الملكي على أعتاب تدشين حقبة جديدة على عرش أوروبا

انتهى الموسم الأوروبي بسيطرة ريال مدريد الإسباني على لقب دوري الأبطال وفوزه بالكأس ذات الأذنين للمرة الثانية على التوالي، ولأول مرة في التاريخ الحديث للبطولة. وعلى المستوى المحلي شهدت خريطة الدوريات تغييرًا في أصحاب التتويج إلا أن هناك ملكين لم يهتز عرشهما هذا الموسم.
الأحد 2017/06/11
أفراح الميرينغي لا تنتهي

مدريد - إثر انتهاء المباراة النهائية لبطولة دوري أبطال أوروبا وفوز ريال مدريد الإسباني باللقب ورفع اللاعبين لكأس البطولة في كارديف، بدأ فلورنتينو بيريز رئيس النادي الملكي في الخطوة التالية وهي كيفية الدفاع عن اللقب والفوز به للمرة الثالثة على التوالي.

وتغلّب الريال على يوفنتوس الإيطالي 4-1 في المباراة النهائية للبطولة ليصبح أول فريق يتوّج باللقب لموسمين متتاليين منذ أن نجح ميلان الإيطالي في هذا عامي 1989 و1990 وذلك قبل بداية إقامة البطولة بشكلها الحالي في موسم 1992-1993. كما رفع الريال رصيده في صدارة قائمة السجل الذهبي للفرق الفائزة باللقب إلى 12 لقبا. وقال بيريز″إنها نقطة البداية للفوز باللقب في الموسم المقبل ومواصلة تحطيم الأرقام القياسية وصناعة التاريخ”.

ولدى سؤاله عن تجديد عقد الفرنسي زين الدين زيدان المدير الفني للفريق، أكد بيريز “سنتحدث إليه. إنه الشخص الذي يقود هذه الأوركسترا. عندما يعمل شيء بكفاءة ، يجب ألا تقترب منه”. ومع حجم الإنجاز الذي حققه الريال، لم تجد صحيفة “موندو ديبورتيفو” التي تصدر في برشلونة سوى أن تذكر في عنوان صفحتها الأولى “زيدان التاريخي”. كما ذكرت صحيفة “ماركا” الإسبانية الرياضية في عنوان صفحتها الأولى “أساتذة العالم” أما صحيفة “آس″ التي تصدر في العاصمة مدريد فد وصفت زيدان بـ”النهم” في إشارة إلى أن الريال لا يتوقف عن حصد الألقاب حيث فاز بلقب البطولة للمرة الثانية عشرة (رقم قياسي).

وبالنسبة إلى رونالدو، كان الفوز انتصارا خاصا للغاية حيث أصبح أول لاعب يهز الشباك في ثلاث مباريات نهائية لدوري الأبطال بالنظام الحالي للبطولة وثاني لاعب يحقق هذا في تاريخ البطولة بنظاميها القديم والحديث حيث سبقه إلى هذا الأسطورة الراحل ألفريدو دي ستيفانو. وقدم رونالدو في أفضل أداء له على الإطلاق في المباريات النهائية لدوري الأبطال. وكان رونالدو هز شباك تشيلسي الإنكليزي في نهائي 2008 ليقود فريقه السابق مانشستر يونايتد الإنكليزي إلى الفوز باللقب. كما هز شباك أتلتيكو مدريد الإسباني في نهائي 2014 ليقود الريال إلى الفوز 4-1 بعد التمديد لوقت إضافي.

زيدان يواجه الآن تحديه الثالث، وعلى الأرجح سيكون الأكثر صعوبة، وهو يتمثل في الحفاظ على النهم وإقناع اللاعبين بالاستمرار في الفوز في إطار روح التضامن والأجواء الطيبة داخل الفريق

وكان رونالدو قاد الريال للفوز باللقب الأوروبي في الموسم الماضي أيضا لكن دون أن يسجّل أيّ هدف فيما شهدت مباراة الأمس أفضل أداء له كما أحرز هدفين واستحق جائزة “رجل المباراة”. وقال رونالدو “قدمت نهاية رائعة لهذا الموسم” في إشارة لاستفادته من الراحة التي حصل عليها في بعض المباريات بوسط الموسم والتي ساعدته على تقديم أعلى مستوياته في نهاية الموسم.

وأضاف “أعددت نفسي لهذا. تفوز بالأشياء الكبيرة في نهاية الموسم. كان أمرا ذكيا للغاية من المدرّب وممّن يعملون بالفريق”. وجاء هدفا رونالدو في مباراة الأمس ليرفعا رصيده إلى 12 هدفا في المسابقة الأوروبية هذا الموسم. وانفرد رونالدو بصدارة قائمة هدافي دوري الأبطال في الموسم الحالي بفارق هدف واحد أمام منافسه التقليدي العنيد ليونيل ميسي مهاجم برشلونة الإسباني. وتوّج رونالدو هدافا لدوري الأبطال للموسم الخامس على التوالي علما بأن أهدافه المسجلة تضمنت خمسة أهداف في شباك بايرن ميونخ الألماني بدور الثمانية وذلك في مباراتي الذهاب والإياب كما سجل ثلاثة أهداف في مرمى أتلتيكو مدريد في المربع الذهبي وهدفين في مرمى يوفنتوس بالنهائي.

