الملك المتوكل اليماني الذي لو عاصر الحوثيين لحاربهم

الأحد 2015/04/26
مؤسس لآخر ممالك الزيدية العربية في جنوب الجزيرة العربية

"اليمن السعيد"، تهمة سقطت على تلك البلاد من سماء حالمة. الملكة بلقيس، ومملكة سبأ، وسد مأرب، والبن اليماني، والبحر من كل جانب، جبال ووديان وإبداع طبيعي خلاب، كل ما سبق ليس إلا كلاماً يصح لكتابة موضوع تعبير سياحي عن تلك البلاد. بلاد ما مرت عليها سنة كاملة دون حرب أو تمرد أو ثورة. أرض قتل أهلها من أهلها الآلاف. كغيرها من بلاد العرب، حكمتها الدكتاتوريات العسكرية ومن قبلها الملكية، وقبلها الإمامية الزيدية.

الزيدية سنة شيعة معتزلة

عاصفة الحزم، جعلت من الزيدية حديث الناس. وللدقة فإن الحوثيين هم من أًصبحوا حديث الناس، ولكن الخلط أصاب تلك الجماعة من المسلمين، أي الزيدية، كما أصاب غيرهم من قبل، رغم أنهم جماعة ذات ميول سياسية ودينية واضحة. اغتصبتها عصبة تابعة لمشروع إقليمي، الحوثيون، وألبستها لبوساً دينيا مخالفاً مغايراً. قالوا عنهم شيعة، وهم بالفعل انشقوا عنهم. قالوا عنهم أقرباء السنة، وهم في تدينهم متشاركون. قالوا عنهم معتزلة، وإمامهم المؤسس في اليمن تتلمذ على يد شيخ معتزلي.

ولكنهم في الحقيقة لا هم سنة ولا هم شيعة ولا معتزلة أيضاً، بل هم كما قالت الأخيرة، في لاهوتها الديني، منزلة بين المنزلتين. يؤمنون بالإمامة لآل البيت، وحق علي بن أبي طالب في الخلافة بعد الرسول فوراً بدلا ممن سبقوه ولا يلعنونهم، لا يقيمون الاحتفالات الدينية الشيعية المتعارف عليها ولا يلطمون ولا يبكون في مقتل الحسين، لكنهم يحتفلون بإمامهم، خامس الأئمة عند الإثني عشرية، أي زيد بن علي صاحب نظرية الخروج على الحاكم الجائر.

الزيدية التي ظهرت في إيران هاجرت إلى اليمن، على يد يحيى بن الحسين بن القاسم الرسّي، الذي قدم إليها من الحجاز سنة (284هـ/897 م)، وأعلن نفسه إماماً بلقب الهادي، واعترف له الجميع بأنه كان عالماً مجتهداً كبيراً، أخذ علم الكلام عن شيخه أبي القاسم البلخي المعتزلي، بالطبع كغيره من المؤسسين السياسيين الدينيين عدّل في المذهب الذي اختاره لنفسه، لكنه بقي في الأصول متابعاً لشيخه أبي القاسم، ووصل الباحثون إلى أنه لم يبق من أقوال زيد بن علي التي جمعت في “مجموع الفقه الكبير”، و”الجامع الكافي”، ضمن سياق مذهبه إلا ما ندر، لكن الهادي وأتباع مذهبه أكدوا على إمامة زيد بن علي، ووجوب الخروج على الظلمة، ويعتقدون بفضله وزعامته، ويحصرون الإمامة في من قام ودعا من أولاد الحسنين، هذا المعتقد السياسي الديني أبقى على اسم الزيدية لهذه الجماعة رغم خلافها الديني مع زيد بن علي.

ومختصر القول فيهم جاء على لسان الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله “فالزيدية منسوبةٌ إلى زيد بن علي لقولهم جميعاً بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في مسائل الفروع، وهي تخالف الشافعية والحنفية في ذلك، لأنهم إنما نسبوا إلى أبي حنيفة والشافعي، لمتابعتهم لهما في الفروع”، إذن يجمع مذهبهم تفضيل علي على سائر الصحابة، وأوّليته بالإمامة، وقصرها من بعد الحسنين في البطنين، أي في ذريتهما، واستحقاقها إنما يثبت بالفضل والطلب لا بالوراثة كما تقوله العباسية، ويعتقدون بوجوب الخروج على الجائرين، ويرون القول بالتوحيد والعدل والوعد والوعيد كالمعتزلة، وبعد هذا القول تصبح الزيدية مجموعة تيارات في قلب جماعة واحدة، ويختلفون بينهم بل يخطّئ بعضهم بعضاً.

