الملك سلمان روح القيادة السعودية الأصيلة

الأحد 2015/02/01
الملك سلمان داعم الشباب ورجل الإدارة وراعي الإعلام والثقافة

أن يكون لملوك السعودية مستشارون فهو أمر مألوف، ولكن أن يكون لغالبهم المستشار ذاته فهذا هو اللافت والنادر، لكنه مؤكد وحاضر في تاريخ الدولة السعودية الثالثة، وإن كان المستشار الرفيع فوق العادة قد مرّ خلال مراحل مختلفة وتواريخ طويلة شاباً وناضجاً وخبيراً، لكن الملوك السابقين كانوا يعلمون أين يضعون أسرارهم ولمن يسلّمون مسؤولية عاصمتهم الرياض.

في كل عهد كان له حضور، ومع كل عصر كان يزهو بالقدرة العالية وفق الظروف الراهنة والمستقبلية، يقرأ كثيرا ويستمع مليّا، ورأى وطنه بعين استثنائية، لا تسمع منه في مجالسه كلمة “المواطنين” إلا قليلا، لأنه يعلنها على الملأ “أيها الشعب”.

في مسيرته تاريخ إداري كبير، وإرث تنموي مشاهد، يسير وفي يده غرسة إنجاز تظل تحت رعايته لتثمر علامة حضارية جديدة، تتوالد معها الإنجازات، لذلك يضرب به المثل في الصبر والعمل ودوام الحركة لصالح وطنه، حازم عاشق للتحديات، سبّاقٌ للأعمال الإنسانية والخيرية وفي يده المزيد، منبع وفاء وكرم وفي قلبه سحائب من الهطل الغزير، ليس أيقونة عادية داخل أسرة آل سعود المالكة؛ بل فخرهم المتوارث منذ سنين، وبينه وبين السعوديين تجاذب مقيم.

الملك السابع للمملكة العربية السعودية، سلمان بن عبدالعزيز، سيف قوي بلا منازع، يعشقه الشعب قبل أسرته، يعرفه الصغار قبل الكبار، ويعرفه الفقراء قبل الأغنياء، جاء ملكا وكأن والده المؤسس الملك عبدالعزيز قد عاد، وكأن مناديا من فوق قصر المصمك العتيق ينادي أن الحكم له.. أن سلمان ملك.. وأن الخير قادم على الدوام.

ثالث ملوك السعودية ممن اختاروا لقب “خادم الحرمين الشريفين” عوضا عن لقب “صاحب الجلالة” فهو الراوي في مجلسه أن الخير في خدمة الإسلام وخدمة البيت الحرام والمسجد النبوي اللذين تعتز المملكة وتتشرف بهما وبضيوفهما.

وزارة الدفاع التي يغادرها اليوم سلمان ويسلم زمامها للشباب كان قد أسس فيها منظومة إدارية جديدة، تقوم على الشفافية وحوكمة العمل، وفق منهج متطور، فشهدت في عهده كثافة في المناورات والمشاريع العسكرية


الإدارة والإمارة


حين يصدح أذان فجر الرياض، يكون سلمان حينها على وشك بدء يومه، يؤدّي صلاته ويعود لقصره مطالعا لصحافة بلاده، يدوّن حولها بعض النقاط، وينطلق نحو قصر الحكم (مقر إمارة العاصمة) كل يومه عمل، وجدول استقبالات لعشرات من شعبه، لا يعرف في مصطلحه بابا مغلقا، بل يشدد أن يظل “الباب مفتوحا” لمن احتاج القدوم، يقول سلمان الأمير والملك “إن الدولة دأبت منذ عهد الملك المؤسس على سياسة الباب المفتوح، وسار عليها أبناؤه من بعده كمظهر من مظاهر الحكم في المملكة وأضحت هذه المجالس المفتوحة صورة صادقة للعلاقة بين ولاة الأمر والشعب، فيحرص عليها المسؤول ويحتاجها المواطن والمقيم وتعد مضماراً لاستقبال المقترحين والشاكين والتعرف على مشاكلهم والعمل على حلها وتلمس احتياجات الناس والنظر في أحوالهم”.