ورغم حالة النشوة والسعادة التي سيطرت على الفريق بمجرّد سماع صفارة النهاية في المباراة، ما زالت الشكوك تحيط بمصير بعض لاعبي الريال في الموسم المقبل. ولدى سؤاله عن إمكانية استمراره مع الفريق، قال المهاجم ألفارو موراتا الذي شارك لفترة قصيرة في نهاية المباراة “لا أعلم. هذا لا يعتمد كثيرا عليّ. أشعر بالسعادة هنا في الفريق.

والآن، أود الاستمتاع فقط بالاحتفالات”. ولم يكن الكولومبي خيمس رودريغيز ضمن قائمة الفريق في المباراة حيث ينتظر أن يرحل اللاعب عن النادي الملكي هذا الصيف. ورغم الإشادة التي نالها من قبل فلورنتينو بيريز رئيس النادي عقب اللقاء، ينتظر ألا يكون الكوستاريكي كيلور نافاس حارسا أساسيا لمرمى الريال في الموسم المقبل. ولدى سؤاله عن الإسباني الدولي ديفيد دي خيا حارس مرمى مانشستر يونايتد الإنكليزي، قال بيريز “إنه حارس رائع يلعب لمانشستر يونايتد. في العام المقبل ، لا أعلم أين سيكون”.

سلسلة التحديات

بعيدا عن التحديات المختلفة التي نجح في تخطّيها منذ توليه المسؤولية الفنية لريال مدريد، يظهر تحدّ كبير في الأفق للمدرب الفرنسي زين الدين زيدان، ويتمثل في الحفاظ على نهم الحصول على الألقاب للفريق الأكثر نجاحا وإثارة للإعجاب في الوقت الراهن. لم يفلت من براثن ريال مدريد في هذا الموسم سوى لقب بطولة كأس إسبانيا، الذي توج به غريمه التاريخي برشلونة.

وبذلك يكون ريال مدريد قد أنهى موسما حالما تحت قيادة مديره الفني الفرنسي زين الدين زيدان الذي بإمكانه أن يفخر بهذا الإنجاز الفريد الذي لم يحققه أيّ مدرب آخر بعد 18 شهرا فقط من توليه مسؤولية أحد الفرق. وأصبح زيدان أول مدرب يفوز ببطولة دوري أبطال أوروبا في موسمين متتاليين. ومن كان يستطيع أن يقول في يناير 2016 عندما تلقى زيدان اتصالا من فلورينتينو بيريز رئيس ريال مدريد، يطالبه فيه أو بالأحرى يترجّاه لكي يقبل هذه المسؤولية العصيبة خلفا لرافاييل بينيتيز، بأن كل هذا الإنجاز سيتحقق على هذا النحو. وكانت جماهير ملعب سانتياغو بيرنابيو، معقل ريال مدريد، في ذلك الوقت تهتف باستمرار ضد رئيس النادي وتطالبه بالرحيل.

وتولّى زيدان هذه المهمة رغم خبرته القليلة في عالم التدريب، ولكن بفضل الاحترام الذي يتمتّع به كأحد أساطير الكرة في ريال مدريد، تمكّن اللاعب الفرنسي السابق من تهدئة الأجواء في المدرّجات وداخل غرفة خلع الملابس، كما أعاد الفريق مرة أخرى للمنافسة وأنهى ذلك الموسم بطريقة غير متوقعة، حيث توّج بلقب دوري الأبطال بعد التغلب على أتلتيكو مدريد بركلات الترجيح في المباراة النهائية. ويرى الكثيرون أن زيدان هو مدير جيد للاعبين أكثر منه مديرا فنيا، فمنتقدوه يتحدثون دائما عن “حسن طالعه” ويصفونه بـ”المدرب المحظوظ”.

وبعد نجاحه في تخطي عقبة الموسم الأول بنجاح، واجه زيدان بشجاعة تحدّيا جديدا هذا الموسم، وتمكّن من قيادة ريال مدريد للفوز بأول لقب له في الدوري الإسباني منذ 2012 وأنهى الموسم بقوة كبيرة بفضل سياسة التناوب الواسعة التي يتبنّاها والتي شارك فيها جميع اللاعبين بالفريق.

وقال زيدان بعد الفوز الكبير الذي حقّقه ريال مدريد على يوفنتوس في نهائي دوري أبطال أوروبا “لا أعرف ما الذي حققته تحديدا داخل غرفة خلع الملابس، أنا أشكّل جزءا من هذا الفريق الذي يكمن مفتاح نجاحه في أن يشعر الجميع بأنهم ذوو أهمية، ولكن السرّ يكمن في أن جميع اللاعبين يؤدون بشكل جيد للغاية، بعد ذلك، عندما تفوز يصبح كل شيء أكثر سهولة، هذه حقيقة ومع هذا الفريق الأمور تصبح سهلة أكثر وأكثر”.

