الملكة رانيا: الاحتكاك بالآخر ضمان لمرونة التعايش

الخميس 2015/03/05
لقاء حواري مع شباب أردني يهدف إلى تعزيز ثقافة التعايش

عمان - الحوار بين الأديان، بحثا عن المشتركات وتذليلا للاختلافات، يجب أن ينطلق من الشباب ومن المناهج التعليمية والفكرية، وهو السياق الأكثر نجاعة وفاعلية لتكريس هذه الضروب من القيم وتحويلها إلى سلوك يومي يؤدي إلى الاعتراف بالآخر واحترامه على خصوصياته. في هذا الرهان كان لقاء الملكة رانيا العبدالله، بمجموعة من الشباب الأردني وكان المبحث حوار الأديان وبناء ثقافة التعايش.

التقت الملكة رانيا العبدالله الاثنين الماضي في دارة الياسمين في اللويبدة في عمّان مجموعة من الشباب ضمن أنشطة جمعية “يارا” الشبابية للتوعية والواقعية، حيث تحدثوا عن تجاربهم وأنشطتهم في مجال حوار الأديان وبناء ثقافة التعايش داخليا وخارجيا.

واندرج هذا اللقاء ضمن دعم الملكة للشباب وتشجيعهم على استخدام الوسائل والمنابر الأفضل لإسماع صوتهم والتعبير عن رأيهم.

وجرى الحديث خلال الجلسة الحوارية التي أدارها مؤسس جمعية “يارا” الشبابية للتوعية والواقعية أمير شحادة، والتي تأسست عام 2010 بهدف إحداث تغيير حقيقي في المجتمع من خلال حملات التوعية، عن التعايش بين الأديان، والوحدة الوطنية والمواطنة في الأردن والقيم الإيجابية في المجتمع.

وأعربت الملكة رانيا عن إعجابها بجهود الشباب، مؤكدة ضرورة بناء محتوى إبداعي يحمل الوجه الإنساني للعرب والمسلمين، وإمكانية نشره، وتساءلت عن الوسائل التي يمكن أن تحفز الأفراد لبناء هذا المحتوى ونشره عبر وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي.

وقالت إن الاحتكاك هو أهم عناصر بناء التعايش والتعرف على الآخر من النواحي الإنسانية وليس من خلال الآراء الانطباعية المتناقلة دون دقة.

وأضافت الملكة رانيا في هذا اللقاء أن الأردن يُظهر دائما قيم التماسك والولاء والانتماء، وهذا ما يتوجب علينا البناء عليه في الداخل وعكس هذه الصورة خارجيا من خلال مبادرات وأنشطة تطوعية تعزز هذه القيم في مجتمعنا.

تنوع مجتمعاتنا هو واقع لا يمكننا تجاوزه، وتحقيق العدالة والتوازن هو الوسيلة الأمثل للعيش في انسجام اجتماعي

وركزت على أهمية إيجاد مجموعات لها نفس الأهداف التي يعمل عليها هؤلاء الشباب لتوحيد الرسائل، والبناء عليها بشكل مستمر ومنظم وفعال وعدم الاعتماد على التلقائية.

وتحدث الشباب عن الجوانب الروحية للأديان، وبالأخص الإسلام، بما يحمله من رسائل تسامح وسلام، وتحدثوا عن الطرق التي يمكن للعرب استخدامها للاستفادة من الإعلام في نقل الصورة الحقيقية للإسلام وإظهار قيمه السمحة.

وشرح الشباب العديد من المحاور التي اكتسبوها من خلال تجاربهم في العمل في هذا المجال داخل الأردن وخارجه.

وجرى التأكيد على أهمية استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المحتوى الإيجابي بين الشباب، بالإضافة إلى بناء مناهج تربوية تعكس هذا المحتوى وتساعد على غرسه في المراحل العمرية المبكرة.

وركز الحوار على دور الأهل في بناء ثقافة الأبناء وعكس الانطباعات الإيجابية من خلال طرق التعامل مع الآخر وإظهار القيم النبيلة التي يتصف بها الإسلام.

وكانت الملكة رانيا استمعت إلى شرح عن فكرة دارة الياسمين من مؤسسها سامي هافين، والدارة عبارة عن بيت من الطراز المعماري القديم في جبل اللويبدة، تم افتتاحها لتكون مساحة ثقافية وفنية توفر للفنانين ومحبي الفن المكان لتبادل الآراء والأفكار.

