الملك عبدالله الثاني: سوريا تشهد حربين واحدة ضد النظام وأخرى ضد داعش

الاثنين 2014/12/08
الملك عبدالله الثاني يطرح استراتيجية لمحور الاعتدال العربي

واشنطن – في إطار زيارته التي أداها مؤخرا إلى واشنطن، تناول العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تشارلي روز، بثتها شبكة "بي بي أس" الأميركية، أبرز التحديات الإقليمية والدولية، ورؤية المملكة الهاشمية حيالها، خاصة في ما يتعلق بالشأن السوري والعراقي، مؤكدا على ضرورة التعاون الدولي لمحاربة “داعش”، في ما يلي أبرز ما جاء فيها.

تطرق العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى العديد من النقاط المتعلقة بالوضع الإقليمي الهش الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط كما طرح تصوره للحلول التي يمكن أن تكون كفيلة بوضع حدّ لتكاثف التهديدات الإرهابية، وفي ما يلي أبرز ما تضمنه الحوار:

- عندما تتحدث عن “داعش”، ما هو الخطر الذي تمثله اليوم من وجهة نظرك؟

* بالنسبة لتنظيم “داعش” وما هو على شاكلته، علينا أن نفهم أنه يمثل تهديدا دوليا، فالأمر لا يتعلق بالتهديد الذي نتعرض له اليوم، رغم أن العديد منا يعتقد أن الأولوية هي للتعامل معه في العراق وسوريا. علينا أن نتذكر وأن ننظر أيضا في الوضع في سيناء وليبيا، حيث ينطوي أيضا على تحديات مماثلة، وكذلك الأمر في الصومال ومالي ونيجيريا. ولذا فإنني آمل أن يتوفر لدينا عاجلا لا آجلا منهج استراتيجي شامل للتعامل مع كل هذه التنظيمات، وهي كلها واحدة في الحقيقة؛ فهي تتشارك في نفس الفكر رغم اختلاف أسمائها.

- ما هي طبيعة هذا المنهج الشامل؟

* حسنا، إنها تعني أن نسعى جميعا إلى مساعدة بعضنا البعض. نحن في الأردن نتعامل، كما هو معلوم، مع الوضع في سوريا والعراق، وبالشراكة مع دول أخرى. وقد كنت في مصر قبل أيام وقلت للرئيس عبدالفتاح السيسي إنه من الضروري أن نتواصل مع أصدقائنا في أفريقيا، وبالتحديد مع دولتين أرى أنّهما مهمتان من حيث مبادرتهما في التعامل مع قضايا الإرهاب في أفريقيا. فمن الواضح أن رئيس الغابون يسعى إلى مجابهة تنظيم “بوكو حرام” بالتعاون مع دول أفريقيا الوسطى، وهناك الرئيس الكيني في الجنوب يسعى كذلك من جهته إلى مجابهة “حركة الشباب”، ويدعم الصومال أيضا. وعليه، فإنّ قضية محاربة الإرهاب تتطلب أن نوحد استراتيجياتنا، وهذا أحد الأسباب التي دفعتني للقدوم إلى واشنطن. فأنا أعلم أنّنا يجب أن نركز على سوريا والعراق، ولكن يجب كذلك أن يكون لدينا منهج إقليميّ للتعامل مع هذا الخطر.

الرئيس السيسي يسعى إلى إعادة القوة والاستقرار لبلده، وعلينا جميعا أن ندعم جهوده تلك

- في ما يتعلّق بكلّ من سوريا والعراق أوّلا؛ هل أنّ الضربات الجوية تعدّ كافية لوقف تنظيم “داعش”؟

* نعلم جميعا أنّ الضربات الجوية مهمة جدا، وتستطيع أن تتخيل كيف سيكون الوضع دون هذه الضربات. لكن الهجمات الجوية لن تستطيع وحدها أن تهزم “داعش”، والمسألة المهمة الآن هي طبيعة الوضع على الأرض. من جهة أخرى، يعدّ الوضع مختلفا قليلا في العراق، رغم أنّه علينا أن ندمج بين العراق وسوريا بصورة أو بأخرى في ما يتعلق بهذه المسألة، فلا يمكن حل جزء من المشكلة دون الجزء الآخر، بل يجب دوما التعامل مع المسألتين في آن واحد، فالظروف في العراق مختلفة نوعا ما لأنّنا نتعامل مع الحكومة العراقية ونعمل على مساعدتها ضد “داعش”، وكذلك يُعدّ دعم الأكراد بالسلاح والعتاد في غاية الأهمية أيضا كي نمكّنهم من التصدي لـ”داعش” بفعالية.

