الملف المالي يؤجج الخلافات داخل حركة النهضة الإسلامية

تعيش حركة النهضة الإسلامية على وقع خلافات مالية، لا يستبعد مراقبون أن تزيد في الشرخ السياسي والتصدع التنظيمي، اللذين قد يدفعان إلى حدوث انقسامات أو انشقاقات داخل هذه الحركة.
الاثنين 2016/10/03
هدوء يسبق العاصفة

تونس- تُواجه حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي موجة جديدة من الخلافات الداخلية تُعتبر الأخطر في سلسلة الخلافات التي عرفتها خلال السنوات الخمس الماضية، وهي مُرشحة لأن تتحول إلى أزمة قد تُهدد تماسكها التنظيمي بالنظر إلى ارتباطها بملف حساس ألا وهو الملف المالي الذي كان سببا في انقسام عدد من التنظيمات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

ولأن حركة النهضة الإسلامية ليست بمنأى عن الخلافات والهزات التي عرفتها التنظيمات التي تدور في فلك التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، عاد الملف المالي ليُلقي بظلاله على التطورات التي تشهدها حركة النهضة، وأصبح واحدا من الملفات الحادة التي عقدت الخلافات داخل هذه الحركة التي تُعاني أصلا من خلافات سياسية وأخرى تنظيمية.

وبحسب مصادر مُقربة من مجلس شورى حركة النهضة، فإن عددا من القيادات التاريخية التي تم استبعادها من الهيئات السياسية مثل المكتبين التنفيذي والسياسي، عادت للحديث مُجددا حول الملف المالي، مُطالبة راشد الغنوشي بالكشف عن حقيقة الوضع المالي للحركة، والتدقيق فيه، وسط اتهامات مباشرة للغنوشي بالهيمنة على الموارد المالية للحركة، وتوظيفها بما يتلاءم مع خططه الشخصية لإحكام سيطرته على حركة النهضة.

وبدأ حديث الخلافات حول الملف المالي يتصاعد بشكل تدريجي، حيث خرج من الدوائر المُضيقة لحركة النهضة الإسلامية، إلى العلن من خلال تعليقات هنا، وتشكيات هناك، وانتقادات خجولة حينا لطريقة إدارة وتصرف راشد الغنوشي في المقدرات المالية للحركة، وأخرى عنيفة عكستها مواقف متباينة لعدد من القياديين البارزين في هذه الحركة.

مصطفى التليلي: النهضة تعمل بطريقة الجماعة، ومازالت تخضع لآليات العمل السري

ويُعتبر الملف المالي الذي يُرجح المتابعون للتطورات الداخلية لحركة النهضة الإسلامية أن يتحول إلى عقدة جديدة تتمحور حولها الخلافات النهضاوية، واحدا من أبرز وأخطر الملفات التي قد يتسبب فتحها في زعزعة تماسك هذه الحركة، وفي تبديد أجواء التفاهم والتناغم داخلها.

وتُضفي حركة النهضة الكثير من الغموض حول هذا الملف الذي يتعلق بمالية تُوصف بالخيالية حصلت عليها حركة النهضة خلال فترة العمل السري سواء من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، أو من بعض الدول والمنظمات والجمعيات الإسلامية المنتشرة في العالم، أو من خلال الاقتطاعات من أموال الزكاة في عدد من الدول، بالإضافة إلى الأموال التي حصلت عليها خلال فترة حكمها لتونس (2011-2013) عبر هبات من العديد من الأطراف التي سعت حينها إلى محاولة تكريس الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

ويصف مراقبون عودة الحديث حول هذا الملف في هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها حركة النهضة، بالأمر الخطير، حيث اعتبر الأكاديمي التونسي الدكتور مصطفى التليلي أن إعادة طرح مسألة شفافية الملف المالي داخل حركة النهضة، تؤشر إلى عمق الخلافات التي تشهدها هذه الحركة.

وقال لـ”العرب”، إن شفافية الوضع المالي لهذه الحركة لم تعد مسألة داخلية حزبية، وإنما هي مسألة تهم الرأي العام الذي كثيرا ما طالب حركة النهضة الإسلامية بتوضيح وضعها المالي، ومصادر تمويلها، باعتبار أن الشفافية تبقى أحد أهم شروط نجاح التجربة الديمقراطية.

واعتبر أن عودة الحديث من جديد حول هذا الملف، تؤكد أن حركة النهضة الإسلامية “لم تتخلص بعد من فكر وطريقة عمل الجماعة، وفشلت في إقناع الرأي العام بأنها بدأت تتحول جديا إلى حزب سياسي مُلتزم بقوانين البلاد، وشروط العمل الديمقراطي".

ولفت الدكتور مصطفى التليلي إلى أن الرأي العام التونسي “لا يعرف ما إذا كانت حركة النهضة الإسلامية لها مالية حزب سياسي، أم مالية جماعة تخضع لشروط الشيخ، والعمل السري، كما لا يعرف مصادر تلك المالية، وكيف وأين تُصرف".

ولم يتردد في هذا السياق في القول إن كل الدلائل تُشير إلى أن هذا الملف مازال يخضع لعقلية الجماعة، والخضوع للمسؤول الأول، وبالتالي لا يُستبعد أن تزيد الخلافات حوله في الشرخ السياسي والتصدع التنظيمي اللذين قد يدفعان إلى حدوث انقاسامات أو انشقاقات داخل هذه الحركة. وفيما توقع الدكتور مصطفى التليلي أن تتسبب هذه الخلافات الجديدة حول الملف المالي في تراكم الخلافات السياسية والتنظيمية داخل هذه الحركة بما قد يُهدد تماسكها مستقبلا، يُشاطر المراقبون هذه التوقعات باعتبار أن الخلافات حول هذا الملف لم تتوقف منذ العام 2012.

وكاد هذا الملف أن يُفجر المؤتمر التاسع لحركة النهضة الإسلامية الذي عقدته في شهر يوليو من العام 2012، حيث برزت آنذاك خلافات حادة حوله لم يتمكن راشد الغنوشي من احتواء تداعياتها إلا بمساعدة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية، والداعية يوسف القرضاوي اللذين حضرا المؤتمر كضيفي شرف، حيث اقترحا ترحيل مناقشة هذا الملف إلى المؤتمر العاشر. غير أن الغنوشي استطاع خلال المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي عقدته في نهاية شهر مايو الماضي، تجاوز هذا الملف تحت شعارات وعناوين متعددة، ليعود هذا الملف ليطفو على السطح من جديد.

لكن ذلك، لم يحل دون تخفيف حدة الانتقادات والاتهامات الموجهة له، ما دفعه إلى القول الإثنين الماضي إن “هناك حملة جديدة تستهدف تشويهه، وتشويه حركته".

وتدفع كل المؤشرات المحيطة بالخلافات حول الملف المالي، باتجاه دخول حركة النهضة في أتون خلافات وانقسامات جديدة وغير مسبوقة جعلت عبدالحميد الجلاصي يقول السبت إنه “لا يوجد داخل حركته لا انشقاق ولا بوادر انشقاق، ولا حتى من يُفكر في ذلك”، وهو نفي أكد ضمنيا أن نار الخلافات داخل حركته تستعر بشدة، ولهيبها آخذ في التصاعد.

4