الملك سلمان بن عبدالعزيز يجدد عهد الدولة السعودية الثالثة

الخميس 2015/04/30
أوامر ملكية تجسد عصر الشباب في السعودية

الرياض - استكمل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، ترتيب مراكز القرار في السعودية بإجراء تغييرات هامة شملت ولاية العهد وولاية ولاية العهد ووزارة الخارجية، فضلا عن تغييرات وقرارات واسعة أخرى. وتأتي هذه التغييرات الداخلية بالتزامن مع تغييرات لا تقلّ أهمية في السياسة الخارجية للمملكة، تجسدت بقيادة “عاصفة الحزم” في اليمن، وبوادر استعادة زمام الأمور في الملف السوري والحرب على الإرهاب، في سياق استعادة السعودية لدور ريادي وقيادي تدرك من خلاله محددات أمنها الإستراتيجي وتفرض على العالم تدابيرها ضمنه.

أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، فجر أمس الأربعاء، 25 أمرا ملكيا ضمن قرارات وصفها مراقبون بـ”عاصفة حزم” تضرب ترتيب البيت الداخلي السعودي، ولكنها عاصفة هادئة، جاءت لتؤكد سلاسة انتقال الحكم ووجود اتفاق وتوافق على خطوات حركة انتقال الحكم الجديدة في أطول نظام ملكي مستقر في العالم العربي.

ظهرت هذه السلاسة بوضوح للمرة الأولى مع إعلان وفاة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز في شهر يناير الماضي، عن عمر يناهز 91 عاما، حيث كان اختيار الملك شبه محسوم، بموجب نظام الحكم ونظام هيئة البيعة، فتولى الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم، فيما تمت مبايعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز وليا للعهد، بموجب الأمر الملكي الصادر في 27 مارس الماضي.

الخطوة الأهم وقتها كانت سرعة تعيين ولي ولي العهد، واختيار الأمير محمد بن نايف لهذا المنصب. وفجر أمس الأربعاء، أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز سلسلة أوامر ملكية، أعفى بموجبها الأمير مقرن بن عبدالعزيز من ولاية العهد، بناء على طلبه، وعين الأمير محمد بن نايف وليا للعهد بدلا منه. كما قضت سلسلة الأوامر، التي بثها التلفزيون السعودي الرسمي، بتعيين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز وليا لولي العهد، خلفا للأمير محمد بن نايف، الذي أصبح وليا للعهد.

وبهذه القرارات، صار الأمير محمد بن نايف، أول حفيد من أحفاد الملك عبدالعزيز، مؤسس المملكة، يتولى منصب ولي العهد، والأمير محمد بن سلمان أصغر من تولى منصب ولي ولي العهد. وجاء في هذا الأمر أن اختياره جاء بترشيح من الأمير محمد بن نايف، الذي قال عنه إنه “قادر على النهوض بالمسؤوليات الجسيمة التي يتطلبها هذا المنصب”، وبتأييد الأغلبية العظمى من أعضاء هيئة البيعة لاختياره أن يكون وليا لولي العهد.

كذلك تضمنت الأوامر، قبول طلب وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل (أقدم وزير خارجية في العالم بمدة 40 سنة) إعفاءه من منصبه لظروف صحية، وتعيين سفير السعودية بواشنطن عادل الجبير رئيسا للدبلوماسية السعودية.

الملك سلمان بن عبدالعزيز يسعى من خلال سلسلة التعيينات إلى تغيير وجه الدولة وضخ دماء شابة في القيادة

ومن أبرز ما تضمنته القرارات أيضا، إجراء تعديلات وزارية، بتعيين الأمير منصور بن مقرن، مستشارا للعاهل السعودي بمرتبة وزير، إضافة إلى صرف راتب شهر لمنسوبي جميع القطاعات العسكرية والأمنية من أفراد وضباط ومدنيين “تقديرا لهم على جهودهم وعطاءاتهم وبذلهم”.

وطالت قرارات الإعفاء وزارات التعليم والصحة وهيئة الإذاعة والتلفزيون، كما تضمنت تعيينات جديدة في عدد من الهيئات على غرار ديوان المظالم وهيئة حقوق الإنسان وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء.