يشار إلى أن للملكة رانيا أنشطة متعددة في هذا المبحث المهتم بالتشجيع على التعايش بين الأديان، كما إظهار التجربة الأردنية في هذا المجال. وكانت الملكة قد عبرت عن رؤيتها لضرورة احترام الأديان وعدم الإساءة للإسلام والمسلمين في حوار صحفي أجرته مع دورية فرنسية في أواخر شهر يناير الماضي اختزلت فيه رؤيتها لمسألة العلاقة بين الأديان وما ينبغي أن تكون عليه.

حيث رفضت في تلك المقابلة ربط دين بأكمله وبأتباعه بأعمال أقلية واعتبرت أنه “أمر خاطئ”. وقالت أنه لا يمكن أن يتحمل 1.6 مليار مسلم المسؤولية الجماعية لأفعال هذه الأقلية التي تتعارض مع تعاليم الإسلام، الدين السمح الذي يعطي قيمة وقدسية لحياة الانسان. وعللت تصورها بالقول أن “المجموعات المتطرفة قتلت الآلاف والآلاف من الأبرياء والحقيقة أن غالبية الضحايا هم من المسلمين”.

الاحتكاك هو أهم عناصر بناء التعايش والتعرف على الآخر من النواحي الإنسانية وليس من خلال الآراء الانطباعية

وقدمت الملكة رانيا تصورها لإرساء علاقات هادئة بين الأديان والمذاهب يقوم على أنه على الدول أن “تعمل بجد لدمج الأقليات بمساواة واحترام كاملين لثقافتهم وتقاليدهم”، واعتبار أن “مجتمعاتنا هي مزيج متنوع من الأديان والأعراق والثقافات المختلفة وهذا واقع لا يمكننا تجاوزه في عصر العولمة الذي يفرض هذه الحقيقة، وتحقيق العدالة والتوازن هو الوسيلة الأمثل للعيش في انسجام اجتماعي”.

وفي سياق تقديم العلاقة الأمثل بين المسلمين والآخر قالت الملكة رانيا في الحوار نفسه، “نحن المسلمون لسنا مختلفين، لدينا نفس المتطلبات التي لدى أي شخص، نحب أولادنا ونريد الأفضل لهم، ونهتم بجيراننا، ونعمل بجد، والتجارب والتفاعلات الشخصية يمكن أن تساعد في طمس سطور الانقسام بين نحن وهم”.

وحول دور المسلمين الأوروبيين في إمكانية إعطاء تعريف جديد للعلاقة بين الدين والحداثة، وبين الدين والديمقراطية، قالت الملكة “لا أشعر أبداً أن هناك تعارضاً بين الدين والحداثة، والدين بالتأكيد لا يتعارض مع الديمقراطية”. وأكدت أن “الحداثة تعني التقدم، ولا تعني أن نتخلى عن هويتنا في تقليد أعمى لثقافات أخرى، إنها تعني التواصل مع العالم والتفاعل معه والانفتاح عليه، وهذا لا يأتي على حساب الدين أو الهوية، اعتقد أن الأردن هو خير مثال على دولة في الشرق الأوسط متجذرة بصلابة في هويتنا العربية والمسلمة، وفي الوقت ذاته تتبنى الحداثة بشكل كامل”.

بين اللقاء مع مجموعة شباب جمعية “يارا” الشبابية للتوعية والواقعية، والحوار الصحفي الأخير الذي أجرته الملكة رانيا العبدالله مع صحيفة فرنسية، يبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه شخصيات اعتبارية عربية إسلامية في تقديم الحلول لتخفيف التشنج بين المذاهب والأديان، وهو دور قد تكون له أكثر فعالية ونجاعة مما يمكن أن تلعبه دول أو أجهزة رسمية.

والثابت أن التوصل إلى علاقات متوازنة بين الأديان قوامها احترام الآخر بكل ما يعنيه من معتقدات وخصوصيات، هو أمر ممكن ومتاح شرط الإيمان بأن التشنج الراهن ناتج عن الأفهام والتأويلات لا من الأديان، وأن الاختلافات يمكن أن تكون عوامل إثراء لا قوادح حروب.

13