الملتقيات التشكيلية العربية.. ماذا بعد

الأربعاء 2017/05/10

يبدو أن ثمة ظاهرة غدت مكرسة، وتتعلق بإقامة ملتقيات وتظاهرات معنية بالفنون التشكيلية في العديد من البلدان العربية، ملتقيات كهذه غالبا ما تدعو إليها أو تديرها وتشرف على تنظيمها منظمات مجتمع مدني.

تقام مثل هذه الملتقيات التشكيلية إما في العواصم وإما في المدن ذات الصبغة السياحية؛ في بلدان مثل المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان وبعض دول الخليج العربي، حيث تتم استضافة عدد محدد من الفنانين العرب، والقليل من الفنانين الأجانب، لإقامة ورشات لفن الرسم والنحت والخزف والفنون البصرية…، في أماكن محددة؛ في فضاءات فنادق سياحية كبيرة ومنتجعات سياحية وفضاءات معينة في المدينة المستضيفة، لتتم بعد ذلك إقامة معرض فني عن الأعمال التي أنجزت في تلك الورشات.

وبعض تلك المعارض تقام في قاعات العرض، وتُعرَض الأعمال الفنية ليتم اقتناؤها بمقابل، يذهب ريعه إلى الجهة المنظمة. يعلل أصحاب المنظمات التي تدير هكذا تظاهرات، بكون مشروع الملتقيات هذه، والذي يحمل عناوين تستبطن الاهتمام بالفن العربي أو تدعو إليه، مناسبة للتواصل مع الفنانين العرب فيما بينهم، والالتقاء والتعرف على تجارب بعضهم البعض، والانفتاح على تجارب فنية مختلفة عبر استضافة فنانين أجانب، وتنشيط المكان المستضيف فنيا وثقافيا، حيث تنتهي مثل هذه الملتقيات بعد زمن لا يتجاوز العشرة أيام، توثقه مطوية تذكّر بالنشاط الفني، بطريقة إخراج طباعي متواضعة، تحمل صور المشاركين وأعمالهم المنجزة.

تستدعي مثل هذه الملتقيات التي باتت ظاهرة لافتة في المشهد التشكيلي العربي، أسئلة أبعد من تلك التذكارات الهانئة التي سيحملها الفنانون المشاركون فيها بعد انتهاء التظاهرة، والتعليلات الخافتة التي يدلي بها منظموها. إنها تلك التي تتعلق براهن الفن العربي، وبإشكاليات ما زالت عالقة به، لجهة كون هذه الملتقيات تبدو حاضرا، جانبا من صورته أو أحد خياراته الراهنة والمتاحة.

حتى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي كان كل من العراق ومصر والكويت والمغرب والإمارات العربية تشهد معارض فنية عربية كبيرة، بدعم مؤسساتي رسمي، تكون فيها مشهدية الفن العربي حاضرة بقوة، من خلال تجارب وتوجهات فن راسخة، تحرّض على قراءة ملامح أساسية تسعى لتأطير وتأصيل موضوعات هذا الفن، وتفسير انشغالاته الجمالية ودوافعها الثقافية والفكرية.

تضاءل مثل هذا الاهتمام بتلك المعارض الكبيرة منذ بدايات العشرية الأولى، وانكفأت معه رهانات ومشاريع فنية وتصورات نقدية تقويمية، لجهة إقامة معارض مختلفة ومغايرة، تتمثل في بينالات ومعارض ذات طابع دولي مثل “آرت دبي، آرت أبوظبي، آرت بيروت”، والتي سيتم الإشراف على تنظيمها قيمو فن ومنسقون من دول أجنبية، لا يحظى خلالها الفن العربي والفنانون العرب إلا بهامش حضور شديد التواضع.

لا شك في أن فاعلية الفن العربي اليوم هي نتاج الواقع العربي المأزوم والمتشظّي اجتماعيا وسياسيا، الواقع الذي حيّد الفعل الفكري والإبداعي والثقافي، جراء النظر والتعامل معه بوصفه نتاج قلة لا يخلو من اهتمامات نخبوية، أسقطت انشغالاتها قسرا على هكذا واقع، بات يرى بدوره أن مثل هكذا ممارسات تكاد تكون طارئة وبطرة.

لا فن يمكن النظر إليه بشغف والتعلق بحريته وابتكاراته الخلاقة خارج واقعه الأصيل. ربما ليس غريبا أو مفاجئا أن تتداول وتكرس عبارات تشكك بوجود فن عربي، وفي العديد من المقالات والكتابات، بل وتعاينه كممارسة هجينة ولغة صورية تمت استعارة مفرداتها من الآخر الغربي.

ليس من ذنب لهذه الملتقيات التشكيلية، إلا لكونها قد وجدت في زمن يخلو من تقدير للهوية الجمالية وتثمينها، خاصة في غياب مشاريع ثقافية راسخة ومتطلعة، للمؤسسة الثقافية العربية الرسمية التي يبدو أنها أوكلت الكثير من مهماتها وأهدافها، بذريعة الدعم الثقافي، إلى منظمات مجتمع مدني.

وإن فقر انشغالات الأخيرة، سواء باهتماماتها النظرية والعملية، ومحدودية خياراتها المتبناة، أو بوجودها على هامش الإشهار السياحي في الأماكن التي تقام فيها عروضها، لا يجعلها سوى بديل عن غياب، وليست إضافة لحضور وتعزيز ممارسة أصيلة وحضارية، عنوانها “الفن العربي”.

كاتب عراقي

14