المملكة المتوكلية التي أسسها الإمام يحيى تعيش حتى العام 1962، ولم تكن إلا امتدادا لوجهاء الزيدية في صنعاء وما حولها، في فلسفة حافظت على الوفاق والعلاقات الحميدة بين قبائل حاشد وبكيل واللتين تمثلان جناحي الأئمة الزيدية ومن ثمة الحكم الزيدي القائم على ولاء هاتين القبيلتين

الإمامة الزيدية المتوكلية

استمرت مسيرة الزيدية بعد الإمام الهادي، وكانت المملكة المتوكلية، أبرز ملامح الحكم الزيدي في اليمن الحديث، مملكة لم تعمر طويلا لأسباب سياسية معقدة وتفاصيل كانت بدايتها صراعاً بين الحكم العثماني المترهل في اليمن الشمالي، وبين الإمام الشاب الذي خلف والده لاكتمال شروط الإمامة فيه بحسب علماء الزيدية في عصره، فلم تعترف الخلافة بإمامته على اليمن لتنشب الحرب بين قواته وقوات العثمانيين عام 1904 وحتى العام 1911، حيث اعترفت السلطة العثمانية بإمامة يحيى محمد حميد الدين محمد المتوكل، الذي قال عنه أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب “إنك لا تجد في ملوك العرب من هو أعلم من الإمام يحيى في الأصول الثلاثة، الدين والفقه واللغة، ولا من هو أكبر اجتهادا وأغزر مادة منه، وله ذوق في الشعر والأدب فيقضي بعض أوقاته في المطالعة بل هو الشاعر الوحيد في حكام العرب جميعاً، وما ذلك إلا بسبب إعداده إعداداً علمياً مميزاً لأكثر من ثلاثين عاماً قبل تبوّئه منصب الإمامة فمنذ أن بلغ السادسة من عمره وهو يداوم على حضور حلقات الدرس والقراءة على يد أكابر علماء عصره في صنعاء وفي جبل الأهنوم والمدان وشهارة بالطريقة التي كانت متبعة في العصور الإسلامية القديمة”، هذا العالم الشاعر أسس لمملكة معزولة عن العالم، ديكتاتورية عائلية عقب سقوط السلطنة العثمانية عام 1918.

المملكة المتوكلية التي أسسها الإمام يحيى لتستمر حتى العام 1962، لم تكن إلا امتداداً لوجهاء الزيدية في صنعاء وما حولها، في فلسفة حافظت على الوفاق والعلاقات الحميدة بين قبائل حاشد وبكيل واللتين تمثلان جناحي الأئمة الزيدية ومن ثمة الحكم الزيدي القائم على ولاء هاتين القبيلتين، لكن مؤسس المملكة لم يحافظ على العلاقات الودية فقط بل عمل على إخضاع جميع القبائل بالقوة لسلطته التي استغلت الدين في قمع أيّ بوادر تمرد مستعيناً بقبال صعدة أقوى مراكز الزيدية قديماً وإلى سنوات قليلة مضت.

السعوديون كانوا ضد الانقلاب على المملكة المتوكلية الذي أدى إلى اغتيال الملك، وهنا تتضح العلاقة السياسة بين السعودية واليمن والتي لا تبنى على مسألة المذهبية وبأنها حرب ضد الشيعة أو الزيدية أو غيرهم من الجماعات الدينية بل هي اليوم حرب ضد النفوذ الفارسي في المنطقة والذي يهدد أمن الدول العربية

الملك وأهل اليمن

لكم يشبه عمل المتوكل هذا أعمال الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، الذي ضرب الجميع بالجميع واستثمر القبائل اليمنية في حروبه ولعب لعبة الطرابيش بينها فمرة دفع هذه على تلك ومرة تلك على غيرها واستثمر الدين بالطول والعرض فضرب السنة ذوي الميل السلفي بالحوثيين والزيديين الذين سرقهم أبناء جلدتهم وحوّلوهم مؤخراً وبالتعاون مع صالح إلى ذراع للقوة الفارسية في المنطقة. تلك القوة التي استثمرت التشيع كواجهة دينية تستغبي بها الجموع والحشود المتعاطفة، وصرخت بنداء يحمله الحوثيون إلى اليوم “الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، ما أشبه اليوم بالأمس، بفارق أن المتوكل كان عربياً قبائلياً سعى ومن خلفه لأجل حكم عربي في اليمن ودافع عنه بالتجهيل والبطش، فأقام مملكة إقطاعية تفتقر لأبسط البنى التحتية فلا كهرباء ولا مستشفيات وعزل اليمن عن العالم الخارجي تماماً، باستثناء وجود بعض الأطباء الإيطاليين والفرنسيين لمعالجة أفراد الأسرة الحاكمة إذا ما تطلب علاجهم، وطمس كغيره من الحكام الدكتاتوريين القدرة على التفكير وعمل على نشر فكر تقديس الإمام عقائدياً ودينياً.