والأهم من ذلك كلّه هو التواصل مع العشائر السنية في غرب العراق، التي تتعرض لخطر داهم من قبل عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، فرجال كثر من هذه العشائر تمّ إعدامهم من قبل هذا التنظيم، وعامل الوقت في هذا السياق مهم جدا. والأمر الذي لا نريد أن نراه يحدث إذا ما تأخرنا كثيرا هو مجازر ترتكب بحق السكان في تلك المناطق، حيث يشعر الناس هناك ألاّ ملجأ لهم إلاّ الاستسلام والخضوع لـ”داعش”. وفي هذا السياق، هناك بعض التأخير في العمليات، ولا ذنب لأي طرف في ذلك، إذ أنّ الأمر يتعلّق بقدرات الجيش العراقي في تحرير بعض المدن من سيطرة التنظيم. وبناء عليه فإنّ هذه القضايا بالتحديد هي التي علينا التعامل معها، وهي كذلك تتنزل في إطار زيارتي هذه إلى واشنطن. إذ لا بد من التواصل مع العشائر السنية في غرب العراق دون تأخير.

- هناك حديث عن تدريب حلف الناتو لبعض القوات، وتفيد عدّة تقارير أنكم قد تقومون كذلك بتدريب البعض الآخر في الأردن؟

* نحن نتحدث مع العراقيين، وقد أبدوا اهتماما بأن نقوم بالتدريب لصالحهم، وقد زارنا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبل حوالي ستة أسابيع، وكانت زيارة ناجحة جدا. وقد فتحنا أبوابنا لنرى كيف يمكن لنا أن نساعد العراقيين. ومن الواضح أنّ النظر في موضوع تدريب الجيش السوري الحر للتصدي لـ”داعش” يعدّ مسألة خاضعة للنقاش حاليا، ونحن نركز على فتح منافذ التواصل مع العشائر التي تقاتل التنظيم داخل الأراضي السورية، وتحديدا في شرق البلاد. ومرّة أخرى أقول إنّ إحدى المشاكل المطروحة تكمن في أنّ هناك انطباعا سائدا في شرق سوريا وفي سوريا عموما، وأيضا في غرب العراق، مفاده أن سكّان تلك المناطق يعتقدون أنّ المجتمع الدولي لا يتحرك إلاّ إذا تعرضت الأقلّيات للخطر، وتحديدا المسيحيين أو الأكراد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسنَّة فإنهم مهملون أكثر من غيرهم نوعا ما، ولهذا فإنّ عامل الوقت مهمّ جدا في اعتقادي. إذ علينا أن نتواصل مع العشائر في غرب العراق وشرق سوريا لنجعلها تشعر أنّ المجتمع الدولي مهتم بها.

النظر في موضوع تدريب الجيش السوري الحر للتصدي لـ"داعش" مسألة خاضعة للنقاش حاليا

- ولكن هل يشمل ذلك إرسال قوات أردنية؟

* أعتقد أنه في نهاية المطاف، سواء في العراق أو سوريا، لا بد أن تنفذ هذه المهمّة من قبل السكان المحليين أنفسهم. لكن تزويدهم بالعتاد والدعم مسألة أخرى. والسؤال هو: كيف يمكن تأمين الدعم لهم على أرض الواقع. هناك الآن هجمات جوية. هناك أسئلة: هل نؤمنّهم بالدعم جوا، أم برا؟ كيف يمكن أن نحميهم وندعمهم؟ أعتقد أن هذه هي القضايا التي سوف تُبحث. ولكنّي لا أريد لأي شخص أن يظن أن أيّ طرف منا يتحدث عن إرسال قوات برية لحل المشكلة، ففي النهاية؛ على السوريين وكذلك العراقيين أن يحلوا المشكلة بأنفسهم.

- لكن هل هذا يكفي في سوريا؟

* لن يكون الحل سريعا في سوريا، وأيّ شخص يعتقد أنه سيكون كذلك فهو ليس ملمّا بطبيعة الوضع. وأكرّر أنه لكي تفهم الأمر، فإن تعقيدات الوضع في سوريا تشتمل على معضلة أساسها أن هناك فعليا حربين، وهو ما يعقّد النقاش حول سوريا، فهناك الحرب من أجل تغيير النظام في سوريا (في غربها)، وهناك الحرب ضد “داعش” (في شرقها). وعليه، لا بد من حل المشكلتين في آن واحد. وهذا يعدّ جزءا من المشكلة.

