الملكة زنوبيا وعالم الآثار الصريع خالد الأسعد في فيلم سوري

"دم النخيل" لنجدت أنزور فيلم عن سيرة عالم الآثار التدمري الراحل خالد الأسعد الذي قال لا لداعش ومات في حبّ تدمر.
الثلاثاء 2019/07/23
قُتل وفي نفسه شيء من تدمر

يحفل التاريخ الإنساني بالمواقف التي تشكل منعطفات في تاريخ الأشخاص وأحيانا الأمم، وكثيرا ما اهتم المبدعون بهذه المواقف التي ظهرت في أعمال إبداعية مختلفة في شتى أنواع الفنون، من ذلك الفيلم السوري الذي يعدّ له حاليا المخرج السوري نجدت إسماعيل أنزور عن سيرة عالم الآثار التدمري الراحل خالد الأسعد، الذي قال لا لداعش.

دمشق -  في التاريخ السوري الحديث، يعيش الموقف الذي اتخذه مؤسس الجيش السوري، يوسف العظمة، عندما دخل الفرنسيون محتلين لبلاده، فخرج مع نفر قليل من الجنود لملاقاة الجيش الفرنسي الذي دخل سوريا من منطقة ميسلون، فكانت جملته الشهيرة عندما طلب منه البعض عدم الذهاب للقتال بحجة عدم تكافؤ القوة العسكرية، “لن أسمح، أن يسجل التاريخ، دخول محتل إلى سوريا دون قتال".

وبعد ما يقارب المئة عام يقوم سوري آخر، خالد الأسعد، عالم الآثار العالمي، ابن مدينة تدمر بنفس الفعل، وهو الذي عاش كل عمره في تدمر، متعلما لغتها الآرامية القديمة، وباحثا في آثارها وتاريخها، ومن ثم يدفع حياته ثمنا لموقف إنساني ووطني شامخ.

خلود خالد الأسعد

خالد الأسعد الذي كان مديرا لآثار مدينة تدمر لمدة تجاوزت الثلاثين عاما، كان خلالها حارسا لآثار هذه المدينة ومشاركا في تبيان تاريخها على مستوى العالم، وهو الذي شارك في العشرات من المؤتمرات والمنتديات التي كانت تتحدث عن هذه المدينة وتاريخها وحضارتها، وسمى ابنته، زنوبيا، على اسم ملكة تدمر، وبقي فيها طوال حياته التي زادت على الثمانين عاما بقليل.

وفي اليوم الثامن عشر من شهر أغسطس لعام ألفين وخمسة عشر، كان لخالد الأسعد موقف شهده العالم كله، وأحدث دويا على المستوى السياسي والدولي، بعد أن حمل إليه حدثا مميتا.

"نخيل تدمر لا ينحني" كانت آخر جملة قالها خالد الأسعد لداعش قبل أن تهوى عليه يد سياف داعش

كان الأسعد حينها أسيرا لدى قوات داعش، التي احتلت المدينة قبل أشهر، وقد عاثت فسادا في المدينة التاريخية، فدمرت بعض التماثيل القديمة وسرقت تحفا أخرى، والبعض يؤكد أنها كانت تبحث عن تحف نادرة كان الأسعد قد أخفاها في مأمن. وقد حاولت قوات داعش مرارا أن تعرف منه بالترهيب والترغيب أماكنها، لكنه لم يكشف هذا السر أبدا، لذلك قرّرت قتله، وهذا ما كان مساء ذلك اليوم.

يومها، وأمام حشد من أهالي المدينة، جيء بالعالم إلى مكان مكشوف، وتليت عليه اتهامات عديدة، حينها، طلب منه أن ينحني حين تنفيذ الحكم فرد عليهم وهو بكامل ثباته “نخيل تدمر لا ينحني”، وسرعان ما هوت يد السيّاف، لتنهي حياة رجل، كان عالما وأثريا على المستوى العالمي، وهو الذي نال في سوريا وخارجها أرفع الأوسمة.