لم يكن سلمان ملك اليوم والمستقبل السعودي، أميراً للرياض التي تولى مسؤوليتها وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره في العام 1954 فحسب، بل كان مرافقا لوالده الملك عبدالعزيز ومكمنا لثقته الكبيرة رغم أنه الابن الخامس والعشرون في ترتيب أبناء الملك المؤسس، وعلى ذلك جعله الملوك الكبار قريبا منهم من سعود الملك ومرورا بالملك فيصل والملك خالد ومن ثمة الملك فهد وحتى الملك الراحل عبدالله، الذي اختاره وليّا لعهده.

في إمارة الرياض التي كانت قرية صغيرة بيوتها من الطين وفيها شارع واحد كما يروي أميرها سلمان، قضّى ما يقرب من خمسين عاما، حقق فيها إنجازات عملاقة، ورسم خططا استراتيجية على المدى البعيد حتى العام 2030 وما تشهده عاصمة المملكة اليوم هو نتاج عمل حقيقي عمل عليه الملك سلمان أعواما عديدة، جعل الرياض منارة عمرانية على مستوى المنطقة ونموا حضريا يجعلها الأولى في التوسع عالميا، لتصبح إحدى أهم عواصم الأرض المتطورة، فالرياض هي مشروعه المصغّر والمملكة هي المشروع الأكبر.

بعد وفاة وليّ العهد الأسبق الأمير سلطان بن عبدالعزيز في العام 2011 أمر الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، بتعيين سلمان وزيرا للدفاع، وهي مرحلة مهمة في تاريخ الوزارة، حيث قضّى فيها ما يقرب من أربعة أعوام، أسس خلالها منظومة إدارية جديدة، تقوم على الشفافية وحوكمة العمل، وفق منهج متطور، وزاد على ذلك أمره بالتوسع في القبول بالكليات والمعاهد العسكرية والتدريب العالي لكافة القوات المسلحة، وابتعاث الأفراد والضباط إلى الدول المتقدمة في مجالات التصنيع، وشهدت وزارة الدفاع في عهده كثافة في المناورات والمشاريع العسكرية، وتعزيزا قويا للدفاع عن حدود المملكة، كان سلمان خلالها مشاركا للعسكريين في مواقعهم قريبا منهم في أوج الأزمات.

يعد الأمير الملك، أكثر أمراء آل سعود عامة ثقافة ومعرفة، يمتلك ذاكرة حديدية في تاريخ المملكة لم يخالطها صدأ أو تغيير، فراسته وعلمه بالأنساب تجعله يفصّل تاريخ أسرة من يتحدث أمامه بطريقة مذهلة، يربط الحدث بالكلمات مستذكرا، ويفصّل في حديثه في مجالسه عن مناطق وطنه، التي يعلن اعتزازه بها، وأن لكل منطقة ومدينة دور في توحيد البلاد التي تجاوزت ثمانية عقود من النماء.

وكان الملك سلمان الأب الروحي لعدد من المكتبات الكبرى، ودور العلوم ومراكز البحث، حيث أسّس دارة الملك عبدالعزيز المعنية بحفظ التراث والتاريخ، وكذلك ساهم في تأسيس مكتبة الملك فهد الوطنية التي ترأس مجلس أمنائها، فهو القائل “إننا نحن كعرب ومسلمين أثّرنا في مستقبل العالم بالثقافات”.

سلمان بن عبدالعزيز يواصل عمل ذلك الشاب الذي تولى إمارة الرياض قبل نصف قرن ليصنع منها جوهرة بين مدن العالم، وليتحول مشروعه الإداري إلى أكبر من مدينة شاملا السعودية كلها


والد الإعلام السعودي


للملك سلمان اهتمام غير محدود بشؤون الثقافة والإعلام، محبّ لهما، فهو كاتب مقالات جيد ومعقب على بعض المقالات التي تخالف وجهة نظره فيرد عليها دون إقصاء للرأي الآخر، الملك يرى أن التأثير والتوجيه الذي أصبح دوراً واضحاً للإعلام في الوقت الحاضر في العالم كله “يفرض على كل من تولى مسؤولية إعلامية أن يشعر بأنه أستاذ في مدرسة. فكما أن الأستاذ ينشئ أجيالاً، كذلك المحرر والمسؤول في كل وسائل الإعلام”.

