الملحن الملاكي والناقد الخصوصي

الأربعاء 2016/05/25

كان عبدالحليم حافظ يرتبط بعلاقة فنية وثيقة مع الملحن محمد الموجي الذي كان له الفضل في تقديمه للمرة الأولى إلى عالم الغناء من خلال أغنيته “صافيني مرة” التي ذاع صيتها في ما بعد، وكان عبدالحليم والموجي وكمال الطويل يشكلون ثلاثيا فنيا شابا، فقد كانوا متقاربين في العمر، متفقين في المشارب والأهواء، تجمعهم الرغبة في تجديد دماء الغناء في تلك الفترة من أوائل الخمسينات، وقد صعدوا معا، وظل الموجي والطويل في خانة التلحين، قانعين بإيصال ألحانهما إلى الجماهير في مصر والعالم العربي، بواسطة صوت وأداء عبدالحليم حافظ.

ومع ذلك، فعلاقة عبدالحليم بالموجي شابها التوتر في مرحلة ما، بعد أن اشتهرا، ووقعت القطيعة بينهما، واتجه عبدالحليم إلى ملحنين غير الموجي، وتبادلا الهجوم علانية في وسائل الإعلام، واستمر التراشق الكلامي بينهما لسنوات.

وكان مبرر عبدالحليم في الخروج من تحت عباءة الموجي والتمرد عليه، ما قاله عن رغبته في التجديد، أما الموجي فاشتكى من أن عبدالحليم أراده أن يكون بمثابة “الملحن الملاكي” أي الخصوصي له، لا يلحن لغيره، وقد شعر بالغيرة والغضب عندما منح الموجي بعض ألحانه المميزة لغيره من مطربي ذلك الزمان.

كان مبرر الموجي مفهوما بالطبع، لكنه لم يكن مقبولا من جانب عبدالحليم الذي أراد أن يحتكر من يعملون معه، كما فعل في ما بعد على نحو ما، مع كاتب أغانيه لعدة سنوات، محمد حمزة، وملحنه الخاص لفترة ما بعد انقطاع علاقته بالموجي، أي بليغ حمدي.

عادت العلاقة الفنية بين الموجي وعبدالحليم بعد أن تم الصلح بينهما، ومضى الموجي يلحن لعبدالحليم أجمل أغانيه ومنها القصيدتان الشهيرتان لنزار قباني اللتان غناهما عبدالحليم في المرحلة الأخيرة من حياته “رسالة من تحت الماء” و”قارئة الفنجان”. وقد لحن الموجي لعبدالحليم طوال حياته الفنية 54 أغنية من أفضل ما قدمه المطرب الذي رحل عن حياتنا مبكرا.

ومن عصر الملحن الملاكي، أو الخصوصي، انتقلنا الآن إلى عصر “الناقد الملاكي”، الذي لا يكتب سوى عن أفلام مخرج معين، بالإشادة والمديح والتمجيد والتعظيم، مهما قدم هذا المخرج، ومهما كان مستوى أفلامه، فقد أصبح هناك ذلك الارتباط الشرطي بين الناقد الخصوصي وصديقه المخرج، وخرج الناقد بذلك عن دوره، ليصبح أقرب إلى ما يكون إلى “مطيباتي أفلام” بدلا من “ناقد أفلام”، والمقصود نقل صورة إيجابية دائما للجمهور عن أفلام ذلك المخرج، بغض النظر عن مستواها.

ولعل القارئ يتذكر الدور الذي قام به فريد شوقي في فيلم “السقا مات” لصلاح أبوسيف، وهو دور “مطيباتي جنازات” تلك المهنة التي كانت موجودة في الأحياء الشعبية المصرية في الماضي، وتتلخص في أن يسير “المطيباتي” أمام الجنازة وهو يرتدي البذلة السواء والطربوش، ويأخذ بين آونة وأخرى، في الترحم بصوت مسموع على “المرحوم”، وكان يتم استئجار هذا المطيباتي “المحترف” خصيصا للقيام بالدور المطلوب في شحن حماس المشيعين، بعد دفع “المعلوم” له!

أما الناقد المطيباتي أو الملاكي، فقد أصبح لا يتحرك إلاّ في حضور المخرج، وعندما توجه الدعوة إلى صديقه المخرج للمشاركة في لجنة تحكيم مهرجان سينمائي ما، يصر على ضرورة استدعاء صديقه الناقد الخصوصي، لكي يشترك معه في عضوية اللجنة.

وأصبح الناقد يفخر علانية في كتاباته دون أدنى خجل، بعلاقته بالمخرج، بعد أن جعل من نفسه “مروجا” لأفلامه، وناطقا بلسانه أحيانا، بالباطل في معظم الأحيان.

ولا شك عندي أن دور مطيباتي الجنازات، أكثر فائدة كثيرا من دور مطيباتي الأفلام، فالأول كان يمارس “الكذب الرشيق”، أو لعله وهو يترحم على الأعمال “المجيدة” للراحل، حتى لو لم يكن لها وجود، كان يتمثل الحديث الشريف “أذكروا محاسن موتاكم”، أما الناقد الخصوصي، فربما يكون قصارى ما يرمي إليه “حب الظهور”، ولو في ركاب مخرج مشهور!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16