- هل يعني هذا أنّ في سوريا عدّوين؛ الأسد في غربها و”داعش” في شرقها، وماهي الأولوية في نظرك؟

* هذا إن أردت تبسيط الأمور تماما، وذلك جزء من تعقيدات الموقف عندما تحاول أن تجد حلاّ للمشكلة. وهناك جزء آخر منها، وهو ما تعرضت له في مباحثاتي مع أعضاء الكونغرس في الأيام القليلة الماضية، وهو أن هناك خلافا بين الناس على الأولويات، مما يزيد في تعقيد الموقف. إنّ مسألة الجهاديين الدوليين تعد مشكلة كبيرة في نظرنا لأنها تمثّل في الوقت الراهن التهديد المباشر. وأعتقد أنه بسبب ما نراه من إعدامات جماعية، يتساءل البعض كيف يمكن أن نذهب مباشرة إلى الميدان لإنقاذ الناس. ولكن هذا لا يعني أن النظام السوري يقوم بما هو أفضل. وهناك أناس كثيرون يتساءلون إن كان النظام سوف ينجو دون عقوبة. وهذا أيضا جزء من تعقيدات المشهد. ومن وجهة نظري أرى أن الحل الوحيد لسوريا هو الحل السياسي.

- هناك جدل الآن في واشنطن بعد أن ذكر الوزير هيغل أنّه إذا تمّ إلحاق ضرر بـ”داعش” من الجو، فإنّ ذلك سيكون من مصلحة النظام السوري، هل يستقيم ذلك؟

* نعم، ولكن لا تنسى أنّ استراتيجية النظام السوري في السنة ونصف السنة الماضية لم تكن ضرب الجماعات المتطرفة، بل كانت تستهدف المعتدلة، ممّا أعطى المجال نوعا ما للجماعات المتطرفة كي تكسب أرضا وتنفّذ المذابح، وبالتالي تمكّن النظام من كسب الدعاية الإعلامية.

العاهل الأردني: تعطل تسليح المعارضة نتج عن عدم فهم لقواعد اللعبة

- هل كان من المستحيل أن يتمّ تسليح القوى المعتدلة؟

* لا، لم تكن مهمّة مستحيلة، ولكن ربما كان الأمر يتعلق بعدم فهم قواعد اللعبة، وتحديدا الوحدات المتواجدة على الأرض، ومن يتسلم العتاد والسلاح، وما انعكاس ذلك على الطرف المُزوِّد بهذا السلاح. أمّا الحدود الجنوبية فلها وضع مختلف تماما. لم يتمّ اتّخاذ إجراء حازم، كالذي كنت آمله، ولذلك فنحن اليوم أمام وضع أصعب بالتأكيد.

- هل أنّ بعض الشركاء في التحالف يرون أن الأسد يعدّ المشكلة الرئيسية وليس المشكلة الثانوية؟

* هذا جزء آخر من تعقيدات المشهد في سوريا، ففي نهاية المطاف لا بدّ من حلّ سياسي. وأعتقد أنّ ما يحاول العديد منا التوصل إليه هو كيفية دفع المعارضة المعتدلة، بعد تعريف ماهيتها، إلى طاولة الحوار مع النظام لإيجاد حلّ سياسي.

وأنا منذ عامين قد توصلت إلى قناعة مفادها أنّه كلما ازداد دعم المعارضة، تأتي أطراف أخرى وتدعم النظام بالزّخم نفسه، وإذا ما استمر هذا الحال، فإن سوريا سوف تتحول إلى دولة غير مستقرة مطلقا، ولن يستفيد من هذه الفوضى العارمة إلاّ المتطرفون.

ولذلك فإن كنّا نريد أن نخرج سوريا إلى النور، فإنّ الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي من خلال إيجاد حل سياسي. والمشكلة التي تقع في قلب كل هذا هي مستقبل النظام في سوريا. لذا كيف يمكننا تجاوز هذه المعضلة؟ ومن وجهة نظري، فإن الروس يلعبون دورا مهما، لأنهم في نهاية المطاف من سيلعبون دور الضامن والحامي لمستقبل وسلامة العلويين الذين يعدون جزءا مهما من ديناميات الواقع السوري.

وأعتقد أننا إن سلكنا طريق المسار السياسي، فإن الروس قد يشاركون ويساعدون على تحقيق حل سياسي، بعد أن ساهم تدفق المقاتلين في أن تصبح المشكلة دولية.

- وكيف يمكن التعامل مع هذه المشكلة الدولية؟

* من ناحية أخرى، أعتقد شخصيا أننا، كدول عربية وإسلامية، نواجه مشكلة داخل الإسلام، وعلينا تولّيها بأنفسنا، وأن ننهض لنقول الحق ونبيّن الباطل.