وهكذا يكون الملك سلمان بن عبدالعزيز قد استكمل الخطوات الرئيسية الكبرى لترتيب البيت الداخلي السعودي، لتنطلق المملكة في عهدها الجديد، ضمن سياسة متناغمة في الداخل والخارج، تقوم على تعزيز المسيرة التنموية وتأكيد دورها القيادي على المستوى العربي وتكون مؤثّرة على المستوى الدولي.

انعكاسات داخلية

على مستوى القراءة الداخلية للقرارات التي اتخذها الملك سلمان بن عبدالعزيز، يأتي تعيين الأمير محمد بن نايف وليا للعهد والأمير محمد بن سلمان وليا لولي العهد على رأس أهم القرارات، حيث تم رسميا دخول أمراء من الجيل الثاني من أبناء عبدالعزيز آل سعود إلى هرم السلطة، وبالتالي تحديد مسار ولاية العرش في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لعقود قادمة.

ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية، تولى الحكم فيها سبعة ملوك من آل سعود، أولهم الملك عبدالعزيز، الذي حكم البلاد لمدة 21 عاما، ثم توالى الحكم بين أبنائه إلى غاية اليوم، حيث يعتلي عرش المملكة الملك سلمان بن عبدالعزيز.

القرارات تعزز الخطوات الجريئة للحكومة السعودية في مجال مراجعة منظومة الدعم الحكومية

وتعتبر قرارات فجر الأربعاء الدفعة الثانية من قرارات حاسمة من شأنها تغيير وجه الإدارة السعودية بشكل جذري، وقد سبقتها مجموعة واسعة من الإعفاءات والتعيينات أمر بها الملك سلمان بن عبدالعزيز فور توليه سدّة الحكم في يناير الماضي، لعلّ من أهمها تعيين رئيس جديد للاستخبارات وإعفاء وزراء وأمراء ومسؤولين من مناصبهم، وإلغاء هيئات ومجالس إدارية واستحداث أخرى.

وتعزّز التغييرات الداخلية الخطوات الجريئة التي بدأت تخطوها الحكومة السعودية في مجال مراجعة منظومة الدعم الحكومية ومعالجة أزمة الإسكان المزمنة ودعم برامج الاستثمار في مجال البنية التحتية والصحة والخدمات الاجتماعية والتعليم (أمر الملك سلمان في قرار صدر في يناير الماضي بدمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة).

واللافت في أغلب هذه القرارات حضور العنصر الشبابي فيها، حيث قال محللون إن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أراد من خلال سلسلة التعيينات التي أجراها، منذ توليه الحكم، تغيير وجه الدولة وضخّ دماء شابة في القيادة ونقل السلطة إلى الجيل الثاني.

وأكد ذلك الأكاديمي والمحلل السياسي خالد باطرفي، الذي قال إنه “أضحى من الواضح الاتجاه نحو عصر الشباب، والملك سلمان أراد أن يجدد عهد الدولة السعودية الثالثة بضخ هذه الدماء الشابة”. ولفت إلى أن “معظم التعيينات الجديدة من الشباب”، مشيرا إلى أن معدل أعمار المسؤولين في الدولة بات حاليا 55 عاما. واعتبر باطرفي أن “الغاية من التعيينات هو أن يكون المستقبل مطمئنا للداخل والخارج، فقد أصبح واضحا من سيقود السفينة”.

من جانبه، وصف الكاتب السعودي خالد المعينا التغييرات الجديدة بأنها “تجديد ونقل للحكم إلى الجيل الثاني والثالث في العائلة المالكة”، وقال “العالم تغير والتحديات الجديدة تحتاج لدماء ومواهب جديدة”، فيما أكد أنور عشقي، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات القانونية والاستراتيجية، أن تعيين الأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان، يأتي بعد عرض المسألة على هيئة البيعة، وهي هيئة أمراء آل سعود التي تشرف على مسألة الخلافة واستمرار الحكم.

