الملك محمد السادس في جولة ترسيخ الانتماء وتعزيز الشراكة جنوب جنوب

تكرس زيارة الملك محمد السادس إلى عدد من الدول الإفريقية، الانفتاح الذي يسجله المغرب خلال السنوات الأخيرة على محيطه الافريقي، والذي بات خيارا استراتيجيا في سياسة المغرب الخارجية.
الأحد 2015/05/24
الاستقبال الشعبي للملك محمد السادس في دكار يعكس نجاح المقاربة المغربية الأفريقية

يأتي التنصيص على الجذور الأفريقية للمغرب في الدستور ليكرّس لانتماء عريق تشهد عليه العلاقات المغربية التاريخية مع بلدان القارة، حيث لا يمكن لأيّ مؤرخ إلا تسجيل أن المغرب كان له دائما وجود حضاري راسخ في أفريقيا، إضافة إلى وجود سياسي واضح في بعض فترات التاريخ المغربي كما في عصر أحمد المنصور الذهبي في نهاية القرن السادس عشر.

وللحقيقة والتاريخ، فإن ملوك المغرب يعتبرون أفريقيا مجالا حيويا، ونقطة ارتكاز في فك كل حصار تحاول الدول الأوروبية فرضه على المغرب، لضرب مصالحه الاقتصادية التجارية والجيوسياسية والحد من نفوذه في المنطقة.

غير أن إدراك المغرب لأبعاد هذه الاستراتيجية الرامية إلى عزله وقطع أواصر علاقاته مع بلدان أفريقيا جعله يعتمد سياسة العمل على تحويل الحدود بينه وبين الدول الأفريقية إلى مناطق للتواصل وليس لإعاقته كما كانت تخطط الدول الاستعمارية. وهذا ما يفسر في أحد أبعاده العلاقات التاريخية المتواصلة بين المغرب ودولة مالي وحرص المغرب على تنمية علاقاته العريقة مع السنغال والعمل على تعزيز علاقات التعاون وحسن الجوار مع موريتانيا والإصرار اللامتناهي على منع إنشاء دويلة قزمية في أقاليمه الجنوبية.

وتعكس هذا التوجّه، الزيارات المتواترة التي يقوم بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى عديد الدول الأفريقية، والتي يتمّ خلالها التفعيل الميداني والملموس لهذا التوجّه الداعم للتعاون جنوب جنوب من خلال إطلاق المشاريع في مختلف المجالات الاقتصادية والصحية والاجتماعية.

وفي تأكيد جديد على الالتزام التام بهذه السياسة، وصل العاهل المغربي الملك محمد السادس، الأربعاء الماضي إلى العاصمة السنغالية دكار، وهي محطته الأولى ضمن جولة تشمل ثلاث دول أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي ساحل العاج والغابون وغينيا بيساو.

ومنذ وصوله إلى دكار أشرف العاهل المغربي الملك محمد السادس على توقيع مجموعة من الاتفاقيات في مجالات تشمل الصناعة والجمارك والسياحة والبيئة. كما أشرف الملك محمد السادس أمس السبت على تقديم هبة عبارة عن 10 طن من الأدوية والتجهيزات الطبية للمركز الاستشفائي الجامعي فان بدكار. ومن المنتظر أن يتم توقيع اتفاقيات مماثلة مع ساحل العاج والغابون وغينيا بيساو، في سياق دعم الصداقة في مختلف المجالات.

وتندرج هذه الاتفاقيات في إطار تصور راسخ لدى المغرب، خاصة في عهد الملك محمد السادس، حيث أنيطت للسياسة الخارجية وللدبلوماسية مسؤولية القيام بمهام متواصلة في أبعادها وأهدافها لتصب كلها في خدمة مصالح استراتيجية مشتركة ومتوازنة بين المغرب وشركائه الأفارقة، إيمانا منه أن التعامل الندّي بين دول جنوب جنوب من شأنه تحقيق الأهداف المنشودة.

