، وهو ما أرجعه إلى حتمية احترام المواطنين الأكراد الذين وافق 70 بالمئة منهم على الدستور العراقي في عام 2005، وهو ما يُعد بمثابة عقد أخلاقي اجتماعي دستوري بين الدولة والشعب الموجود تحت مظلتها.

واشنطن تعارض الانفصال الكردي لأنها تريد بقاء الأكراد كعامل توازن بين شيعة وسنة العراق حتى لا تفقد نفوذها

ويعول السياسي الكردي على تأثيرات الفاعلية الكردية في حملات تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش باعتبارها رأس حربة قوات سوريا الديمقراطية وأحد الأطراف الفاعلة داخلها، من خلال إحداث تغيرات في مواقف البلدان الغربية تختلف عن مواقفها الحالية من الانفصال، خاصة وأن القوات الكردية قامت بالدور ذاته في مواجهة تلك التنظيمات داخل العراق أيضا.

كما أنه رأى أن الدبلوماسية تعد مفتاح الحل بالنسبة إلى كل الأزمات السياسية، وهو ما يتضح من خلال تأكيده على علاقات حزبه القوية مع القوى الكردية الحزبية المعارضة في إيران، بجانب حرصه على إقامة علاقات مماثلة مع الدولة الإيرانية باعتبارها دولة مجاورة للإقليم.

يؤمن القيادي بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بأن عملية الاستفتاء المزمع إجراؤها في 25 سبتمبر المقبل لن تكون المحدد الرئيسي لمستقبل الدولة الكردية.

ويوضح أنه في حال إجراء الاستفتاء من عدمه وأيا كانت نتيجته، فإن ذلك لن ينفي وجود تخوفات داخل الإقليم من مرحلة ما بعد تنظيم داعش، وأن تلك التخوفات ترتبط بعدم حصول الإقليم على حقوقه السياسية داخل التركيبة السياسية الجديدة للدولة العراقية.

وجهة نظر الملا ياسين هذه تتوافق مع تصريحات سابقة أطلقها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، أكد فيها أن الأكراد لن يعلنوا دولتهم بمجرد ظهور نتائج الاستفتاء المعروفة سلفا، حيث سيُجمع الأكراد على مسألة الانفصال وإقامة الدولة.

وبالرغم من الرفض الدولي والداخلي لإجراء الاستفتاء في هذا التوقيت تحديدا، إلا أن ياسين يتوقع أن يتم في موعده من دون تأجيل، ويحذر من خطورة التأجيل بحجة وجود مشكلات قانونية ودستورية ودولية تحول دون الإقدام عليه.

تركيا تعلم أن أي دولة للأكراد بالمنطقة ستكون على حساب اقتطاع أجزاء من أراضيها لذلك تعارض الاستفتاء

عقبات أمام الاستفتاء

ويشار إلى أن اجتماع الأحزاب السياسية في إقليم كردستان باستثناء حركة التغيير والجماعة الإسلامية اللتين قاطعتا الاجتماع، قد قرر في السابع من يونيو الماضي برئاسة البارزاني تحديد يوم 25 سبتمبر المقبل موعدا لإجراء استفتاء انفصال الإقليم عن العراق.

ياسين فند طبيعة الموقف السياسي لحزب الاتحاد الوطني من إجراء الاستفتاء في ذلك الموعد، وشدد على ضرورة أن يكون هناك اعتراف دولي به، وأن يكون ذلك وفق إجماع جل المكونات الكردية الداخلية، على أن يجرى في وقت يتم فيه تفعيل البرلمان المعطل حاليا، والسعي إلى اقتناص أكبر قدر من التأييد الدولي له.

هذا الاستفتاء المرتقب يواجه معارضة خارجية وداخلية كبيرة، إذ أن دولتي تركيا وإيران صعّدتا خلال الأيام الماضية لهجتهما السياسية الرافضة له، وأيضا ترفض حركة التغيير والجماعة الإسلامية، (وهما حزبان كرديان يملكان نحو ثلث مقاعد برلمان الإقليم المعطل) إجراء الاستفتاء “إلا إذا تم وفق تشريع يصدره برلمان الإقليم”، ويشترك الحزبان مع الاتحاد الوطني الكردستاني في مطالبة البارزاني بتفعيل برلمان إقليم كردستان قبل إجراء الاستفتاء.

رئيس الإقليم أصدر الأربعاء مرسوما حدد فيه الأول من نوفمبر موعدا لإجراء انتخابات برلمان كردستان ورئاسة إقليم كردستان، وكانت آخر انتخابات برلمانية شهدها الإقليم قد جرت في 21 سبتمبر عام 2013 وانتهت رئاسة البارزاني له في أغسطس عام 2015 وسط معارضة قوى وأحزاب كردية ترشحه للرئاسة لولاية ثالثة.

البارزاني منع رئيس البرلمان الكردي يوسف محمد، من حركة التغيير، من دخول أربيل، ما تسبب في تعطيل عمل المجلس التشريعي للإقليم منذ أشهر.

غير أن الملا ياسين أكد أن ذلك الخلاف لا يتعارض مع الموقف الكردي الموحد والراغب في الانفصال، بل هو مجرد خلاف حول توقيت وآلية إجراء الاستفتاء، وبالتالي فإن القدرة على الحشد للاستفتاء لن تتأثر، لافتا إلى أن بعض أبعاد الأزمة يرتبط بالرغبة السياسية لدى القائمين على إدارة الإقليم بالقفز على الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعانيها الإقليم في الوقت الراهن.

وتأسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975، عقب هزيمة الأكراد في الحرب الكردية العراقية، وبحسب ياسين فهو حزب يساري أو شبه ليبرالي يؤمن بعلمانية الدولة والنظام وكان يؤمن بالثورة الكردية المسلحة ضد الدولة العراقية إلى أن تمتعوا بالحكم الذاتي. وساهم الحزب في تأسيس أول حكومة كردستانية وكذلك البرلمان في عام 1992، وهو واحد من القوى الكردية المشكلة للحكومة الحالية.

ويعد فؤاد معصوم الرئيس العراقي الحالي أحد الأعضاء المؤسسين للحزب وهو عضو مكتبه السياسي، فيما يشغل الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني منصب الأمين العام للحزب، وهو أيضا الذي أسس مكتب الاتحاد الوطني الديمقراطي بالقاهرة عام 1997، بمشاركة رئيس المكتب الحالي الملا ياسين رؤوف.

كاتب مصري

12