التحديات الجديدة تحتاج لدماء ومواهب جديدة

ويرى الدكتور طارق فهمي، خبير الشؤون العربية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أن الغرض من القرارات السعودية إجراءات تعديلات تحافظ على تماسك المؤسسة الحاكمة، بعد عملية “عاصفة الحزم”. وأضاف فهمي لـ”العرب”، أن التغيير حتى وإن لاقى رفضا من بعض أجنحة الأسرة الحاكمة، إلا أنه لا يؤدي إلى شرخ عميق في مصالح الأسرة السعودية، وأن أي خلافات ستزول مع الوقت”، منوّها إلى أن الغاضبين هم من المتطلعين إلى نيل هذه المناصب من داخل الأسرة الحاكمة، وخلافاتهم تقليدية وسوف تهدأ مع مرور الوقت، خاصة حين يتوضّح لهم أن هذه التغييرات إنّما تصب في صالح المملكة.

ووصف حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، التغييرات الأخيرة بأنها الأهم في تاريخ المملكة، وتمهّد لانتقال السلطة بطريقة هادئة إلى جيل أكثر انفتاحا على الغرب وأكثر دراية بما يدور على الساحة العالمية، ما يؤكد انتهاج سياسة بناء دولة مختلفة عن تلك التي كانت سائدة على مدار عقود طويلة.

واستبعد نافعة، في تصريح لـ”العرب”، أن تكون تلك التغييرات مفاجئة للقيادات السياسية في السعودية، بل تم التمهيد والترتيب لها من قبل، متوقّعا أن يتخذ الملك سلمان بن عبدالعزيز قرارات أكثر جرأة خلال الفترة القادمة، بعد أن يطمئن إلى تجاوز المملكة لبعض التحديات الإقليمية التي تواجهها حاليا، وربما تتجاوز التغييرات الداخلية التي سيجريها على القيادات، وتصل إلى إحداث نقلة نوعية في السياسات التقليدية أيضا.

وصرح أستاذ العلوم السياسية، بأن هناك تغييرات كبيرة داخليا وخارجيا، لكن من المنتظر أن تتم بصورة تدريجية، للمحافظة على مصالح الدولة السعودية، وفق نهج حكيم ومفيد يتماشى مع التحديات الإقليمية الراهنة.

وكغيره من المحللين، يرى نافعة أنه لا يمكن قراءة هذه التغييرات بشكل منفصل عما يجرى في المنطقة وبالتحديد في اليمن، خاصة أن قرار الدخول في الحرب عبر عملية “عاصفة الحزم” جاء من قبل جيل الشباب، وهذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها المملكة حربا باستخدام القوى المسلحة الحديثة، موضحا أن بداية التعامل مع الأزمة اليمنية شكل نواة لسياسة التغيير الحالية والمقبلة.

طالت قرارات الإعفاء وزارات التعليم والصحة وهيئة الإذاعة والتلفزيون وتضمنت تعيينات جديدة في عدد من الهيئات

تغييرات عاصفة

دفعت الظروف الإقليمية والوضع الاستراتيجي المعقّد القيادة السعودية إلى مراجعة سياستها الخارجية وإعادة ترتيب بيتها الداخلي بما يحقق التوازن والتناغم بين السياستين، الداخلية والخارجية، للوقوف في وجه التهديدات التي تتجاوز بعدها الأمني، لتطال الجوانب الدينية والثقافية والسياسة والاجتماعية والجغرافية؛ فالإرهاب يضرب بقوّة، فيما لا تتوانى أطراف خارجية معادية، على رأسها إيران، عن تهديد أمن السعودية والتدخّل في شؤون المنطقة، والولايات المتحدة، الحليفة الرئيسية للرياض، لا قضية لها اليوم إلا الاتفاق النووي الإيراني.

أمام هذا الوضع، ومع تصاعد اختلال الموازين في المنطقة، بدأت بوادر تغيير، طال انتظاره، حتى فقد الأمل في تحقيقه، وهو أن يقود العرب زمام الأمور في بلادهم، ويتحدّوا أميركا، حين تتعارض مصالحها مع مصالحهم. وجاء هذا التغيير عبر “عاصفة الحزم” في اليمن، التي وإن اختلف الخبراء حولها فإن طيفا كبيرا من الشعوب العربية والإسلامية باركها واستبشر بها، فعبر هذه الخطوة أخذت السعودية، ومن ورائها أغلب الدول العربية، زمام المبادرة، ووضعت نفسها موضع قوّة، بمعزل عن الإملاءات الأميركية، وقادت عملية عسكرية عربية، ضدّ محاولات التوسع الإيراني.