إدراك المغرب لأبعاد الاستراتيجية الرامية إلى عزله وقطع أواصر علاقاته مع بلدان أفريقيا جعله يعتمد سياسة العمل على تحويل الحدود بينه وبين الدول الأفريقية إلى مناطق للتواصل

وفي الواقع، فإن الدبلوماسية السياسة والاقتصادية، تجاه أفريقيا تعتبر ركنا أساسيا من أركان السياسة الخارجية المغربية، وهي حاضرة، في مختلف تحركاتها على المستويات الأفريقية. وعرفت منعطفات جوهرية بين فترة وأخرى، بارتباط مع التطورات التي تعرفها قضية المغرب الوطنية والنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، وبموازاة مع بروز بؤر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، وخاصة تحول الإرهاب إلى تهديد ماثل أمام كل بلدان العالم، وتسارع وتيرة تحركات الجماعات المتطرفة المسلحة، والاتساع المتنامي للرقعة الجغرافية التي تعتبر بيئة خصبة لها، في عدد من البلدان الافريقية.

وفي سياق تصور شامل للتهديدات التي تعيشها أفريقيا في أمنها السياسي والاقتصادي ركّز المغرب في علاقاته الأفريقية على التحرك على عدة محاور متكاملة لتعزيز أواصر الصداقة والتعاون مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء، منها على سبيل المثال:

* الاقتصاد في خدمة التنمية والتضامن: يمكن القول هنا، إن العلاقات الاقتصادية بين المغرب وشركائه الأفارقة في الدول التي شملتها الجولة الأخيرة للملك محمد السادس تصب باتجاه خدمة تنمية هذه البلدان وإنعاش الاقتصاد المغربي، من خلال تمويل المغرب لعدد من المشاريع الاقتصادية في مختلف المجالات، سواء في ذلك ما يقوم به القطاع العام في هذا المجال أو ما يقوم به القطاع الخاص الذي نمّى استثماراته في السنغال وساحل العاج والغابون وغينيا بيساو انطلاقا من حرص الملك محمد السادس على إشراك القطاعين العام والخاص في المجهود التنموي لأفريقيا التي تشكل، رغم بعض الصعوبات التي تعترضها راهنا، المستقبل الحقيقي للعالم، كما سبق للعاهل المغربي أن أكد في رسالته إلى القمة الفرنسية الأفريقية في باريس. وذلك لما تختزنه هذه القارة من الغنى والإمكانيات الكثيرة التي لا يتطلب إدراكها إلا التحلي برؤية قادرة على استشراف هذا المستقبل، وهي مشروطة بامتلاك ذهنية الشراكة والندية والمصالح المشتركة وعدم الوقوف عند الحسابات الضيقة التي تزن العلاقات من خلال معايير ذاتية أحادية الجانب وجامدة لاعتقادها أن البلدان التي تعاني من بعض مظاهر ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الوقت الراهن، محكوم عليها أن تظل كذلك في المستقبل.

* التعاون العلمي التكنولوجي: انطلاقا من قناعة راسخة لدى الملك محمد السادس بضرورة توسيع مجال الشراكة مع الدول الأفريقية، لتشمل مختلف المستويات والميادين، اعتبر أن كل تعاون لا يتم فيه تبادل الخبرات بين الدول والشعوب، في مجالات العلم والتكنولوجيا يظل ناقصا.

ولعل هذا ما دفع المغرب إلى عقد اتفاقات مع مختلف الدول التي شملتها زيارة الملك محمد السادس في مجال تبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية وهو ما كانت تفتقر إليه دول الجنوب عموما في علاقاتها مع العالم الغربي المتقدم الذي أبان عن شح شبه نموذجي في هذا المجال لاعتقاده أن تمكين الدول النامية من أسباب امتلاك العلم والتكنولوجيا سيضعف لديها قابلية التبعية له في مختلف المجالات.