ويشجّع الملك دور النشر على مواصلة دورها الحضاري، بل ويدعو من منابره السابقة التي تولاها على زيادة افتتاح المكتبات العامة في مختلف المناطق، مبينا فخره بانتعاش الإنتاج الثقافي والمعرفي لدى كتاب المملكة قائلا “إن هذا شيء يجب أن نشجعه ونعمل له”.

يعلم سلمان الملك، أن التقنية أصبحت مؤثرا أساسياً في تلقي المعلومة، فكان أول أمير سعودي مسؤول يفتتح حسابا على موقع التواصل الاجتماعي تويتر ناقلاً من خلاله أخباره واجتماعاته، وأصبح هذا الحساب مع توليه العرش في السعودية بمثابة المتحدث الرسمي باسمه.


الملك والشعب


سلمان بن عبدالعزيز، يرى أن أسرة آل سعود هي خادمة للشعب، ومن فضل الله أن ملوك الدولة السعودية يسهرون على مصالح شعبهم، وشعبهم متجاوب، لا يتوقف عن القول إنه يريد للسعوديين الأفضل “وأنهم يستحقون ذلك”، كان له دور مؤثر على الصعيد الاجتماعي، فهو يمتلك سجلا أبيض في العمل الخيري إلى أقصى مكان وصلت إليه أعمال مؤسساته الإنسانية، ليس أقلها مساعدة الأيتام، حتى لقبه الفقراء بـ”أبو الأيتام”، فهو الذي كان رئيساً لعدد من الجمعيات الخيرية والإنسانية، داخل المملكة، ويدا ممتدة بالخير لعدد من الدول العربية والإسلامية كان فيها قائداً ومحرضاً وداعياً لعدد من الحملات الإغاثية الموجهة لدول مختلفة، فنال على إثر جهوده الإنسانية هذه العديد من الأوسمة والميداليات من دول عدة منها مملكة البحرين والبوسنة والهرسك وفرنسا والمغرب وفلسطين والفيليبين والسنغال والأمم المتحدة واليمن.

لمس السعوديون من مرافقة سلمان لشقيقه الراحل وليّ العهد ووزير الدفاع الطيران السابق الأمير سلطان في رحلته العلاجية لأكثر من عام، علامة أخوّة وروابط قوية لم تغيرها المناصب وانشغالات المملكة بملفات عديدة، وكان أشد المتأثرين برحيل إخوانه، سندا للجميع، يعدّه السعوديون عروة تماسك وثقى داخل الأسرة السعودية، ذلك التماسك والدور الجامع عكسه الانتقال السلس للحكم بعد الملك عبدالله إليه، وسط دعوات ومباركات صادقة من إخوته وأبناء إخوته وشعبه.

قبل أيام، أصدر الملك سلمان تشكيلا وزاريا تاريخيا في عهد المملكة، تخلل تعيينه ضخ الحكومة بروح الشباب، والكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في زمن قصير، وهو شيء تمرس عليه الملك سلمان منذ سنوات سابقة حين كان رأيه نقطة ترجيح لعدد من الخيارات التي واجهت الملوك السابقين في شكل وحجم التعديلات على مستوى الوزراء وأركان الحكم.

نرى ذلك من خلال شكل الحكومة السعودية الجديدة، التي تنوعت بين أجيال مختلفة وثقافات مختلفة، يجمع ما بينها عناصر الكفاءة والتميز والخبرات والطموح، ثمة ما يثبّته سلمان، وثمة ما يحرص على تغييره، وفي كلا الحالين هو يعرف ما يفعل، فنموذجه يبقى الصورة التي صنع عليها مدينة الرياض، فجعل من أبنائها كلهم صغاراً وكباراً رجالاً ونساء مشاركين في بنائها مساهمين في نهضتها.

الملك سلمان بقي ذلك الشاب الذي تولى إمارة الرياض وثقة أبيه وإخوته، ولهذا لم يفارق الشباب يوماً، فهو أول من خصص جائزة سنوية للشباب ذكورا وإناثا، وأسس مركزا خاصا لهم لتأسيس ثقافة التميز وترسيخ روح المبادرة لدى الشباب، والمساهمة في بناء جيل مبدع من قادة المستقبل، يسهمون في دفع واستمرار مسيرة التقدم للسعودية.

الملك سلمان بن عبدالعزيز عهدٌ أصيل جديد ورؤية خلاقة تتجدّد يوماً بعد يوم.

7