وإثر ذلك قامت قوات داعش بصلب جسده مقطوع الرأس على عمود كهربائي في المدينة لمدة أيام، حتى تمكن عدد من الأشخاص، من التسلل ليلا، ودفن جثته احتراما لمكانته العلمية.

كان حدث قتل خالد الأسعد مدويا في العالم كله، وقد نعاه رئيس وزراء إيطاليا ووزير الثقافة فيها، الذي أمر بتنكيس الأعلام في كل المتاحف الإيطالية يومها تخليدا له. وانتقدت منظمة اليونسكو وفرنسا والولايات المتحدة والكثير من دول العالم الحادثة، واصفة ما حصل بأنه “جريمة وحشية ارتكبها همجيون”.وأمام هول المأساة التي عاشتها المدينة، والموقف الذي قام به العالم الصريع، تبدت الرغبة عند العديد من المبدعين في أن يقوموا بتنفيذ أعمال تجسد هذه الحادثة/ الحدث. ففي سوريا، وفي المؤسسة العامة للسينما، التابعة لوزارة الثقافة التي عمل فيها العالم الراحل كل حياته المهنية، قدم فيلم وثائقي طويل حمل عنوان “عاشق زنوبيا” أخرجه غسان شميط، استعرض فيه معلومات عن المدينة وبعض التفاصيل التي تخص حياة العالم وكذلك نهايته المأساوية. 

كذلك فإن المخرج نجدت إسماعيل أنزور يقوم حاليا بتصوير فيلم روائي طويل عنه بعنوان “دم النخيل” عن نص كتبته ديانا كمال الدين، وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما أيضا.

من الحياة إلى الشاشات

خالد الأسعد يدفع حياته ثمنا لموقف إنساني ووطني شامخ
خالد الأسعد يدفع حياته ثمنا لموقف إنساني ووطني شامخ

تستحضر الكاتبة في الفيلم أجواء تدمر منذ أن كانت فيها الملكة الشهيرة زنوبيا، التي يراها ويحاورها، خالد الأسعد، الطفل التدمري، وتعيش معه بعضا من الأحداث المتخيلة في تدمر القديمة، ثم تأخذ به نحو مستقبل مرغوب نحو المجد.

وفي رحلة إنسانية حضارية عاشتها المدينة والمنطقة، حسب ما يرويه الفيلم، الذي صوّر في الأماكن الحقيقية لمسرح الأحداث، قدم المخرج رصدا لما حدث في المدينة من أعمال قتل وسلب ونهب وسرقة وتدمير للآثار، وما عاناه الناس في المدينة، ثم المقاومة التي جابهت داعش، في إطار تشويقي، يقوم على توثيق ما جرى بصريا ليكون مرجعية روائية بصرية تحاكي حقيقة الواقع الذي مر على المدينة التاريخية.

الفيلم رصد رحلة إنسانية وحضارية عاشتها تدمر، وما عرفته المدينة من أعمال قتل وسلب ونهب وسرقة وتدمير للآثار

ويقدم شخصية خالد الأسعد في الفيلم الفنان محمد فلفلة الذي عرفه الجمهور السوري والعربي أيضا في العديد من الأعمال المسرحية، ليكون “دم النخيل” أول ظهور سينمائي له، وقد عمل الفنان من خلال وجود حالة شبه بينه وبين الأسعد على تقديم أدق ما يمكن من تفاصيل عن ذلك العالم الراحل.

كذلك شارك صوتيا، بشخصية الإمبراطور الروماني أورليان الفنان اللبناني بيير داغر في تعاون فني جديد له في سوريا، كما ستظهر مقاطع شعرية للشاعر الشعبي الشهير عمر الفرا ابن البيئة التي ينتمي إليها خالد الأسعد.

عاشق زنوبيا

16