المغرب يركز في علاقاته الأفريقية على التحرك على عدة محاور متكاملة لتعزيز أواصر الصداقة والتعاون مع الدول الأفريقية

* التعاون في مجال التكوين والتوجيه الروحي: الشعب المغربي عبر التاريخ شعب مسالم، وإن كان يأبى الضيم، ولا يتردد في مواجهته، دفاعا عن كرامته وأرضه، على غرار كل شعوب العالم. غير أنه اكتسب مع العصور عددا من السمات والمميزات التي طبعت شخصيته الثقافية الحضارية، وأعطته هويته العربية والإسلامية ما أصبح مثالا في الاعتدال واختيار الوسطية والنزوع إلى التسويات والتوافقات في حسم قضايا الخلاف بين مكوناته. وقد اعتبر المغرب أن رفع هذا السلوك إلى مستوى المنهج في علاقاته مع غيره من البلدان هو ضمانة أساسية لسيادته وسيادة الآخرين ولحريته، بما لا يعتدي على حرية الآخرين. ولعل تمسكه بتعاليم الإسلام الحنيف والمعتدل بالتعريف، هو الذي ساعد على انتشار إشعاعه الروحي في عدد من البلدان الأفريقية. لذلك تجدها تقتسم معه عددا من الرموز الدينية والممارسات الصوفية التي تدل على عمق علاقات التواصل بين المغرب وتلك البلدان، كما يدل على ذلك انتشار أتباع ومريدي الزاوية التيجانية في تلك البلدان.

ولا غرابة، إذن، في أن تولّي هذه البلدان وجهها نحو المغرب، وهي تواجه تيارات التطرف والإرهاب، للعمل على تمكين أئمتها ومرشديها الدينيين من التكوين المنسجم مع تعاليم الإسلام الذي ينبذ الغلو والتطرف، ويدعو إلى اعتماد الحوار ومقارعة الحجة بالحجة في التعاطي مع قضايا الخلاف. وفي هذا السياق، تم توقيع اتفاقيات لتكوين المئات من الأئمة في المغرب باعتباره نموذجا في اعتدال التوجهات والمقاربات في المجال الديني الأمر الذي ساهم في تحصينه من مخاطر قوى التطرف والفتنة التي تحاول تقويض الأمن والاستقرار وجعل نهضة الشعوب من باب المستحيل.

* المقاربة المغربية لمشكلة الهجرة: أما في مجال الهجرة فقد بذل المغرب جهودا متنامية في مقاربة هذه المعضلة بتنسيق تام مع عدد من الدول الأفريقية التي يتدفق منها المهاجرون عبر موجات متواصلة نحو الشمال والذين استقر عشرات الآلاف منهم في المغرب، وتحولوا إلى ظاهرة مقلقة في مختلف الأوساط بعدد كبير من المدن المغربية، وهو ما أثار ردود أفعال سلبية في بعض الأوساط المهنية والشعبية.

وقد أدرك المغرب مبكرا أنه ينبغي مواجهة ردود الفعل السلبية تلك بالحزم الضروري، في ظل احترام القانون، فأعطى الملك محمد السادس توجيهاته الصريحة إلى كل المؤسسات ذات الصلة للانكباب على دراسة الظاهرة، وإصدار التوصيات الضرورية للعمل على إيجاد حل قانوني وإنساني لها. وهو ما باشرته المؤسسات فعلا، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي قدم توصياته في هذا المجال، ولقيت دعم الملك مما فتح المجال أمام ورشة إصلاحية وإنسانية حقيقية تم خلالها تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين ليستفيدوا مما يستفيد منه كل المقيمين الشرعيين بالبلاد دون تمييز.

وقد حظي هذا الموقف المغربي بتقدير واحترام المجتمع الدولي عموما ومؤسساته الحقوقية والإنسانية إلى جانب مختلف الدول الأفريقية التي ثمنت المقاربة المغربية على عكس المعاملة غير اللائقة التي يتعرض لها المهاجرون في عدد من بلدان الجوار المغربي علاوة على البلدان الغربية.

2