يجب أن نوضّح أنّ هذا التطرّف لا يمثل ديننا، بل هو الشرّ بعينه، وعلينا جميعا أن نتّخذ هذا القرار. يجب أن نقف ونقول: هذا هو الخط الفاصل. من كان يؤمن بالحق فليقف إلى جانبنا، ومن لا يؤمن به فعليه أن يتّخذ القرار بالوقوف في الجانب المقابل. إنّها معركة واضحة بين الخير والشر، وهي معركة ستستمر لأجيال قادمة.

وكما قلت للرئيس بوتين في الواقع، فإنّني أعتقد أنها حرب عالمية ثالثة بوسائل مختلفة. وقد قلت ذلك كذلك للرئيس الأميركي، ولزعماء آخرين. وأوضحت من جهتي أنّ هذه المعركة ستستمر لأجيال قادمة، ولكي لا يسيء الناس فهمي، أقول إنّ الحرب في مداها القصير، كما آمل، عسكرية الطابع، وفي المدى المتوسط ستكون أمنية، أمّا على المدى الطويل، فهناك الجانب الأيديولوجي، وهذه هي النقطة التي أؤكد عليها، وهي أننا كمسلمين علينا أن نواجه أنفسنا وندرك أن لدينا هذه المشكلة.

لا أريد لأي شخص أن يظن أن أي طرف منا يتحدث عن إرسال قوات برية، فعلى السوريين والعراقيين حل المشكلة بأنفسهم

- هل تستطيع تخيل إيران كجزء من الحل السياسي في سوريا؟

* أولويتهم هي حزب الله أكثر من النظام السوري. ولكني أعتقد أن الضامن عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات هم الروس أكثر من الإيرانيين.

- في سياق آخر، لقد قابلت الرئيس المصري، مؤخرا، وهو يبدو عازما على اتخاذ إجراء حازم تجاه الإخوان المسلمين. وجماعة الإخوان في الأردن لها حضور، هل أنت مضطر لاتخاذ إجراءات؟

* إنهم منظمة رسمية. قمنا بدعوتها إلى أن تكون جزءا من العملية السياسية في بداية “الربيع العربي”. وفي الواقع، كان الإخوان هم أول جهة سياسية تحدثت إليها حينها. قاموا بعرض مطالبهم المعروفة جدا لدينا. هم أرادوا تغيير الدستور. وطالبوا أيضا بمحكمة دستورية.

وكان لديهم قائمة من المطالب، لبينا معظمها بالمناسبة. وقد طالبوا بلجنة حوار وطني حتّى يتمكنوا من خلالها من الحديث عن الإصلاح. وتم تشكيلها كذلك. طلبنا منهم أن يكونوا جزءا من لجنة الحوار ولكنهم رفضوا. لا تنس بأنه في تلك المرحلة كان “الربيع العربي” قد بدأه شباب تواقون للتغيير، وقد تمّ اختطافه لاحقا من قبل جماعة الإخوان المسلمين والتي هي جمعية سياسية منظمة.

بالمحصلة، كانوا هم من أخذ مكان الشباب الطامح للتغيير. في تلك المرحلة في مصر، إن كنت تذكر، حيث تمّ استبدال الشباب المصري بجماعتهم المنظمة. وفي الأردن، للأسف، اتخذ الإخوان قرارا بالبقاء في الشارع.

- هل أنت موافق على ما يقوم به السيسي في مصر؟

* يجب أن تدرك أنه أيا كان في ذلك الموقع، لا يسعني إلا الإشارة لما يقوم به من جهود لمواجهة التحديات ومساعدة بلده على التعافي. ما يحاول الرجل تحقيقه فعلا لمصر هو إعادة الاستقرار. نحن في حاجة إلى مصر، فهي عماد الشرق الأوسط، وفي اعتقادي، فالرئيس السيسي يسعى إلى إعادة القوة والاستقرار لبلده.

والاقتصاد تحد كبير له. ولكن في نفس الوقت، عليه أن يتعامل مع حالة عدم الاستقرار في سيناء، ونحن جميعا نحاول مساعدته. وهو يتزعم بلدا له حدود طويلة مع ليبيا، ونتبادل معه وجهات النظر أيضا حول الوضع في سوريا والعراق. تخيّل المشاكل التي يتعين عليه التعامل معها. لذا فعلينا جميعا الوقوف مع المصريين ومع السيسي، فهناك الكثير من التحديات التي يواجهها.

7