ولا يشكّك الخبراء في أن لنتائج “عاصفة الحزم” دور في حسم هذه القرارات والتعيينات التي تمت في البيت السعودي، حيث فتحت هذه العملية العسكرية في اليمن الباب أمام دعوات مماثلة لها في سوريا وليبيا، وفي أي منطقة عربية يمكن أن يطالها التهديد؛ لذلك ليس مستغربا أن يتم وصف القرارات الأخيرة بأنها “كالعاصفة”.

التعامل مع الأزمة اليمنية يشكل نواة لسياسة التغيير الحالية والمقبلة

وتسعى المملكة منذ وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الحكم للظهور بمظهر القوة والحزم، وقد تجلى ذلك خصوصا في الحرب التي أعلنتها على المتمردين الحوثيين في اليمن والتي قالت بوضوح إن من أهدافها التصدي للنفوذ الإيراني لدى جارها الجنوبي.

ويضيف الخبراء أن السعودية من خلال “عاصفة الحزم” أثبتت أنها لاعب دولي فاعل ومؤثّر في السياق الإقليمي، والحفاظ على هذا الدور يتطلّب مجموعة قيادية قويّة وقادرة على قيادة الصف العربي، والتأثير في القرارات العالمية التي تخصّ قضايا المنطقة، وفرض حلول لها تتوافق وطبيعتها.

من هنا لقيت القرارات الجديدة للملك سلمان بن عبدالعزيز تأييدا سعوديا وعربيا ودوليا، وهو ما يعكس العناوين والتوصيفات التي أطلقت على قياديي الصف الأول الجدد للسياستين الداخلية والخارجية في السعودية، وهم: ولي العهد الأمير محمد بن نايف، الذي وصف بـ”الرجل الذي سيقود مستقبل المملكة”، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، القائد الفعلي لـ”عاصفة الحزم”، ووزير الخارجية عادل الجبير، سفير السعودية لدى الولايات المتحدة، المتحدث الفطن ذو الدبلوماسية الهادئة والقادرة في نفس الوقت على التأثير بقوة في مجريات الأحداث وهو ما يتسق مع الحالة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم.

تكشف هذه التعيينات عن جزء هام من ملامح السياسة الخارجية السعودية والملفّات التي تتصدّر الأولوية في السياسة السعودية، وهي – إلى جانب تشريك الشباب في القيادة- تتعلق رأسا بمكافحة الإرهاب وبالتهديدات الإيرانية وبسياسات التحالف، خاصة مع الولايات المتحدة؛ فوزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، شخصية معروفة في الداخل وفي الغرب لدوره في القضاء على حملة القاعدة، ويعرف بمقتلع جذور الخلايا الإرهابية في السعودية وقيادة سياسة الرياض في سوريا. والأمير محمد بن سلمان صعد نجمه بعد تعيينه وزيرا للدفاع وهو الذي يقود الحرب في اليمن؛ أما عادل الجبير، السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، الذي نجا من محاولة اغتيال دبّرتها إيران، هو من أدار حملة العلاقات العامة للمملكة في الولايات المتحدة مع إطلاق “عاصفة الحزم”.

ويرى رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات القانونية والاستراتيجية أنور عشقي أن التعيينات تظهر بأن “السعودية تعيش مرحلة ما بعد عاصفة الحزم”. وأضاف “من قاموا بهذه العملية هم الذين برزوا على الساحة لذلك كان لا بد أن يوجد تغيير يتناسب مع مقتضيات المرحلة”.

وختم عشقي موضّحا أن “عملية التغيير كانت منظمة ومرتبة وليست تلقائية”، وخلص إلى القول إن “المملكة تعيش عصرا مغايرا هو عصر الواقعية” وستواجه قيادتها الشابة “تحديات أمنية واقتصادية وإدارية”، ستكون قادرة على مواجهتها بسياسة واقعية ورؤية شابة واعية وحداثية، لكن واعية بخصوصية المجتمع السعودي وتقاليد حكمه، وشروط اللعبة الاستراتيجية الجديدة في المنطقة.

إقرأ أيضا:

إيران والإرهاب والريادة الإقليمية.. ملفات على طاولة رجال المرحلة القادمة

دبلوماسية نشطة تقوم على الندية وتغليب المصالح

6