الحديث عن تفاصيل الحكم في عصر المملكة المتوكلية معقد وبوسعه أن يضع القارئ في تيه، فتلك الفترة كانت شديدة التراكب تشوبها الصراعات بين السعوديين في الشمال والأدارسة والبريطانيين في الجنوب والقبائل المقسومة بين هؤلاء وهؤلاء، ولكن اليمن الشمالي خضع في النهاية وبالقوة لحكم المملكة المتوكلية، ولم تواجهه عقبة داخلية كبرى إلا ثورة الدستور التي قامت في 17 فبراير عام 1948، والتي أشعلها عدد من ضباط الجيش ومشايخ القبائل وأبرزهم شيخ قبيلة مراد المذحجية علي بن ناصر القردعي والذي كان على علاقة سيئة بالإمام يحيى، وكان معه الضابط عبدالله الوزير قائد جيوش الملك، وكان معهم في الانقلاب أيضاً نجل الملك يحيى، إبراهيم يحيى حميد الدين.

هذه الثورة أو الانقلاب قُتل فيه الملك برصاصة أصابت رأسه أطلقت عليه في منطقة حزيز جنوبي صنعاء، فدفع آل حميد الدين خارج الحكم وأنشئت حكومة دستورية تسلم فيها عبدالله الوزير الإمامة الدستورية وتلقى دعما من الأحرار اليمنيين، ولكن الإمام أحمد حميد الدين الذي نجا من العائلة الملكية أجهض الثورة بدعم سعودي، ويعتقد أنه بسبب طبيعة الانقلاب، رغم أن الانقلاب كان مدعوماً من قبائل تعرف اليوم بالقبائل السنية في اليمن، ولكن السعوديين كانوا ضد الانقلاب على المملكة، وهذا ربما يوضح مسألة العلاقة السياسة بين السعودية واليمن والتي لا تبنى على مسألة العلاقة الدينية وبأنها حرب ضد الشيعة أو الزيدية أو غيرهم من الجماعات الدينية بل هي اليوم حرب ضد النفوذ الفارسي في المنطقة والذي يهدد أمن الممالك والدول العربية، وبالأمس كانت حربا ضد فكرة الدستورية الملكية التي تؤسس لما حدث لاحقا أي الجمهورية.

الزيديون يقال عنهم إنهم شيعة، وهم بالفعل انشقوا عنهم. ويقال عنهم أقرباء السنة، وهم في تدينهم متشاركون، ويقال عنهم معتزلة، وإمامهم المؤسس في اليمن تتلمذ على يد شيخ معتزلي. لكنهم في الحقيقة لا سنة ولا شيعة ولا معتزلة أيضا، بل هم كما قالت الأخيرة في لاهوتها الديني، منزلة بين المنازل

ما بعد المتوكل

نجاح الإمام أحمد في استعادة الحكم إلى يوم وفاته عام 1962، وقيام ثورة 26 سبتمبر من ذات العام، التي استمرت حتى العام 1970، عام إعلان الجمهورية العربية اليمنية رسمياً، وهذا النجاح المدعوم عربياً لم يكن الأول من نوعه في تاريخ اليمن ولن يكون الأخير، فاليوم السعودية ودول عاصفة الحزم تدعم عودة الحكومة الشرعية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي إلى سدة الحكم، وبالتحليل لكل ما يجري في تاريخ اليمن الحديث أو على أقل تقدير عقب تسلم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح الحكم إلى اليوم، وتلاعبه في المقدرات والأقدار السياسية في تلك البلاد المحكومة بالتعقيد، يبرر ما دفع الحوثيين إلى تصدر المشهد اليمني وفتح الباب أمامهم لفرض سيطرتهم على اليمن الشمالي، وذلك من خلال الدعم الإيراني لهم كذراع طويلة في بلاد عانت سنوات عجاف طويلة منذ تسلم صالح للحكم.

جماعة الحوثي تظهر كمحاولة لخطف الزيدية العربية ذات الطبيعة الدينية الشيعية الخاصة، إلى حضن الشيعية الإثني عشرية وبالطبع الهدف لم ولن يكون شرعياً إنما هدف سياسي لتعميق الشق بين الزيدية وقبائلهم والسنة وقبائلهم، في بلاد تعوم على بحر من السلاح والخلافات والصراعات، فبذلك تفتح الطريق واسعاً أمام دخول القوى الأجنبية وعلى رأسها إيران ذات المطامع المعلنة بالسيطرة على أربع عواصم في العالم العربي، والإنكار الحوثي للدعم الفارسي لا يمكن تصديقه إلا بتصديق أن إيران لا تدعم ميليشيات الأسد في سوريا أو ميليشيا حزب الله في لبنان، لنتأمل قليلا في شعار الصرخة الحوثية “الله وأكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام” والإسلام هنا إسلام صاحب الشعار أي الثورة الإيرانية التي عملت منذ اليوم الأول وعلانية على تصدير ثورة الملالي تلك والتي حظيت بدعم بعض المنتفعين منها كحال الحوثين اليوم الذين سرقوا ميراث الزيدية اليمنية العربية، وباتوا ذراعاً عسكرية لتلك الثورة التي وصلت إلى آخرها عقب ما نأمل أن يكون صحوة عربية.

8