الملتقى الدولي للشعر في القاهرة يستبعد الشعراء الجدد

رغم تناقص أعدادها بشكل كبير مازالت تنعقد سنويا بعض الملتقيات الخاصة بالشعر العربي، تناقش قضاياه وتقدم تجارب شعرية مختلفة، لكن بقيت أغلب هذه التظاهرات متكلّسة في أساليب عمل قديمة متجاهلة للتطور الحاصل سواء في مفهوم قراءة الشعر أو حتى في التجارب الشعرية المقدمة التي تتجاهل غالبا كل ما هو جديد ومعاصر.
الجمعة 2016/12/02
ختام الملتقى أثار انتقادات واسعة

شهدت الأوساط الثقافية جدلًا محتدمًا حول الدورة الرابعة من الملتقى الدولي للشعر العربي بعنوان “ضرورة الشعر- دورة محمود حسن إسماعيل ومحمد عفيفي مطر”، والذي عُقِد على مدى 4 أيام، واختتمت فعالياته مساء الأربعاء الماضي، بمشاركة 13 دولة و65 شاعرًا من مصر ودول عربية أخرى.

انسحابات قبلية

قبل بدء المؤتمر بأيام، أعلن عدد من الشعراء اعتذارهم عن حضور الملتقى، عُرف منهم المصريون عبدالمنعم رمضان وجمال القصاص وفاطمة قنديل، واللبناني عباس بيضون والسوري علي أحمد سعيد (أدونيس) وآخرون غيرهم من مصر والعالم العربي، كما رشح إلينا من إدارة المهرجان، وعللوا رفضهم تلبية الدعوة بما اعتبروه سياسات يتبعها الملتقى تتمثل في الإصرار على تقديم الوجوه الشعرية الكهلة في مشهد الملتقى وتحكمها في مساراته واستبعاد وجوه أخرى تمتلك موهبة شعرية ذات حساسيات جديدة لا تؤمن بها تلك الأجيال المهيمنة على فعاليات الملتقى.

الشاعر المصري عبدالمنعم رمضان علل اعتذاره عن المشاركة في الملتقى بأنه غير معبّر عن مآلات الحركة الشعرية في مصر والوطن العربي وإنما يعبر عن انهيار مؤسسات الثقافة، فيما أعلن الشاعر المصري جمال القصاص اعتذاره عن المشاركة احترامًا لروح الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر الذي كان يستحق الجائزة في دورات الملتقى السابقة ولم تمنح له، كما أعلن رئيس هيئة الكتاب السابق أحمد مجاهد اعتذاره عن المشاركة تضامنا مع الكاتبة فاطمة قنديل التي رُفض بحث لها عن قصيدة النثر.

من جانبه، أوضح الناقد المصري محمد عبدالمطلب، مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، أن الملتقى شهد حضورًا كثيفًا من الشعراء المصريين والعرب، وأن نسبة المعتذرين لم تؤثر على المؤتمر لأنها لم تتجاوز 9 بالمئة من المدعوين للملتقى، لافتًا إلى أن المعتذرين هم أنفسهم الذين اعتذروا في الدورات الماضية من الملتقى.

عدد من المثقفين المصريين انتقد فوز أبوسنة بالجائزة، معتبرين أن هذا الفوز كان متوقعًا خصوصًا أن أبوسنة أحد أعضاء لجنة الشعر

الملتقى ذاته لم يسلم من الانتقادات في دوراته السابقة، فبينما حصل الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش على جائزة الملتقى في دورته الأولى عام 2007، أعطى الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي الجائزة لنفسه في الدورة الثانية من الملتقى عام 2009، وهو ما أثار الاستياء في الأوساط الثقافية آنذاك، بينما شهدت الدورة الثالثة انتقادات وانسحابات أيضًا بسبب استبعاد الكثير من الأسماء الشعرية الهامة من المشاركة، لتبلغ الانتقادات والاعتذارات أوجها في الملتقى لهذا العام لما شهده من هيمنة جيل الستينات من القرن الماضي وما تلاه على مقاليد المؤسسة الثقافية بكل ما يحمله هذا الجيل من حساسيات تجاه الأشكال الشعرية الجديدة وعلى رأسها قصيدة النثر.

مستقبل من الماضي

الكثير من علامات الاستفهام برزت خلال هذه الدورة من الملتقى خصوصًا مع التجاهل الكبير للأجيال الشعرية الجديدة، واستبعاد شعر العامية بشكل واضح، إلى الحد الذي جعل عددا من منظمي المؤتمر يهددون بالاستقالة حال فوز شاعر العامية المصري سيد حجاب بجائزة الملتقى، معتبرين أن شعر العامية لا يرقى إلى المنافسة، فضلًا عن حديث الشاعر الستيني أحمد عبدالمعطي حجازي عن قصيدة النثر وقوله “إنها تحتاج إلى عمل أكثر ونشاط في الإبداع والنقد حتى تصل إلى القارئ، وعندها تستطيع أن يكون لها جمهور وممثلون، وبطبيعة الحال تفرض نفسها على أي ملتقى أو مهرجان”.