والآن، يواجه زيدان تحديه الثالث، وعلى الأرجح سيكون الأكثر صعوبة، وهو يتمثل في الحفاظ على النهم وإقناع اللاعبين بالاستمرار في الفوز في إطار روح التضامن والأجواء الطيبة داخل الفريق، بالإضافة إلى إيمان الجميع بفكرة واحدة، ألا وهي تحقيق الألقاب. ولن يكون هذا بالأمر السّهل على زيدان، فهناك لاعبون يطالبون باللعب بشكل أكبر، هذا إلى جانب إنعاش الجانب الذهني الذي يتعرّض للإنهاك دائما تحت تأثير لمعان الكؤوس ونشوة الفوز بالألقاب.

ووجد زيدان على الفور، بعد مباراة السبت الماضي، مساندا له في تحدّيه الجديد، حيث قال اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو “الهدف هو الفوز ببطولة دوري الأبطال القادمة”.

وأصبح ريال مدريد على أعتاب تدشين حقبة جديدة تدين لسيطرته بعد أن فاز بثلاثة ألقاب لدوري أبطال أوروبا في أخر أربع نسخ للبطولة، مما يعكس هيمنته على كرة القدم في القارة الأوروبية.

ريال مدريد أصبح على أعتاب تدشين حقبة جديدة تدين لسيطرته بعد أن فاز بثلاثة ألقاب لدوري أبطال أوروبا في أخر أربع نسخ للبطولة، مما يعكس هيمنته على كرة القدم في القارة الأوروبية

ولكن هذه الحقبة ستستمد رونقها في الأساس من الانتصارات وهذا سيعتمد بشكل كبير على عقلية اللاعبين وعلى رغبتهم القويّة في تحقيق إنجازات جديدة. ويمتلك زيدان أسلحة متعددة تمكّنه من النجاح في عبور التحدي الجديد، فهو يحظى بفريق قوي يعج باللاعبين المخضرمين أمثال سيرجيو راموس وكريستيانو رونالدو ولوكا مودريتش ومارسيلو وكريم بنزيمه، بالإضافة إلى عدد لا بأس به من اللاعبين الشباب الواعدين، مثل ماركو أسينسيو ورافائيل فاران وكارلوس كاسميرو وهذا كله سيسمح له بتكوين أحد أقوى الفرق في العالم بل وربما الأفضل. وتكمن مواطن القوة الأخرى في عقل زيدان وفي قدرته على إقناع اللاعبين بطريقة إدارته للأمور وخاصة سياسة التناوب.

تاريخ دوري الأبطال

دوّن زين الدين زيدان اسمه كلاعب مع ريال مدريد في تاريخ دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، بهدف من الأجمل في نهائي 2002. ودوّن الفرنسي اسمه كمدرب مع النادي الملكي، بعدما أصبح أول مدرب منذ 27 عاما يحتفظ بلقب المسابقة القارية الأبرز. ولم يحقق أي مدرب هذا الإنجاز منذ أريغو ساكي مع ميلان الإيطالي عامي 1989 و1990. وإضافة إلى تحقيق هذا الانجاز بعد كل هذا الوقت، بات زيدان أول مدرب يحققه في الصيغة الحديثة للمسابقة التي دخلت حيز التطبيق عام 1993.

وحقق ساكي إنجازه وهو في الرابعة والأربعين من العمر، وها هو زيدان يكرر التجربة في السن نفسها. الفارق أن ساكي كان غير معروف على مستوى واسع كلاعب، بينما دوّن زيدان اسمه في سجل عظماء اللعبة.

صعود زيدان الصاروخي كمدرّب هو مسار لافت في حدّ ذاته إذ تولى مسؤولية الجهاز الفني للريال في يناير 2016، في أول تجربة له مع فريق أول، بعدما “تتلمذ” على يد المدرب السابق للريال الإيطالي كارلو أنشيلوتي، وخاض تجربة مع الفريق الرديف. بعد أقل من خمسة أشهر، بات أول فرنسي يحرز لقب دوري الأبطال كلاعب ومن ثم كمدرب. أكمل موسمه الأول بالكأس السوبر الأوروبية، وفي نهاية العام 2016 مع كأس العالم للأندية.

بعد عام، أضاف زيدان إلى رصيده لقب الدوري الإسباني (الأول للريال منذ 2012) والاحتفاظ بلقب دوري الأبطال، محققا للنادي الملكي ثنائية أحزرها للمرة الأخيرة عام 1958. فهل كان أحد يتوقع هذه المسيرة للفرنسي المتحدر من أصول جزائرية، والذي كان أقاربه ينادونه باسم “يزيد” في طفولته؟ الأرجح كلاّ، فالطفل الذي نشأ في منطقة كاستلان بمدينة مرسيليا الفرنسية التي أقام فيها أهله بعد هجرتهم من الجزائر عام 1960، خالف كل التوقعات وحرق المراحل في مسيرته الكروية، سواء كان على المستطيل الأخضر أم عند خط التماس وفي مقاعد الجهاز الفني.

22