الملفات الملغومة في درب سليمان فرنجية الرئاسي

الجمعة 2015/11/27

لا زال الوضع غائما في ما يخص موضوع رئاسة الجمهورية اللبنانية على الرغم من كل ما قيل ويقال عن قرب التوصل إلى انفراج في هذا الملف ورسو سفينة التسويات المرعية إقليميا ودوليا على اسم سليمان فرنجية رئيسا توافقيا.

يحول دون وصول فرنجية إلى سدة الرئاسة عدة أمور على قدر كبير من الحساسية والخطورة؛ فجمهور المستقبل خاصة و14 آذار عامة يعتبر فرنجية مشاركا في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولازالت النعوت القبيحة التي أطلقها عليه قبل اغتياله ترن في أسماع هذا الجمهور، وتساهم في خلق نفور كبير من سليمان فرنجية بشكل يمكن فيه القول إن وصوله إلى سدة الرئاسة يعتبر إهانة شخصية وعاطفية قبل أن تكون سياسية لهذا الجمهور.

نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري قال في مقابلة تلفزيونية، مؤخرا، إن سليمان فرنجية لو خيّر بين قطع علاقته مع الأسد وبين رئاسة الجمهورية لاختار الإبقاء على علاقته بالأسد. يدل هذا التوجه على أن فرنجية لا يمكن بأي شكل من الأشكال، وضمن أي تخريجة، أن يكون في نظر الجميع سوى رئيس أسدي في لبنان. لا يمكن للتنظيرات التي تروج لإمكانية اعتباره رئيس مرحلة ما بعد الأسد أن تلغي هذا الواقع أو تخفف من ثقله.

إذا كان من الممكن أن يكون رئيس مرحلة ما بعد الأسد، فهل يعني ذلك أنه من المقبول أن يسقط الأسد في سوريا، ويمنح بعدها رئاسة لبنان بالوكالة المطلقة التي توازي الأصالة كجائزة ترضية ما.

الملفات التي لا يمكن تجاهلها والمتعلقة بالموقف من سلاح حزب الله وقانون الانتخابات، تشكل العقبات التي لا بد من تذليلها قبل التوصل إلى أي تسوية جدية. ما لا يبدو مفهوما هو هل يستطيع فرنجية اتخاذ موقف واضح من سلاح الحزب يعتبر فيه أنه يجب وضعه تحت إمرة القوى الأمنية الشرعية، وأن يجبره على السير فيه.

سلاح حزب الله بصدد فقد كل ساحاته سواء تلك المتعلقة بالصراع مع إسرائيل، أو بمشاركته في حرب الأسد ضد شعبه، فلماذا لا تترك له مهمة تدبير شؤون تحولات صفة السلاح من ميزة تتيح له التحكم بالساحة اللبنانية إلى عبء يقع على عاتقه مهمة حله. الحزب لا يستطيع العودة من سوريا وفتح معركة مسلحة في لبنان لأنه لا يستطيع التحكم بها من ناحية، ولأنه لا يستطيع تحديد أعدائه بدقة من ناحية ثانية. المعركة في حال قرر حزب الله العائد من سوريا فتحها في لبنان ستكون في قلب بيئته، ولكن المشاركين فيها ضده لن يكونوا أطرافا لبنانية فقط.

من هنا تكون مسألة سلاحه مشكلة خاصة به ولا يُفهم وضعها في إطار التفاوض، والسعي إلى اعتبارها ملفا حاسما في موضوع المقايضات التسووية التي يكثر الحديث عنها الآن.

النقطة الثانية تتعلق بقانون الانتخابات حيث اجتهد الجنرال عون منذ فترة، ووقف معه حزب الله، في الترويج لطرح قانون انتخابات على أساس النسبية، واعتبار هذا القانون هو القانون الوحيد الذي يضمن حقوق المسيحيين خاصة، وجميع المكونات اللبنانية بشكل عام. الجنرال كان ينطلق من قراءة مفادها أن حلفه مع المكون الشيعي الذي لا تمايزات في صفوفه، والذي يحكم السيطرة على مناطق نفوذه ستضمن أكثرية نيابية، يمكن بعدها إيصاله إلى سدة الرئاسة بسهولة.

قانون النسبية مرفوض بالنسبة لتيار المستقبل وقوى 14 آذار ولازال قانون الستين هو القانون المقبول بالنسبة إليهم. سليمان فرنجية عليه تعهد تمرير قانون الستين كشرط لوصوله إلى سدة الرئاسة، وهو ما سيضعه في مواجهة مباشرة مع الجنرال عون في حال تعهد بذلك.

مأزق التسوية بالنسبة إلى تيار المستقبل يكمن في أنها ستضعه في مواجهة مع جماهيره ما لم تسفر التسوية عن نتائج مباشرة وواضحة، يمكن الترويج لها في أنها تصب في صالح التيار ما سيسمح بالتغطية على نفور الجمهور من شخص فرنجية.

انتخاب فرنجية من ناحية أخرى سيضع تيار المستقبل في مواجهة مع المكون المسيحي الأبرز الذي يتشكل من ثنائية عون جعجع، حيث سيجد كل من التيار العوني وحزب القوات اللبنانية نفسيهما خارج المعادلة ما سيضع تيار المستقبل في إطار تجاهل القوى المسيحية، وفرض رئيس خارج شبكة مواصفات الرئيس القوي تمثيليا. فرنجية يعد ضمن دائرة المسيحيين الأربعة الأقوياء الذين كان هناك اتفاق مبدئي على أنهم جميعا سيقبلون بوصول أي واحد منهم إلى سدة الرئاسة. والشخصيات المسيحية الأربعة هي، كما بات معلوما، عون وجعجع وأمين الجميل وسليمان فرنجية. هذا التوافق لا يبدو أنه لازال مقبولا بعد أن أدى الحديث عن ترشيح المستقبل لفرنجية الذي حدث دون استشارة الحلفاء المسيحيين في 14 آذار وخصوصا الدكتور جعجع، إلى بروز ثنائية مسيحية تتألف من عون وجعجع، تطرح عنوان حقوق المسيحيين. هذا الجو يشي باحتمال أن يؤدي انتخاب فرنجية إلى عودة خطاب الإحباط المسيحي إلى الظهور بقوة كما كان الحال في التسعينات.

ربما يكون الجيش الأسدي قد خرج من لبنان لكن ملائكته التي تتقمص ثوب الرؤساء التوافقيين لا زالت هنا، واسمها الحركي الآن هو سليمان فرنجية.

7