وشهد الملتقى عددا كبيرا من الأمسيات الشعرية فضلًا عن مناقشة لعدد من المحاور منها “ضرورة الشعر”، “تراسل الشعر العربي المعاصر مع الفنون الأخرى”، “كيف نتلقى الشعر في زمن تحولات القصيدة”، “التناص الثقافي في القصيدة الحديثة”، وغير ذلك من المحاور. وتحدث عدد من المشاركين في الجلسات الأولى للملتقى عن وضع الرواية الآن وهيمنتها على الساحة الأدبية في مقابل تراجع الشعر، ليتحول الحديث عن “ضرورة الشعر” إلى حديث آخر عن أهمية الرواية ودورها، وهو ما عبّر عنه الناقد عبدالسلام المسدي الذي أوضح أن الشعر العربي يجر أثقال الماضي.

أما الرواية فتنأى بنفسها عن عتبات السلطان، ما أدى إلى المراجعات الفكرية في مجال الإبداع، فيما طالب الشاعر محمد علي شمس الدين بتجنب المقارنة بين الشعر والرواية في الملتقى قائلًا “إذا كانت الرواية هي فن العصر فلماذا جئنا إلى هنا؟”.

وفي مائدة مستديرة بعنوان “مستقبل الشعر” تحدث عبدالمعطي حجازي عن التنبؤات بموت الشعر منذ القرن الثامن عشر، والتي لم تتحقق إذ صار الإنسان المعاصر أكثر ارتباطا بالشعر لما يمثله من تجسيد لقيمة الحرية في أسمى معانيها، فيما أكد عزالدين المناصرة على ضرورة استمرار كل أنواع الشعر من الشعر التقليدي إلى شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر.

الانتقادات والاعتذارات بلغت أوجها في ملتقى هذا العام لما شهده من هيمنة جيل الستينات وما تلاه من الكلاسيكيين

كما أشار الناقد حسين حمودة إلى أن ازدهار الشعر يرتبط بالأوضاع الاجتماعية والسياسية المختلفة، فيما أوضح الشاعر علي جعفر العلاق في كلمته أن الخلود في الشعر يبقى ظاهرة ملموسة نشعر بها عندما تمر بنا خبرات وجدانية وحياتية معينة.

وشهد الملتقى مناقشات حول التحولات التي شهدتها القصيدة منذ نهاية الأربعينات من القرن الماضي حتى الآن، إذ أوضح الناقد حامد أبوأحمد أن القصيدة العربية لم تتوقف في تحولاتها منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، ففي أواخر الأربعينات انتشرت قصيدة التفعيلة ثم في السنوات التي تلت تلك الفترة تطورت على يد جماعة الرواد في مصر والعراق ولبنان، إلى قصيدة التفعيلة المختلفة شكلاً ومضمونًا.

ثم تطورت إلى شعر السبعينات الذي مثله في مصر جيل كامل بدا متأثرًا بهذه الحركة العالمية، ثم قصيدة النثر ذات الطابع العالمي أيضًا التي ما زالت قائمة إلى الآن وفاعلة في كل أنحاء العالم العربي، مع ما تخللها من أنماط جديدة مثل قصيدة الومضة وقصيدة الإبيجرام، وهو ما يحتاج جهودًا نقدية كبيرة لمواكبة هذا التطور الإبداعي.

التكهنات حول الفائز بالجائزة بدأت باكرًا هي الأخرى، فتوقع الكثيرون من الأوساط الثقافية أن يكون الفائز واحدًا من ثلاثة شعراء مصريين هم سيد حجاب ومحمد إبراهيم أبوسنة وحسن طلب، لتتحقق التكهنات في اليوم الأخير من الملتقى الذي أعلن فيه فوز الشاعر المصري إبراهيم أبوسنة بجائزة الملتقى وقيمتها 100 ألف جنيه أي ما يعادل 6 آلاف دولار تقريبًا.

وقال أبوسنة في كلمته خلال ختام ملتقى الشعر “أقدم الشكر للشعر الذي حملني إلى هذه المنصة، الشعر ليس ديوان العرب فقط، بل ديوان الإنسانية لأنه النبض الجميل، ولكن يظل الشعر هو الأول بين فنون الإبداع، أقول لكم إنني في هذه اللحظة أتمنى أن تكون الجوائز في المستقبل من حظ الذين أخلصوا إلى القصيدة مثلما أخلصت لها، فلم أكن أطمح مطلقًا في حياتي لشيء غير إجادة القصيدة”.

وانتقد عدد من المثقفين المصريين فوز أبوسنة بالجائزة معتبرين أن هذا الفوز كان متوقعًا خصوصًا أن أبوسنة أحد أعضاء لجنة الشعر، وغالبا ما يتم منح الجائزة للأعضاء، كما أن اسم الفائز بالجائزة هو جزء من ترتيبات المؤتمر ككل الذي غلبت عليه العلاقات الشخصية.

15